Accessibility links

Breaking News

تحت ظلال الميليشيات... هل يتخذ المسلحون العراق رهينة؟


مسعفون يعالجون أحد جرحى الهجوم الذي نفذته ميليشيات موالية لإيران ضد المتظاهرين في بغداد

خلال سنوات ما بعد 2003 حاول العراق أن يعكس صورة المحافظ على التوازنات بين العدوين التقليديين في المنطقة، الولايات المتحدة الأميركية، والجمهورية الإسلامية في إيران.

نظريا، كان العراق سيستفيد من كونه الأرض التي يلتقي عليها المتخاصمون ليتفاوضوا ويقدموا التنازلات، وربما يحصل العراق على "عمولة" صانع الصفقات.

لكن هذا كان نظريا فقط.

عمليا أصبح العراق ساحة صراع للجانبين، وسريعا تحول الصراع إلى مواجهة شبه مباشرة بين البلدين.

يقول بعض المحللين إن توتر إيران من وجود القوات الأميركية على حدودها دفعها للقيام بتدابير استباقية، لكن هذا الرأي يبدو ضعيفا لأن الولايات المتحدة تمتلك قوات عسكرية في البحرين وقطر والإمارات، على بعد كيلومترات قليلة من سواحل إيران، كما إن حلف الناتو موجود في تركيا، ولا تواجه إيران الولايات المتحدة في أي من هذه البلدان، لماذا العراق إذن؟

الميليشيات

مباشرة بعد سقوط النظام، وفي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تصارع لتأسيس نظام بديل عن النظام الذي أسقطته، مستعينة بمعارضين عراقيين لم تستبعد حتى الموالين لإيران منهم، كانت طهران تؤسس ميليشياتها المسلحة.

وسريعا بدأت الميليشيات باستهداف القوات الأميركية، وحينما كانت تلك القوات ترد على النيران أو تطلق النار بداع من التوتر وحده، كان يسقط ضحايا من المدنيين.

"لم تستطع الميليشيات تحقيق مكاسب عسكرية ضد القوات الأميركية، لكن احتماءها بالمدنيين، خرب سريعا العلاقة التي كان يفترض أن تكون ودية بين الولايات المتحدة، والشعب العراقي"، بحسب سلام محمد، وهو متظاهر عراقي في الأربعين من عمره.

"كنا نشعر بعدم الراحة والخوف كلما رأينا رتلا عسكريا أميركيا أو طائرات أميركية، نخاف من حصول مواجهات يروح ضحيتها قتلى" يضيف سلام، الذي يسكن في مدينة الصدر ببغداد.

ورغم أن عدد قتلى الميليشيات والقاعدة خلال فترة الحرب الطائفية وصل إلى عشرات الآلاف، إلا أن القوات الأميركية كان لها النصيب الأوفر من اللوم الشعبي، وربما هذه كانت أول المكاسب التي حققتها إيران من صراعها بالوكالة في العراق.

يقول الكاتب والصحفي علي وجيه لموقع (ارفع صوتك) إن "إيران تسيدت المشهد بعد خروج الولايات المتحدة من العراق وتحول ملف العراق لدى الإدارة الأميركية إلى ملف ثانوي".

موالون "يبيضون ذهبا"

يقول الصحفي العراقي أحمد حسين لـ(ارفع صوتك) "شهدت العلاقات العراقية الخليجية شبه قطيعة، متأثرة بالأجواء المشحونة بين طهران والرياض، وحتى بعد محاولات ترميمها، وإعلان الحكومة السابقة تبني سياسات متوازنة بعيدة عن المحاور، إلا أن الموقف الرسمي كان دائماً ما ينحاز لصالح طهران، كما حدث حين فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية على إيران".

خلال العقوبات، وصل حجم التبادل التجاري بين العراق وإيران إلى 12 مليار دولار بحسب تصريح لوزير الخارجية الإيراني كما أن كلمة "تبادل" قد تكون مبالغة هنا إلا إن كان المقصود بها تبادل الأموال العراقية، مع البضائع الإيرانية.

التهديد الوحيد لهذا التبادل كان خلال التظاهرات، بعد أن أطلق العراقيون حملة "دعم المنتج الوطني".

لم تكن خسائر إيران من امتناع العراقيين عن شراء الألبان والمنتجات الصغيرة الأخرى كبيرة، في ظل الاستيراد الحكومي للأجهزة والطاقة، لكن المسلحين الموالين لإيران شنوا حملات إعلامية وعسكرية، ضد المتظاهرين.

وربما لم يكن الخوف على "قيمر كالة" الإيراني وحده وراء شراسة تلك الحملات، وإنما أيضا السؤال المقلق "ما هي خسارة إيران التالية من التظاهرات"؟

يقول المدون "حسين علي" المعروف بـ"حسين تقريبا" لموقع ارفع صوتك "المجموعات المسلحة تصرح بشكل علني تقريبا أنها مستعدة للدفاع عن مصالح الجمهورية الإسلامية في العراق وفي أي مكان آخر".

ولا يبدو أن هذه المجاميع متحفظة بما يخص "الدفاع عن مصالح إيران".

قبل أقل من شهر، اعترفت كتائب حزب الله بمسؤوليتها عن مقتل متظاهرين في ساحة التحرير، الكتائب حاولت احتلال بناية "كراج السنك" ثم بدأت بإطلاق النار على المحتجين من سيارات "بيك آب" واستمرت طوال الليل.

