Accessibility links

سجال فكري عراقي: السيستاني بصفته تنويريا


مشهد من شارع المتنبي المركز الحيوي للثقافة العراقية/علي عبد الأمير

بقلم علي عبد الأمير:

إذا كانت أفكار التنوير هي حرية المعتقد وتأكيد على القيمة الفردية العليا للإنسان ومناهضة القوى التي تناهض الحرية والوجود الحي لبني البشر، فإن نقيضها، أي الأفكار الظلامية، هي مناهضة العقل والحرية ورفض الوجود الفردي للإنسان والنظر إليه على كونه رقما من قطيع عليه الطاعة.

هنا، عبر (إرفع صوتك)، وضعنا سؤالا في مدار النقاش: هل ثمة أمل للفكر التنويري في العراق وكيف؟ لا سيما في وقت يبدو نهبا للاستقطاب الحاد فكريا واجتماعيا وسياسيا؟

اقرأ ايضا:

في العراق: مجتمع شاب وسلطات عجوز؟

مدخل كهذا يغنيه الباحث والمفكر العراقي د. حسين كركوش بقوله "أظن أن مصطلح (التنوير) وكل ما يشتق منه، وعكسه مصطلح (الظلامية) وكل ما يشتق منه، بدأ استخدامهما في العراق، والعالم العربي عموما بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وأفول نجم الخلافة العثمانية. والمصطلحان كلاهما مترجمان حرفيا من اللغات الأوروبية. و هما ابنان لأوروبا الكاثوليكية وخرجا من رحمها في القرون الوسطى. ولادتهما كانت طبيعية، وليس بعملية قيصرية".

تنوير عراقي.. كيف؟

وفي بحث القضية في سياقها العراقي، يرى الكاتب كركوش في مداخلة مع موقع (إرفع صوتك) أن بلاده لم تشهد حركة تنويرية، أو عصر أنوار، كما حدث في أوروبا. والسبب "ببساطة، لأن العراق لم يعش الظروف التي عاشتها أوروبا، لا دينيا ولا سياسيا ولا طبقيا ولا صناعيا ولا فلسفيا. وبالتالي، فإنه من الصعب جدا الحديث عن وجود تنويريين عراقيين، بالمعنى الغربي".

اقرأ أيضا:

لقاء الدين بالسياسة: العنف سيد الموقف التاريخي

لكن استدراكا مهما للمصطلحين (الظلامية والتنوير) ومدى إمكان وجودهما بمضامين محلية عراقية (وفقا للمرحلة التاريخية التي يعيشها المجتمع العراقي)، يقود الباحث كركوش إلى فكرة عميقة "لو سألنا عراقيا يقول إنه تنويري: ما هي الأفكار أو المواقف الظلامية التي تعيق تقدم المجتمع العراقي وتمنع تقدمه للأمام؟ فإن جوابه سيكون: الطائفية، الفساد المالي والإداري، عمليات الاختطاف والاغتيالات والتشهير التي يذهب ضحيتها مثقفون بمجرد أن يعبروا عن آرائهم وقناعاتهم بطرق لا يوافق عليها بعض المتطرفين المتنفذين سياسيا وعسكريا، غياب دولة المواطنة، ضعف أداء مؤسسات الدولة، وخصوصا القضاء، مما سمح بعودة القيم العشائرية وتسيدها، عدم شفافية الانتخابات العامة، مضايقة المرأة من قبل قوى دينية متطرفة... الخ".

ويختم الدكتور حسين كركوش حديثه "كما نرى فإن هذه الآراء لا يدافع عنها الليبرالي وحده أو اليساري، فحسب. هناك عراقيون متنوعون ومختلفون يدافعون عنها، بما في ذلك أوساط دينية، وخصوصا مواقف المرجع السيد علي السيستاني. وكل هؤلاء تنويريون".

التنويريون في العراق ... مهمشون

ويلفت الأكاديمي العراقي المتخصص بالقانون الدولي، د. علاء السيلاوي، إلى إن بلاده تبدو اليوم بأمسّ الحاجة إلى أفكار التنوير التي يراها مناهضة لديكتاتورية ناشئة بملامح دينية هذه المرة، قائلا في مداخلة مع موقعنا "ربما لا يوجد بلد في العالم يحتاج إلى حركة تنويرية بقدر العراق. كون هذا البلد قد وقع بين كماشات ذات عناوين متعددة إلا أنها تلتقي في كونها تحاول انتهاج سياسة شمولية لإخضاع الشعب برمته وفرض عنوان واحد وموحد له واقتياده خلف قيادة كانت دكتاتورية عسكرية وحزبية قبل عام 2003 ودينية بعده".

وبحسب السياق الذي يمضي فيه أستاذ القانون في جامعة الكوفة، تبدو الحاجة جوهرية في العراق إلى "حركة تنويرية كالتي شهدتها أوروبا في عصر النهضة، ونجحت في وضع حد فاصل بين الفكر القديم الذي كان يتكئ على الخرافات والأساطير وبين الفكر الجديد الذي حمل العقل كعنوان للخطاب الاجتماعي وركيزة أساسية لبناء نظام شرعي للأخلاق".

وبما أن التاريخ حاضر بقوة حتى في الواقع العراقي بل يزاحم حتى المستقبل، يرى السيلاوي أن بلاده لا تعاني من "سخونة التاريخ الذي لا يزال يفرز أجيالا ممغنطة نحوه، أناسا يؤمنون أن التاريخ يمكن أن يكون عنوانا للمستقبل، أناسا يتجهون إلى الوراء معتبرين أن الإنسان يجب أن يهان وأن حقوقه يجب أن تهدر لكي يدخل الجنة".

وفي حين يلقي السيلاوي بعبء كبير على التنويريين في العراق لجهة "انتشال العقل من الواقع المتردي الذي يعيشه"، لكنه يقر أيضا بهامش محدود لقدرتهم على التأثير، فهم "يواجهون جيوش الجهلة التي تملك القوة على الأرض والنفوذ الآن ومن الصعب فرض بديل لها في الوقت الحاضر".

حصاد التنوير .. مستقبلي

ويمسك الكاتب والأديب العراقي، شعلان شريف، بطرف جوهري في النقاش حول الفكر التنويري وتأثيره، فهو قائم على عمل تراكمي لا تبدو بلاده المعاصرة صاحبة الرصيد الكبير الإنقلابات العسكرية في وارد التعاطي معه. يقول شريف لموقنا "التنوير جهد تراكمي من جيل إلى جيل. لكن مشكلة العراق هي غياب التراكم. عرف العراق عبر تاريخه الكثير من حالات القطع مع الماضي، ليبدأ كل مرة من الصفر.

وهذا ما يحصل الآن حيث يبدو وكأن جهود أجيال من التنويريين العراقيين طوال أكثر من قرن راحت هباء، وعلينا أن نبدأ العمل على تكريس المبادئ الأولية التي اعتقدنا أنها أصبحت من البديهيات، مثل فكرة الدولة الحديثة، والهوية الوطنية الجامعة، وأهمية التعليم والثقافة والفنون في خلق مجتمع منتج ومتماسك وخلاّق".

ورغم شيوع خطاب سوداوي متشائم بشأن العراق اليوم، إلا أن الكاتب والصحافي شريف يرى أبعد من ذلك ممثلا بـ"الكثير من الجهود الإيجابية التي تبعث على الأمل، خاصة لدى الشباب. ولعلّ سبب الشعور بالإحباط يعود إلى الرغبة غير الواقعية في رؤية نتائج سريعة للنشاط التنويري، وربط كل شيء بالوضع السياسي، وكأن التنوير برنامج سياسي لحل المعضلات التي يخلقها أو يعجز عن حلها السياسيون".

"ساحة عمل التنويريين في رأيي ليست البرلمان، ولا البرامج السياسية على الشاشات، ولا حتى ساحات التظاهر والاحتجاج"، يتابع شريف، "ساحة عمل التنوير هي الأنشطة الفنية والثقافية، وهي الجامعات ومراكز البحوث، وهي المسارح وقاعات الموسيقى، ونقل الفعل الثقافي التنويري إلى الشارع"، في إشارة إلى أن حيوية الثقافة تتحقق في عمقها الاجتماعي.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

آراءكم

إظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG