Accessibility links

Breaking News

الحكومات العربية زرعت الفقر والحركات المتطرّفة حصدت الفقراء


حسن عبّاس

ركّزت حكومات عربية عديدة اهتمامها على مراكز المدن وأهملت الأطراف، ما أدّى إلى إفقار مناطق كثيرة وتحويل أهلها إلى أرض خصبة لزراعة الأفكار المتطرّفة.

الإنفاق على جدران حماية السلطة

للتطرف أسباب عدّة، ولكنّه "سيزداد في حالة غياب القدرة المادية لدى الناس"، بحسب الخبير المالي العراقي والمتخصص في المحاسبة الدولية صفوان قصي.

وأكّد قصي لموقع (إرفع صوتك) أن "غياب خطط التنمية خارج المدن يؤدي إلى شعور أبناء المناطق المهملة بالتهميش ويولّد نوعاً من الحقد لدى الطبقة الدنيا على الطبقتين المتوسطة والعليا، ما يسهّل استقطاب الشباب وخلق جيل من الحاقدين". وتابع "من العوامل التي تسهّل ذلك أن الدولة لم توفّر لهم التعليم ولا فرص العمل ولم تتواصل معهم ثقافياً".

وردّ قصي سبب غياب التوجهات التنموية عن برامج الحكومات المتعاقبة إلى أن "هدفها لطالما كان البقاء في السلطة والإنفاق حصراً على بناء الجيوش والأسيجة والجدران التي تحميها للبقاء على الكرسي فترة طويلة"، لافتاً إلى أن "هذا النوع من الإنفاق غير المجدي اقتصادياً هو فساد".

السلطة تكذّب علم الاجتماع

ورأى الباحث المصري في علم الاجتماع السياسي عمار علي حسن، في حديث إلى موقع (إرفع صوتك)، أن الحكومات تنكر تأثير العوامل الاقتصادية على نمو التطرف "لأنها عاجزة عن توفير الخدمات وتوفير حدّ الكفاية للمواطنين وذلك نتيجة للفساد والاحتكار وعقم برامج التنمية. ولذلك تسوّق فكرة أن بعض المتطرفين كانوا من طبقات متوسطة وعليا لكي تقول إن أسباب التطرف فكرية فقط".

وأكّد حسن أن مَن تعبّئهم الحركات المتطرفة وتحشدهم أغلبهم من الطبقات الفقيرة، "فالفقر باعث لعدد من الظروف التي تمهّد الأرضية الاجتماعية أمام المتطرفين خاصةً أن الفقير يلجأ إلى الدين كنوع من الحماية لمواجهة فقره، ولأنه يدرك أن قدرته على تحصيل حقوقه في الحياة الدنيا تكاد تكون معدومة نتيجة للفساد والاستبداد".

وأشار إلى أن "الجماعات الدينية تستغل انسحاب الدولة من القيام بدورها وتقدّم الخدمات للبسطاء. وبملئها الفراغات التي تتركها الدولة، تجنّد الأنصار وتجذبهم إلى أفكارها وهؤلاء يمكن أن يتحوّلوا إلى العمل العنيف في ما بعد".

وبحسب حسن، تكون البيئة الفقيرة أكثر عرضةً لتقبّل خطاب الجماعات المتطرفة لأنها أساساً "تتلقّى أنواعاً متدنية من التعليم لا تؤهل صاحبها للتفكير العلمي فلا يستطيع نقد وتفنيد ورفض أفكار التنظيمات الدينية".

وبعد تأكيده أن الحكومات العربية لا تمتلك تصوّراً شاملاً لعلاج أزمة التطرّف "لأن لديها قصور في الرؤيا"، ذكّر حسن بأنها لم تهتم قديماً بسحب البساط من تحت رجلي الحركات الإسلامية لأنها "تحالفت مع التيار الديني ضد الليبراليين ووجدت فيه طرفاً يدعمها للبقاء في السلطة".

التجربة تؤكد ارتباط الإرهاب بالفقر والبطالة

العلاقة بين الفقر والبطالة وبين نمو الحركات المتطرفة هي علاقة أكيدة، برأي أستاذ الاقتصاد في المدرسة العليا للتجارة في باريس والقيادي في حزب التحالف الديموقراطي التونسي المعارض، المنصف شيخ روحه.

وروى، شيخ روحه لموقع (إرفع صوتك) تجربة الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة، الذي "كان يعطي أهمية كبيرة لتنمية المناطق الحدودية بين تونس والجزائر". وكان بورقيبة قد كلّف شيخ روحه بتكوين مؤسسات مالية، منها بنك التمويل التونسي السعودي، عام 1983 وإنشاء صناديق خاصة لتمويل المشاريع في تلك المنطقة. وكان الهدف من ذلك تحفيز التجارة المشروعة وتطوير المشاريع الزراعية وبناء المصانع. وبالتعاون مع الجزائر، استهدف المشروع ضفتي المنطقة الحدودية.

وعن نتائج تلك الخطة، أكّد شيخ روحه "حصل نوع من الازدهار وصار وضع المنطقة الاقتصادي جيداً نسبياً وفقد الإرهاب أي أمل في الوصول إلى تونس. بالتجربة، قطعنا جذور الإرهاب لعشرات السنوات".

ولكن في ما بعد، في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، "أخذت أسرة زوجة الرئيس كل الأموال التي كانت مخصصة لتنمية المنطقة واستخدمتها لخدمة مصالحها الخاصة ودمّرت المشاريع المشتركة بين تونس والجزائر، وأغلقت صناديق التمويل فتحوّلت المنطقة إلى منطقة فقيرة"، بحسب شيخ روحه الذي أشار إلى أن الإرهابيين المنتشرين في تلك المنطقة حالياً "يبدأون علاقتهم بالناس بالطلب منهم إيصال الطعام إلى مخابئهم في الجبال مقابل أجر ثم نقل الأسلحة وصولاً إلى تجنيد بعضهم".

أما بعد الثورة، فقد رأى شيخ رحوه، وهو قيادي في حزب التحالف الديموقراطي المعارض، "أن الحكومات المتعاقبة لم تقم بأيّة أعمال تنمية وصرفت ديون صندوق النقد الدولي لشراء الوقت"، وخلص إلى أن "الحكومات دفعت المناطق الحدودية مع الجزائر نحو الإرهاب" برغم تشديده على أن ذلك كان أثراً غير مباشر للقصور في الرؤيا.

ما الحلّ؟

"الحل هو عملية تنمية شاملة ومتوازنة بحيث نضمن عدم وجود مجتمعات مغلقة، وتوسيع مبدأ المشاركة في توزيع الإنفاق الحكومي"، برأي صفوان قصي. ويضيف عمار علي حسن دعوة إلى إقامة "نظام تعليمي يخاطب العقل ولا يركّز على الذاكرة وخطاب ديني إصلاحي تشارك في صوغه لا فقط مؤسسات الدولة بل أيضاً مؤسسات المجتمع المدني".

وبعد اقتراحه إعطاء المجالس الجهوية الصلاحية لاستقطاب الأموال وتنفيذ مشاريع مجدية، يختصر، شيخ روحه، الحل بقوله إنه "يجب أن نبني اقتصاداً اجتماعياً يعطي للمواطنين والمواطنات صفة المواطنة لا الرعية".

الصورة: شباب يرشقون الشرطة التونسية بالحجارة بعد تظاهرة ضد حزب النهضة الحاكم بسبب الفقر وقلة مشاريع التطوير في البلاد، 2013/وكالة الصحافة الفرنسية

XS
SM
MD
LG