بحسب الناشط والمدون أمير الطويل فإنه "لا توجد مجاميع مسلحة عراقية حسب المفهوم الوطني المتعارف عليه دوليا بل هي مجاميع عقائدية تمول وتسلح ويخطط لها من قبل الحرس الثوري الايراني لا بل ان بعض اعضائها وقياداتها غير عراقية بالمطلق".

وحتى الآن، لم يعتقل أو يحاسب أحد، حتى بعد صدور بيان رسمي على موقع الحشد الشعبي العراقي – حذف لاحقا – يعترف فيه بوجود مقاتلي الحشد واشتراكهم فيما وصفه البيان بـ"الاشتباكات".

وطوال أشهر التظاهرات، اتهمت المجاميع المرتبطة بإيران بقتل واختطاف عشرات المتظاهرين والناشطين، والمسؤولية عن مقتل المئات منهم سواء بشكل مباشر أو عن طريق "المتعاونين" مع الميليشيات من ضباط وقادة أجهزة الأمن.

وإن كانت هذه الاتهامات تنفى من قبل قادة الميليشيات، إلا أن ما لا يمكن نفيه هو موقف العداء الصريح الذي اتخذته هذه الميليشيات من التظاهرات ومحاولاتها المستمرة لقمعها أو تمييعها أو السيطرة عليها.

السيطرة على البرلمان

قبل أيام، أصدر البرلمان العراقي في أجواء احتفالية، قرارا يلزم الحكومة بإخراج القوات الأميركية من البلاد في أسرع وقت، القرار جاء ردا على مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني، ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، وأمين عام كتائب حزب الله العراقية، أبو مهدي المهندس.

"بعض من صوت لهذا القرار هتف لصالح الجنرال الإيراني، صحيح إن الجنرال شارك في الحرب على داعش لكن أن يتم الهتاف باسمه في داخل البرلمان؟"، يقول المدون حسين تقريبا.

رد البرلمان جاء بعد يومين فقط من حادثة الاغتيال، ومع أن القرار قد يكلف العراق غاليا، سواء من حيث العلاقات مع الولايات المتحدة، أو لأنه يدمر بشكل كامل وللمرة الأولى علنا، الموقف العراقي "الوسطي" بين محوري الولايات المتحدة وإيران، إلا أن هذا لم يمنع الميليشيات من الاحتفال بالقرار.

وفجأة تحول البرلمان "المكروه" شعبيا، إلى برلمان وطني.

" لا يوجد قرار عراقي"، يقول الكاتب والشاعر علي وجيه لموقع (ارفع صوتك).

وبحسب وجيه، فإن المنطقة بأسرها هي "منطقة تجاذبات ومحاور"، ولذلك فإنه "من المستحيل الحديث عن قرار عراقي ينتج عن هوية وطنية جامعة".

ويؤكد "حسين تقريبا" كلام وجيه، "رئيس الوزراء قال في حوار متلفز إن قرار اخراج القوات الأميركية من العراق يأتي لأن العراق يريد الخروج من محاور الصراع، لكن القرار في الحقيقة يعني أن العراق اختار المحور الإيراني".

للشارع كلام آخر

يوم أمس الاثنين السادس من يناير 2020 أصدر محتجو ساحة التحرير ببغداد بيانا وصفوه بـ “البيان الأخير".

بشكل قاس، هاجم المحتجون "البرلمان والحكومة المنبثقة منه"، ووصفهما بـ"السلطة عدوة الشعب والوطن"، والتي "تعمل ضد مصالحه ولم تتوان مطلقا في تدميره لمصالح غير وطنية".

وانتقد البيان بشدة "ما حدث بالأمس في جلسة البرلمان من أفعال لا تمت للمصلحة الوطنية بصلة، تحاول زج العراق في صراع دولي لا شأن له به، وبعث صورة سلبية عنه على أنه دولة منحازة كلياً لصالح محور ضد محور آخر، وهو أمر نرفضه رفضاً تاماً ونعدّه عدواناً على وطننا من قبل سلطة غاشمة كان الأولى بها أن تدافع عن مصالحه لا مصالح دول أخرى وتنبذ الانتماءات الفرعية لصالح الانتماء للوطن".

وعد المحتجون البرلمان الحالي "منقوص الشرعية"، وطالبوا بأن "لا يتخذ أي إجراءات أو يصدر أية قرارات ضد مصالح العراق وشعبه المظلوم".

وهدد المحتجون بإعادة ثورة الأول من أكتوبر ٢٠١٩ "من جديد وبصورة أشد وأكبر وبكل أرجاء العراق، لأن الخطر المحدق بالوطن عظيم ومدمر، برعاية يد عابثة تريد أن تلقيه بالهاوية".

لكن ظلال الميلشيات كانت موجودة في البيان الذي اختتم بعبارة "نحن بوصفنا ثواراً خرجنا ونحن نتوقع الموت، وسنعرض أنفسنا مرة أخرى للموت إذا كان الثمن هو أمن الوطن وشعبنا العزيز، عاش العراق والمجد لشهداء الثورة، والعار للقتلة".

التعليقات (٣)

XS
SM
MD
LG