Accessibility links

Breaking News

عن "مارتن لوثر مسلم" وفكرة الإصلاح


في غضون أشهر قليلة لمع هذا العنوان الجذاب: هل هناك "مارتن لوثر" مسلم؟ في أكثر من مركز ثقافي وصحافي، فـ "الغارديان" البريطانية نشرت مقالة تحت عنوان " لماذا لا يحتاج الإسلام إلى إصلاح" كتبه مقدم البرامج في "الجزيرة" البث الانجليزي، مهدي حسن، وفيه "يبدو أن كلَّ من يريد أن يكسب الحرب ضد التطرف العنيف أو أن يحافظ على روح الإسلام، ناهيك عن إخراج الشرق الأوسط من مستنقعه، ينبغي عليه أن يؤيد هذا الإصلاح".

وشدد حسن على أن "الحقيقة هي أن الحديث عن إصلاح إسلامي على غرار ما حدث للمسيحية هو خطأ كبير"، في إشارة إلى ما أحدثه القسيس الألماني وأستاذ اللاهوت ومُطلق عصر الإصلاح في أوروبا، مارتن لوثر (1483–1546م)، في "إصلاح المسيحية"، وعمله على وقف نفوذ رجال الدين بالكنيسة الكاثوليكية.

ويرى حسن أن "الإصلاح البروتستانتي (اللوثري) فتح باب سفك الدماء بشكل لم يسبق له مثيل على مستوى القارة. هل نسينا الحروب الدينية الفرنسية؟ أو الحرب الأهلية الإنجليزية؟ توفى عشرات الملايين من الأبرياء في أوروبا، ويعتقد أن ما يصل إلى 40% من سكان ألمانيا قد قتلوا في حرب الثلاثين عامًا. هل هذا ما نريده للعالم ذي الأغلبية المسلمة؟ وهو الموبوء بالفعل بالصراعات الطائفية والاحتلال الأجنبي والإرث الاستعماري المرير الذي يعاني من آثاره حتى الآن، وكل ذلك باسم التقدم والإصلاح وحتى الحرية"؟

الإسلام والمسيحية دينان مختلفان

ومع استنتاج أن "الإسلام ليس المسيحيَّة. الديانتان ليستا متماثلتين، وإنه لجهل عميق وتسطيح شديد أن نتظاهر بأن الأمر بخلاف ذلك، أو أن نحاول إسقاط ذات الرؤية للتاريخ الأوروبيّ على البلدان ذات الأغلبية المسلمة في آسيا وأفريقيا"، كما يقول حسن، ينوه الباحث الأردني المختص بالجماعات الإسلامية، د. محمد أبو رمان بمقال نشرته مجلة "فورين بوليسي"، او "السياسة الخارجية" الأميركية، ويصل إلى الإستنتاج ذاته في أن "إختلاف الإسلام عن المسيحية، وعدم وجود ديانتين تتبعان نفس المسار التاريخي، ووجود الإصلاح فعليًا داخل الإسلام وحاجته فقط للظرف التاريخي والسياسي المناسب للانطلاق، كاف لشق الدول الإسلامية يومًا ما طريقها نحو التقدم دون اتباع نموذج معين؟، ودون "مارتن لوثر مسلم" يقود هذا الإصلاح"؟

وتضمن مقال نيك دانفورث، الباحث في جامعة (جورج تاون) الأميركية إشارة إلى أن "المسلمين سيجدون طريقهم بأنفسهم خلال المستقبل بغض النظر عن التجربة الغربية، لأن الواقع والسياسة أهم من أي مراجعات نظرية في تحديد العلاقة بين الدين والدولة".

ويختم الباحث الأميركي مقاله "إذا كنا ننظر إلى العام الجديد 2015 بعين التفاؤل، فيجب أن نستخلص درسًا واحدًا من قرون طويلة من الصراع بين الكنيسة والدولة في أوروبا، هو أن الدول الإسلامية ستشق طريقها مثلما فعلت الفاتيكان، حتى دون اتباع نموذج معين، ودون "مارتن لوثر إسلامي" يقود الإصلاح الديني".

وفي حين تبدو مقالتا حسن و دانفورث أقرب إلى رفض إصلاح حال الإسلام اليوم، بذريعة أن لا "مارتن لوثر مسلم"، فإن الكاتب الأول يعود للقول موضحا "لا تسئ فهمي، ثمّة حاجة إلى الإصلاح بالطبع في جميع أنحاء العالم الإسلامي المتأزم، إصلاحات سياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة، ونعم، دينيّة أيضَا. المسلمون يحتاجون إلى إعادة اكتشاف تراثهم التعددي المليء بالتسامح والاحترام المتبادل، وهي قيم تتجسّد مثلًا في رسالة النّبي محمَّد إلى رهبان دير سانت كاترين، أو التعايش إبان القرون الوسطى في إسبانيا المسلمة".

الإصلاح ممكن دون مارتن لوثر مسلم؟

ويكتب الأردني حسين الرواشدة، "هل نحتاج إلى "مارتن لوثر" إسلامي؟" موضحا "لا نحتاج إلى مارتن لوثر إسلامي، لكننا نحتاج إلى نماذج إنسانية أخرى يمكن أن تلهمنا وتساعدنا في الخروج من هذه الكارثة. خذ مثلا نموذج الخليفة عمر بن الخطاب الذي يمثل العدالة المفقودة. وخذ أيضا نموذج مانديلا الذي يجسد المصالحة التاريخية. وخذ ثالثا نموذج غاندي الهندي كرمز للسلام. وخذ رابعا نموذج المثقف الحقيقي والمصلح والحاكم العادل (وما اكثر الاسماء في تاريخنا وتاريخ الامم الأخرى) فهي التي يمكن أن تملأ الفراغ الذي تمدد فيه البغدادي وغيره، وهي التي تستطيع أن تطرد العفاريت التي استحضرها الذين يدعوننا اليوم "لإصلاح الإسلام" وكأن الإسلام هو المتهم الوحيد في صناعة هذه النكبة التي أصابت أمتنا".

أما الناشط المصري مصطفى بدر، فيكتب "عن مارتن لوثر الذي لن يأتي"، عن انتشار " فرضية أن الإسلام يحتاج إلى حركة إصلاح ديني شبيهة بحركة الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر. إن الإسلام يحتاج إلى "مارتن لوثر" الخاص به الذي سيخرج النصوص الإسلامية المقدسة من جمود القرن السابع الميلادي إلي انفتاح القرن الحادي والعشرين".

وفيما يشبه الرد على استنتاج الباحث الأميركي، دانفورث أن "حركة الإصلاح الديني والعلمنة في أوروبا أخذت قرونًا طويلة وطرقًا متشابكة عصية على الإختزال والتبسيط المخل"، وبالتالي فإن "الدول الإسلامية ستشق طريقها الخاص نحو الديمقراطية الليبرالية دون اتباع نموذج بعينه"،

يرى بدر أن "الإصلاح الديني المطلوب في العالم الإسلامي لن يكون بدون إصلاح سياسي حقيقي. وفي الأساس هذا حقيقة ما حدث في أوروبا أيضًا. فقد كانت الأحداث السياسية الساخنة لا المناقشات اللاهوتية العقيمة هي المحرك الحقيقي للأحداث، فما كان للإصلاح اللوثري أن ينجح لولا رغبة الأمراء الألمان في التحرر من سيطرة الكنيسة الكاثوليكية، وما كان للإصلاح الديني في إنجلترا أن يبدأ لولا رغبة الملك هنري الثامن في التحرر من قيود روما. وما كان لعصر الدول القومية أن يكون بدون حرب قارية دموية هي حرب الثلاثين عامًا، وما كان للمبادئ العلمانية أن تنتشر في أوروبا الكاثوليكية بدون الثورة الفرنسية وحروبها، فالإصلاح الديني يسترشد بخطى الإصلاح السياسي والاقتصادي".

ويحدد قيم الإصلاح عبر " تقديم تأويلات معاصرة للنصوص الدينية الإسلامية تتماشى مع روح العصر" و "أسئلة عن الرقابة الشعبية على الحكومات، أسئلة عن انتخاب السلطة التشريعية واستقلال السلطة القضائية، أسئلة عن دساتير ومنظومة قوانين تساوي بين المسلم والمسيحي والبوذي والهندوسي واللاديني وفقًا لمبدأ العيش المشترك، أسئلة عن الإنجازات العلمية والتقنية، وعن التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وعن موقعنا من الحضارة العالمية".

دعوة للنقاش:

هل تتفق مع الفكرة التي تقول أن المهم هو الإصلاح، أكان ذلك بـ"مارتن لوثر مسلم" أم بدونه؟

الصورة: تمثال الإصلاحي الألماني مارتن لوثر متوسطا مدينة وتنبيرغ شرقي المانيا/وكالة الصحافة الفرنسية

XS
SM
MD
LG