Accessibility links

Breaking News

كيف أثّرت أفكار سيّد قطب في الجماعات السلفية الجهادية؟


حسن عباس

يتكرّر الحديث عن سيّد قطب كلما كتب أحدهم عن جذور الفكر السلفي الجهادي الذي أنتج تنظيم القاعدة وأخيراً تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، وكلما تحدث أحدهم عن أفكار التكفير الشائعة بين المنتمين إلى بعض الجماعات الإسلامية.

قطب، الذي برز في بداية الخمسينيّات من القرن الماضي أحد قادة جماعة الإخوان المسلمين في مصر، كتب دراسات كثيرة في الفكر الإسلامي. لكنّ كتابه "معالم في الطريق" فاق باقي مؤلفاته شهرة لأنه تضمّن ما يشبه دعوة سياسية.

وأكّد الخبير التونسي في شؤون الحركات الإسلامية صلاح الدين الجورشي في حديث لموقع (إرفع صوتك) "أنني لا أتصوّر أن هنالك شخص مرتبط بالجماعات السلفية الجهادية وليس له تقدير لسيّد قطب واعتبار لما قاله".

أما أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت أحمد موصللي، فقال في حديث لموقع (إرفع صوتك)، أن كل الخطاب الذي تتداوله جماعات السلفية الجهادية موجود عند سيّد قطب، فهو كان "محورياً وغالبية الجهاديين يقرأون كتبه".

ولفت موصللي إلى أن بعض القيادات الشهيرة في الجماعات "الجهادية"، كعبد الله عزام، الرجل الأول والمنظر الأبرز في صفوف المقاتلين العرب في أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي، وزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري تأثرا بفكر سيّد قطب حين كانا مسجونين معه في مصر. وأشار إلى أن عزام، بعد خروجه من السجن بفترة تعرّف على أسامة بن لادن وأثّر فيه.

وبرأي الباحث اللبناني "تحضر" آثار أفكار سيّد قطب في أفكار السلفية الجهادية من خلال تكفير المجتمع كله لا الحاكم فقط، وتحويل الجهاد إلى عمل داخل المجتمعات الإسلامية "التي لا تعرف دينها" برأي قطب، بعد أن كان عملاً ضد العدو الخارجي، واستخدام الجهاد لتغيير العالم ونشر الإسلام فيه.

معالم في الطريق

اعتبر قطب في كتابه "معالم في الطريق" أن كل المجتمعات البشرية تعيش في "جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم"، وأن الجاهلية تظهر في تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم.

وبرأيه، "هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض... إنها تسند الحاكمية إلى البشر، فتجعل بعضهم لبعض أرباباً، لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية الأولى، ولكن في صورة ادعاء وضع التصورات والقيم، والشرائع والقوانين، والأنظمة والأوضاع، بمعزلٍ عن منهج الله للحياة، وفي ما لم يأذن به الله".

ولأن الخطوة الأولى لتجاوز الجاهلية هي تطبيق الشريعة الإسلامية، دعا قطب إلى "تغيير هذا الواقع الجاهلي من أساسه" و"إزالة الطواغيت كلها من الأرض" و"تحطيم الأنظمة السياسية الحاكمة".

ولتحقيق ذلك، اعتبر أن "الجهاد ضرورة للدعوة". موضحاً أن حماية "دار الإسلام" ليست هي الغاية الأخيرة لحركة الجهاد الإسلامي، "إنما حمايتها هي الوسيلة لقيام مملكة الله فيها، ثم لاتخاذها قاعدة انطلاق إلى الأرض كلها وإلى النوع الإنساني بجملته".

واعتبر صلاح الدين الجورشي أن "الخلفية الفكرية والإيديولوجية للسلفيين الجهاديين ترتكز على عالم رمزي صنعه سيّد قطب" وأن قطب "حاضر في موقفهم من المجتمعات وأنظمة الحكم وحاضر في استعدادهم للدخول في مواجهة مع العالم بلا استثناء كون كل المجتمعات جاهلية".

عناصر قوة خطاب قطب

وبعد تأكيده أن "هدف السلفيين الجهاديين الحياتي المصيري لا يتحقق إلا من خلال الخلافة وهي لا يمكن أن تقوم إلا من خلال الجهاد المستمر المفتوح"، قال الجورشي أن أفكار قطب قويّة في ثلاثة عناصر على الأقل:

أولاً، "قطب تجرّد من جزء كبير من التراث العربي الإسلامي وخاصةً من التراث الفقهي والتفاسير التي تعطي صورة مبعثرة عن الإسلام. ونجح في تحويل الدين إلى إيديولوجيا وحلم يعطيان لمن يتأثر بهما خطة عمل".

ثانياً، "أعاد قطب خلط الأوراق بالنسبة للفكر الديني، بمعنى أن كتاباته تقفز فوق التاريخ وفوق الحاضر وتقدّم للمسلم قراءة واضحة لدوره في هذا العصر".

ثالثاً، "سيّد قطب يمتلك قدرة لغوية يعتمد فيها على دور الكلمة في إثارة المشاعر بشكل كبير. ولا يخاطب العقل بل يخاطب الكينونة، لأنه أراد تحويل المسلمين إلى مجاهدين مستعدّين لتغيير حياتهم والدخول في مشروع جهادي".

وعناصر ضعفه...

الملفت أن عناصر القوة التي يتضمنها الخطاب القطبي هي نفسها، وبحسب الجورشي أيضاً، ما يفسّر ضعفه إذا نُظر إليها من جانب آخر. وحلّل الخبير التونسي في شؤون الحركات الإسلامية ضعف منظومة قطب وفق التقسيم الثلاثي نفسه كما يلي:

أولاً، "عندما يقفز سيّد قطب عن التاريخ، يضع المسلم أمام مشروع لا تأريخي ويجعله يعيش مع الفرضيات ومستعداً لفعل كل شيء. ولكن مهما سيطرت هذه الجماعات على أراضٍ ومهما امتلكت من أسلحة، فإن مشروعها يمجّد الموت وسيبقى دائراً في حلقة مفرغة".

ثانياً، "ما يعتبره منهجياً في التغيير هو منهج عقيم لا تترتب عنه تغييرات جوهرية على مستوى بناء الثقافة والعلوم".

ثالثاً، "العاطفة هامة ولكنها لا تقدر على بناء تصوّر وقاعدة جديدين يستجيبان للتحديات الاقتصادية والتربوية. فهو يطرح منهجاً ولكن منهجه ينهار لأنه لا يدخل في التاريخ".

ولإعطاء تحليلاته بعداً عملياً، لفت الجورشي إلى أن "كل مَن عمل متأثراً بسيّد قطب اضطره الواقع إلى استكمال ما طرحه كأفكار عمومية". فتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" الذي يعتبره الخبير التونسي "ترجمة فعلية للمشروع الافتراضي لسيّد قطب" وجد نفسه، بعد سيطرته على أجهزة دولة وأراضٍ وآبار نفط، مضطراً لإعادة تنشيط التراث الإسلامي واستحضار فتاوى من الماضي. وهذا أيضاً، والكلام للجورشي، "عملية تلفيقية لا تستطيع أن تصمد أمام المشاكل المطروحة في العالم الحديث".

الصورة: "لا أتصوّر أن هنالك شخص مرتبط بالجماعات السلفية الجهادية وليس له تقدير لسيّد قطب"/وكالة الصحافة الفرنسية

XS
SM
MD
LG