Accessibility links

السل يلاحق النازحين في "غرف ضيّقة" بالعشوائيات والمخيمات


مرضى بالسل في مستشفى ابن زهر في بغداد/وكالة الصحافة الفرنسية

بغداد – دعاء يوسف:

في المركز الوطني للأمراض الصدرية والنفسية ببغداد، وقفت سيّدة في العقد الرابع من عمرها، تسعل سعالا شديدا، وهي تمسك بيد ابنتها التي لم تتجاوز العاشرة من عمرها، منتظرة دورها للدخول إلى الطبيب المتخصص.

"ليش جايبه هذي الطفلة الجميلة وياج للمستشفى؟"، صاحت بها الممرضة بغضب، كون أغلب المراجعين في هذا المركز من المصابين بداء التدرن (السل) وهو من الأمراض المعدية.

وبدلا من أن تحصل منها على إجابة مباشرة، ألقت خديجة عبد، التي نزحت من الرمادي منذ عام 2014 اللوم على الظروف المعيشية الصعبة التي تواجه حياتها. وقالت "نحن نعيش المآسي منذ الفرار من مدينة الرمادي عام 2014 والنزوح نحو بغداد".

أصيبت خديجة، وهي أم لأربعة فتيات أكبرهن بعمر 15 عاماً، بمرض التدرن في مخيم التكية الكسنزانية حيث كانت تعيش قبل أشهر. وانتقلت بعدها للعيش في منزل أخيها في بغداد، بسبب صعوبة الحصول على الكثير من الخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء وحتى الغذاء، فضلا عن اكتظاظ الخيمة الواحدة بالكثير من أفراد العائلة، وكذلك نقص المواد الطبية والأدوية. لكن ذلك لم يمنعها من الشعور بالإحباط تجاه حالتها وحياتها بالمجمل.

أعلى معدلات انتشار المرض

يسجّل العراق أعلى معدلات لانتشار مرض السل في المنطقة بمعدل إصابات سنوية تقدر بـ 15,000 فرد، وفقا لمنظمة الصحة العالمية. ومنذ 2014، قدم برنامج المنظمة الدولية للهجرة للصحة الطارئة الدعم لوزارة الصحة العراقية عبر تأسيس البرنامج الوطني لمكافحة مرض السل في العراق (NTP) الذي يركز على مساعدة النازحين العراقيين واللاجئين السوريين.

وقد أكد هذا البرنامج في العام الحالي ارتفاع عدد حالات مرض السل التي تم تحديدها ويرجع ذلك في الغالب إلى مرضى السل القادمين من الموصل والنازحين داخلياً في المناطق النائية أو المناطق التي يصعب الوصول اليها والذين حصل تأخير في تشخيصهم وعلاجهم أو توقف العلاج بسبب صعوبة الحصول الى خدمات الرعاية الصحية.

ورصد البرنامج في عام 2016 سبعة آلاف و246 حالة لمرض السل، 47% من الذكور و53% من الإناث وتتراوح أعمارهم بين سنة واحدة وأربع سنوات (164 حالة) وصولاً إلى عمر 65 سنة فما فوق (1,075 حالة) ومنهم في المجمل 305 أشخاص من النازحين داخلياً .

ومن مجموع عدد المرضى الذين وصل الى أكثر من 8,000 تم في عام 2015 شفاء 29% وتلقى 62% منهم العلاج بنجاح و3% (240 فرداً) قد لقوا حتفهم وتم نقل الحالات الأخرى أو لم يستكمل العلاج .

لكن وزارة الصحة والبيئة العراقية تؤكد على انخفاض كبير في نسبة الإصابات بمرض التدرّن نسبة الى الإحصائيات السابقة التي قامت بإجرائها منظمة الصحة العالمية.

ويقول المدير الإعلامي للوزارة الدكتور سيف البدر في حديث لموقع (ارفع صوتك) إن هناك انخفاضا بمعدلات الإصابة بمرض التدرن مقارنة بالأعوام السابقة. ويقول "انخفضت النسبة من 12 ألف إصابة عام 2003 إلى 6 آلاف إصابة نهاية 2016".

ويضيف أنه حتى اللحظة، لا إثباتات لتسجيل حالات جديدة مصابة بالمرض للنازحين الذين عادوا لمدنهم التي تحررت من داعش "رغم الإشاعة عن وجود إصابات بين عناصر داعش بمرض التدرن وعن احتمال انتقال العدوى".

الفقر والمرض

ويعد مرض التدرن مرضاً قديماً، وتوصل الباحثون إلى اكتشاف العلاج المناسب لهذه البكتيريا من المضادات الحيوية في ستينات القرن الماضي بعد أن تسبب في وفاة الملايين من الناس.

وتشمل أعراض مرض السل ارتفاع درجة الحرارة والتعرق الليلي والرعشة، وفقدان الشهية مع فقدان الوزن، وقد تتفاقم لتصل إلى السعال الذي يصحبه بلغم مخاطي يتحول بعد فترة إلى دموي، وضيق في التنفس وآلام في الصدر.

وكل العوامل المساعدة في انتشار المرض من سوء التغذية الذي يسبب ضعف جهاز مناعة الجسم، وكذلك السكن غير الصحي وافتقاره للنظافة والتهوية واكتظاظه بأعداد كثيرة متوافرة في البيئة الاجتماعية العراقية حسب المتخصص بالأمراض التنفسية والصدرية الدكتور طالب محسن.

يقول محسن في حديث لموقع (ارفع صوتك) "بعد أن كنا نقول إن لمرض التدرن صلة بالأماكن المكتظة بالناس مثل الأقسام الداخلية لسكن الطلبة والسجون وثيقة جدا، صار علينا اليوم أن ندرج مخيمات النازحين ضمن الأماكن غير الصحية، حيث الفقر والمرض والحاجة".

المال الكافي للعلاج

ومن قصص انتشار هذا المرض في العشوائيات والمخيمات قصة مهدي ناصر الذي اصطحب والدته التي تعاني من سعال شديد إلى المركز الصحي، وحوّلها الطبيب بعد إجرائها لبعض الفحوصات الروتينية إلى المركز الوطني للأمراض الصدرية والنفسية ببغداد لاحتمال إصابتها بمرض السل.

الأم التي تجاوزت الستين من عمرها، وتعاني من داء السكري، تقيم مع ابنها مهدي، عامل بناء، وعائلته المتكونة من ثلاثة أبناء وزوجته في بيت من الطين داخل إحدى عشوائيات مناطق بغداد، حيث لا قدرة لديهم في توفير المال الكافي للسكن في بيت للإيجار.

بعد مقتل والده الذي كان يعمل شرطياً، اضطرت عائلته إلى إخلاء البيت لأنه لم يعد باستطاعتهم أن يتحملوا ثمن الإيجار، وكذلك هربا من الاقتتال الطائفي عام 2006 في محافظة ديالى.

وفي العشوائية التي يعيش فيها الرجل، تتفشى الكثير من الأمراض الانتقالية لعدم قدرة سكنتها على توفير المال الكافي للعلاج، حسب قوله.

ويأمل مهدي أن يتغير الحال، وخاصة بعد انتقال عدوى هذا المرض لزوجته. "نسكن في بيت بارد ومظلم في الشتاء وحار في الصيف. هذا البيت يحتوي على غرفتين ضيقتين بلا نوافذ".

الحاجة إلى التوعية

لكن الأخصائي النفسي محسن لا يتوقع أن تتراجع الإصابات بهذا المرض، لأن الأوضاع المعيشية التي يعيشها سكان المدن التي تعرضت لسيطرة داعش ليست مناسبة صحياً للعيش فيها، فضلا عن عدم قدرة الجهات المعنية للتأكد من تلقيح أطفالهم كافة ضد السل.

ويضيف إلى ذلك عوامل أخرى تتعلق بتناول الشباب للنرجيلة على وجه الخصوص. "البطالة بين شريحة الشباب دفعتهم بالتواجد بكثرة في المقاهي وتناول النرجيلة بشكل مفرط، ونظرا لسهولة انتقال جرثومة التدرن بين مستخدمي النرجيلة الواحدة فاحتمال الإصابة عال جدا".

ويشير إلى أن المجتمع العراقي بحاجة للتوعية بمرض السل، فالعديد من الناس لا يتوقعون أنه يمكن معالجة مرض السل، بل ويخافون السؤال عنه أو معرفته. "حتى الذي يكتشف نفسه مصاباً يحاول إخفاء موضوع مرضه عن أقرب الناس من الذين يعيشون معه ببيت واحد خوفا من عزله إو حجره، لذا ينتشر المرض منه للآخرين ببساطة".

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 001202277365

آراؤكم

إظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG