Accessibility links

مشاركة من صديقة (إرفع صوتك) حسناء بوحرفوش:

عن "اللامركزية" أتكلم.. تلك العبارة التي تغزو نشرات الأخبار والتي توقظ ببالنا مخاوف من الدمار ومن الفوضى ومن تغير الأشكال الجغرافية. في عالم اليوم، تبقى اللامركزية من أخطر تداعيات الإرهاب. فبين صوت الانتصار وصوت العودة إلى الطبيعة، صمت مدقع بلون المجهول. فالإرهاب قد نجح ولا جدال في ذلك في ضرب مركزية الأشياء أي مراكز قوتها، ليحل مكانها وهم النظام ووهم الاستمرار، بينما ما ينتظرنا فعلا هو الصراع مع المجهول وحرب جديدة، ليس ضد الإرهاب فحسب، بل وضد التنظيمات العشوائية التي تفتقر للقيادة كمركز جذب منظم.

فلننظر أعزائي القراء إلى كوكب الأرض على سبيل المثال، ولنفكر بتغير مركزه. بالنتيجة سنقع بفوضى عارمة لأن المحاور كلها ستفقد مركز الجذب، وسيختلف موقع كل منها بالنسبة للأخرى، وسنشهد على كوكب مختلف تماما عن أرضنا المألوفة. ليست هذه سوى صورة عن ثأثيرات ترسبات الارهاب في القرن الجاري. فما هي المحاور التي تعرضت للزعزعة؟ يمكننا اختصارها بأقطاب ومحاور متكاملة ثلاث، هي الاقتصاد والسياسة والدين.

فلنبدأ بالاقتصاد. "الحرب الاقتصادية" هي من المصطلحات التي تستخدم بشكل شائع في أزمان الحرب ولا يمكن فصلها عن الاستراتيجيات العسكرية أقله من ناحية الأهمية، فالحرب الاقتصادية تهدف الى زعزعة المركزية الاقتصادية لدولة ما تمهيدا لشلها وتسهيل إخضاعها. وما يحصل في هذه الحالة هو أن الهوة الاقتصادية تفتح الباب أمام الفوضى فيستغلها البعض لتضخيم ثرواته بينما ينشغل البعض الآخر بالمحاربة من اجل الفتات. هذا نتاج انقلاب الموازين وتغير الاهداف مع تغير مستويات القتال.

ثانيا، السياسة. لا يمكن الكلام عن مركزية في السياسة دون تسليط الضوء على نظرية القائد وتطورها على مر الزمن. فالقادة هم الحكماء العسكريون الذين ينجحون بحماية بلادهم من الخطر وليس بالضرورة عبر جرها للمعارك الحربية. ويختلف المعنى الحقيقي للقائد عن المعني المتداول إعلاميا والذي يقتصر على لقب الشخص كممثل رسمي (بصفة شرعية أكانت أم لا) للشعوب. يقول الكاتب الأميركي هنري ميللر في هذا السياق إن القائد الحقيقي لا يحتاج الى منصب بل يكفيه أن يدل على الطريق. فهو إذا الشخص الملهم الذي يضع أمن ومصالح شعبه قبل مصالحه. فهل تزعزعت مركزية القيادة في عالمنا اليوم؟ الجواب الشافي للجميع هو بالتأكيد، فالحال هو أن القيادة باتت تمر بتراتبية مخيفة معها يصبح من الصعب التواصل مع القائد. ويكفي تصفح وسائل التواصل لنجد الناس مجتمعين ومن طوائف وبلدان مختلفة على تحميل القيادات مسؤولية ما آلت اليه الأحوال.

ثالثا، الدين. لمن قرأ المقالات التي سبق لزملائنا نشرها في المدونة، ليس من الصعب أن يفهم أن مركزية الدين (على اختلاف التسميات) عرضة لانتهاكات كبيرة هدفها زعزعة هذه المؤسسة وتجريدها من رسالتها الإنسانية ومن دورها كرابط أول في التجمعات الديموغرافية التي تميز عالمنا العربي. هكذا، يغيب النظام ويتخبط السواد الأعظم من الناس في المجهول دون قيود وقواعد توجيهيه.

وبضرب مركزية الايمان يضرب التجانس العالمي لتتآكل الساحة الإنسانية عقد وتحليلات ليس فيها من العلم شيء.

عن الكاتبة: حسناء جهاد بو حرفوش، دكتوراه في الآداب الحديثة، متخصصة في المدونات اللبنانيّة (1914-2014) في جامعة السوربون الفرنسية وجامعة بيروت العربية. حائزة على ماجستير في الأدب الفرنكوفوني. حائزة على منحة “ميد أكوي” للتفوّق العلمي. صحافية ولها عدة ترجمات. أستاذة محاضرة في عدة جامعات لبنانية في اللغات الأجنبية والكتابة الإبداعية في الإعلام الحديث والمسرح، ولها مشاركات ومنشورات في مؤتمرات ثقافية.

لمتابعة الكاتبة على فيسبوك إضغط هنا.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

آراءكم

إظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG