Accessibility links

قصص عراقية من واقع التحرش... المرأة ضحية مرتين!


نساء عراقيات/وكالة الصحافة الفرنسية

بغداد – دعاء يوسف:

لم تتوقع الطالبة الجامعية جنان علي أن تتعالى أصوات ركاب الحافلة بالرفض للملابس التي ترتديها، واللوم "لأنها تشجع الشباب على التحرش"، عندما واجهت راكبا حاول التحرش بها.

في البداية، لاذ المتحرش بالصمت، لكن الركاب لاموا الضحية، وعندها تجرأ المتحرش وبدأ بشتمها.

العار والفضيحة

"هذا ما حدث"، تقول الشابة التي تشير إلى أنها تزداد قناعة، بعد كل تحرش تتعرض له امرأة في الأماكن العامة، بأن المجتمع العراقي مسؤول عن تشجيع هذا الرجل أو ذاك للتحرش بها، كونه لا يدين هذا التحرش.

وبعيداً عن هيئة ملابس المرأة، سواء كانت محجبة أو لا، فالمجتمع يجد ذرائع لتحميلها اللوم على التحرش ويعزوه إلى أسلوب تعاملها مع الآخرين إن كان لباسها محتشما، حسب ما ترى جنان بناء على تجربتها. "هذا اللوم يسهل عليهم مطالبة الضحية بالتكتم أو الصمت بعيدا عن العار والفضيحة"، تقول الفتاة.

عائلة جنان متفهمة وتعي هذا الأمر. لكن الفتاة تطلب في كثير من الأحيان من أبيها أو إخوتها مرافقتها إلى بعض الأماكن العامة خشية من التحرش.

وتقول الشابة "نحن نعيش في مجتمع لا يرحم ويحاول استغلال أي شيء للوم المرأة ومحاسبتها. عند وجودي مع أبي او أبي، أشعر بالأمان".

السب والضرب

لكن المجتمع ليس وحده من ينظر للتحرش بهذا الشكل، إذ تتعامل الكثير من العائلات مع بناتها بقسوة قد تصل إلى حد احتجازهن بالمنازل وحرمانهن من الدراسة أو الاختلاط، باعتبارها قد تسيء لعائلتها بمجرد خروجها، واستخدموا مبررات لهذا السلوك مع الفتيات كالحفاظ على تعاليم الدين الإسلامي وشرف العشيرة.

عواطف، فتاة جامعية تسكن برفقة أمها وأخوتها الخمسة ببغداد، كانت طالبة في كلية التربية للبنات. تركت دراستها بعد أن لمح أخوها عندما أوصلها بسيارته للجامعة بالصدفة شابا يسير خلفها، إذ يعتقد أنه كان يُسمعها كلمات غزل.

وتقول أختها نهلة عادل، وهي متزوجة وربة بيت، "وقتها، ركض شقيقي نحوها وانهال عليها وأمام الملأ بالسب والضرب ثم أخذها إلى المنزل. من يومها لم تعد عواطف تستطيع الخروج لوحدها أو إكمال دراستها".

وتضيف أن معظم النساء يتعرضن للتحرش خارج المنزل، وأن الكثيرات منهن يشعرن بالخوف من البوح بذلك لأنّ أحد أفراد الأخوة أو أبناء العم سيتهمونها بتشويه سمعتهم "لأنها تشجع كل شاب على اللحاق بها أو مغازلتها".

وتشير إلى أن النساء قد تعلمن ألا يتدخلن في القرارات التي يتخذها الرجال بحق أي امرأة بالعشيرة، لأنهم سوف يتهمون كل واحدة تحاول مساعدتها بأنها السبب فيما حدث.

اتصالات مجهولة

لا تختلف قصة منال كاظم، التي كانت في دوامها بالمرحلة الأخيرة من الدراسة الإعدادية عندما تلقى هاتفها النقال الذي دوما ما تتركه في البيت عند ذهابها للمدرسة، اتصالات مجهولة عام 2016.

وعندما دخلت الفتاة، 17 عاماً، باب منزلها، وقبل أن تترك حقيبتها المدرسية من يدها، اقترب أخوها الذي يصغرها بعام واحد وصفع وجهها. وتمكنت أمها من إبعادها عنه، غير أن أخاها عاد مرة أخرى ليضربها بوحشية بعد أن تشاجر معهن، حيث يعتقد أن منال قد جلبت لهم العار.

حجزت الفتاة بعدها في غرفتها ولم يعد يسمح لها بالذهاب للمدرسة. وتقول الأم "على خلفية اتهام منال بأنها المسؤولة عن اتصالات مجهولة كانت قد تلقتها آنذاك، منعها أخوتها الثلاثة من إكمال دراستها أو استخدام الهاتف النقال، لكن الأكثر من ذلك أنها تتعرض للضرب والتعنيف طوال الوقت. وأنا لا أستطيع أن أفعل شيئا"، تقول الأم.

سببت هذه الاتصالات المجهولة الكثير من المشاكل للأم وسمحت لأخوة منال بالتعامل معها بشكل غير لائق. "كانوا يقولون لي "بنتج جلبت لنا العار" أنت تتسترين عليها".

وتتابع الأم بحسرة "كما وقد سببت اتهاماتهم التي لا أساس لها من الصحة مشاكل لي مع ابنتي وجعلتها تتعامل معي بطريقة سيئة، لأنه – لا حول لي ولا قوة –لإيقاف تهديداتهم بتدمير حياتها".

قانون العقوبات العراقي

عملت بشرى العبيدي، الأكاديمية في القانون الجنائي الدولي وعضوة المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق في الآونة الأخيرة مع مجموعة من منظمات المجتمع المدني ومنهم منتدى الإعلاميات العراقيات على قضية التحرش الجنسي الذي تتعرض له النساء في البلاد، إذ أظهرت النتائج انتشار الظاهرة بشكل واسع في العراق.

ويأتي العمل حول الظاهرة بالتعاون مع وزارة الداخلية العراقية بتوقيع مذكرة تفاهم على توعية النساء باتجاه التبليغ على هذه الجريمة والشكوى بشأنها، مع توعية المجتمع وتحديدا الشباب.

وتقول العبيدي إن نظرة المجتمع السيئة تجاه المرأة التي تتعرض للتحرش قد أسهمت بشكل كبير في اتساع هذه الظاهرة وشجعت الرجال على التحرش دون رادع ودفعت بالضحية إلى الصمت خوفاً من غسل العار أو الفضيحة.

ورغم أن قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 في باب الجرائم المخلة بالأخلاق والآداب العامة المادة 402 ينص على (يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر وبغرامة لا تزيد عن 30 دينارا أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من طلب أمورا مخالفة للآداب من آخر ذكرا كان أو أنثى وكل من تعرض لأنثى في محل عام بأقوال أو أفعال أو إشارات على وجه يخدش حياءها، وتكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر والغرامة التي لا تزيد عن 100 دينار إذا عاد الجاني إلى ارتكاب جريمة أخرى من نفس نوع الجريمة التي حكم من أجلها خلال سنة من تاريخ الحكم السابق)، إلا أن العبيدي تقول إن هذه المادة غير مفعلة بسبب صمت النساء وخوفهن من الفضيحة "وما نحصل عليه من معلومات يأتي ضمن سرد عدد كبير من النساء عن تعرضهن لمثل هذه الحوادث".

وتضيف في حديث لموقع (ارفع صوتك) أن المادة 403 قائمة على الشكوى الشخصية من المتضرر – الأنثى التي تعرضت للتحرش – إلا إذا كانت جريمة التحرش مشهودة، بمعنى أن يكون التحرش أمام من لديهم الحق بإلقاء القبض على الجناة.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

آراؤكم

إظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG