Accessibility links

"خدمة الاحتياط".. الشبح المخيف في دمشق


نشر الجيش السوري قائمة بخدمة الاحتياط تتضمن أكثر من 80 ألف مطلوب فقط في دمشق وريفها/ وكالة الصحافة الفرنسية

تركيا – أحمد المحمود:

"لم يقبل السفر، كان يتجنب المرور على الحواجز والخروج من المنزل إلا للضرورة، خوفاً من سوقه للخدمة العسكرية، إلى أن جاء اليوم الذي دخلت فيه دورية من الجيش منزلنا وسحبته من بين يدي. يومها انطفئت الدنيا في عيني. ثم وصلني خبر وفاته على أحد الجبهات"، تتحدث أم أيمن عن قصة اقتياد ابنها علي في دمشق لخدمة الاحتياط.

طُلب علي لخدمة الاحتياط نهاية عام 2016، وبقي بعد تلك الفترة يعيش في دمشق بحذر، يحاول دوماً الابتعاد عن الحواجز، وتجنب المرور من المناطق الأمنية والعسكرية، ويقضي معظم وقته في المنزل، ورفض السفر كبقية أخوته ليبقى إلى جانب والدته التي تعيش لوحدها في دمشق.

اقرأ أيضا:

كيف يعيش الطلاب في جامعة دمشق الحرب؟

بالأرقام: الخبز في سورية.. الخط الأحمر الذي تجاوزه الجميع

تحدث علي مع والدته منذ اقتياده من منزله في حي ركن الدين مرتين، مرة بعد أسبوع من اقتياده حين أخبرها عن وصوله إلى معسكرات دريج في ريف دمشق لتدريبه وإمداده بالمعدات، ومرة حين فُرز إلى جبهة دير الزور. في المرة الثالثة، اتصل صديق علي حاملاً نبأ وفاته نتيجة إصابته بشظية.

كابوس الاحتياط

يشكل موضوع خدمة الاحتياط بالنسبة لشباب دمشق كابوساً حقيقياً منذ أعلن عنه سنة 2013. دفع هذا المئات من الشباب إلى الهجرة هرباً من الجيش، وخوفاً من الانخراط في القتال الدائر بالبلاد.

ورغم عدم وجود رقم دقيق عن أعداد المطلوبين لخدمة الاحتياط، إلا أن العديد من المصادر في شعبة التجنيد تشير إلى أن الرقم يتجاوز 30 ألف شخص، ممن هم بين سن 23 و 45 سنة. وصدرت أكثر من مرة قوائم الاحتياط، كان آخرها قائمة بـ80 ألف مطلوب فقط في دمشق وريفها.

يكرس النظام السوري حملات ضخمة للبحث عن الشباب المتخلفين عن خدمة الاحتياط، من خلال الحواجز المنتشرة في العاصمة ومحطيها، ومداهمات المنازل، حيث يقوم الجنود بسحب البطاقات الشخصية للشباب "وتفييشها"، أي التأكد من أن أصحابها مطلوبون للخدمة أم لا. ويقوم الجيش أيضا بنشر الحواجز "الطيارة"، أي المؤقتة المفاجئة، في مناطق عدة لإيقاف الشباب واقتياد المطلوبين للاحتياط.

ويساق معظم الشباب إلى معسكرات بمنطقتي الدريج والديماس بريف دمشق لخوض دورات عسكرية تدريبية خاصة بالاحتياط، والتي لا تستمر في الغالب لأكثر من أسبوع، ليتم بعدها زج الشباب على الجبهات الساخنة.

عائلات بلا معيل

إيمان، أم لطفلين، تم سحب زوجها لخدمة الاحتياط قبل عيد الأضحى بأسبوع ليتم فرزه مباشرة إلى ريف مدينة الرقة، حيث تدور معارك عنيفة. تقول :" لم يعد لدي أي معيل. فكرنا كثيراً بالسفر منذ وصلت ورقة التعبئة التي تعلمه أن عليه الالتحاق بالخدمة، إلا أننا لم نكن نملك خيارات كثيرة للسفر: يوجد مكان يمكننا الذهاب إليه، وليست لدينا القدرة على توفير تكاليف السفر".

وتتابع إيمان "حاول زوجي أن يبقى دائماً بعيداً عن الحواجز الأمنية، لكن ذلك لم ينفع مع الدورية التي أوقفتنا في الشارع بشكل مفاجئ، وطلبت بطاقته الشخصية، قبل أن يتبين أن اسمه متضمن لدى قوائم سحب الاحتياط، ومن تلك اللحظة تم سحبه بالإجبار، وتغيرت معه كل حياتي".

تخبئ إيمان دموعها وهي تحتضن طفلتها التي تسأل دوما عن والدها. تضع يدها على قلبها كل يوم لا يكلمها فيه زوجها.

أبعاد اجتماعية

وكان لحملات سحب الشباب لخدمة الاحتياط أبعاد اجتماعية عدة، فقد دفعت عددا كبيرا من النساء في دمشق إلى الخروج للبحث عن العمل. يشدد الشاب اسماعيل، 25 عام، لموقع (إرفع صوتك) أن حملة سحب الإحتياط إلى الجيش لا تؤثر على الشبان فقط، بل على المجتمع بأكمله.

ويضيف إسماعيل أن النظام السوري بحملته هذه سيؤثر سلباً على كل القطاعات الأخرى في البلاد، فالزج بما تبقى من الشباب في الحرب خسارة كبيرة للوطن. يقول: "اليوم لن تجد بيتا في دمشق لم يفقد أحد شبابه، إما سجينا في المعتقلات أو استشهد، أو مهجرا، أو مطلوبا للاحتياط، ومن تبقى إما طالب جامعي أو وحيد لا تجب عليه الخدمة. وهذه الحملات تشجع من تبقى على السفر".

استغلال وابتزاز

فتحت هذه الحملات باب التجارة للضباط وعناصر النظام السوري الذين بات بعضهم يستغل قوائم الاحتياط في ابتزاز أهالي المطلوبين من أجل رفع أسماء أبنائهم من القوائم أو غض النظر عنهم.

ودفع العديد من الشباب مبالغ ضخمة لشطب أسمائهم من خدمة الاحتياط، تم تقديمها لعناصر مقربة من النظام السوري.

وعمد النظام السوري في الشهرين الماضيين إلى إعادة تعميم أسماء شطبت من على لوائح الحواجز والمعابر الحدودية لمطلوبين للخدمة العسكرية، بعدما حصل أصحابها سابقاً على استثناءات تعفيهم من الالتحاق بالخدمة بشكل نهائي.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

XS
SM
MD
LG