أثارت رواية "عزازيل" جدلا واسعا بعد صدورها سنة 2008.
أثارت رواية "عزازيل" جدلا واسعا بعد صدورها سنة 2008.

عرفت الأوساط الثقافية العربية المعاصرة ظهور العديد من الكتب الجدلية. أثارت تلك الكتب عواصف من النقاش والأخذ والرد بين من وافق على ما دون فيها من أفكار، ومن رفضها وأتهم أصحابها بالكفر والزندقة والدعوة إلى لإلحاد.

نلقي الضوء في هذا المقال على عشرة كتب كانت في قلب العاصفة، لنعرف سياقاتها وأسباب الجدل الذي خلفته.

  • "تحرير المرأة" لقاسم أمين

صدر هذا الكتاب سنة 1899م. وأثار ضجة كبيرة في الأوساط الثقافية والأوساط العامة على حد سواء.

دافع أمين في الكتاب عن المرأة. وطالب بالسماح بمشاركتها في كافة الأنشطة الاجتماعية، فقال: "من احتقار المرأة أن يحال بينها وبين الحياة العامـة والعمل في أي شيء يتعلَّق بها؛ فليس لها رأي في الأعمال، ولا فكر في المشارب، ولا ذوق في الفنون، ولا قدم في المنافع العامـة، ولا مقام في الاعتقادات الدينية، وليس لها فضيلة وطنيَّـة ولا شعور ملي...".

تعرض الكتاب للنقد اللاذع من جانب الكثير من المفكرين. على سبيل المثال رد عليه طلعت حرب بكتاب "تربية المرأة والحجاب". وقال: "أسمينا الكتاب تربية المرأة والحجاب، وهو اسم كنا نتمنى أن يجعله حضرة قاسم بك أمين عنوانًا لكتابه فإنه أليق من اسم تحرير المرأة…".

دافع العديد من الكتاب اللاحقين عن الكتاب فيما بعد. من هؤلاء الكاتب المصري محمد عمارة الذي قال في كتابه "قاسم أمين: تحرير المرأة والتمدن الإسلامي" "على عظم الضجة وضخامة الرفض اللذين قوبلت بهما صيحات قاسم أمين، فإن مطالب الرجل كانت متواضعة، بل شديدة التواضع، إذا ما قيست بما يجب لتحرير المرأة حقًا".

  • "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق

صدر هذا الكتاب سنة 1925، بعد سنة واحدة من سقوط الخلافة العثمانية. قلل عبد الرازق في الكتاب من مركزية منصب الخلافة في الإسلام. فقال إن: "الخلافة ليست أصلاً من أصول الإسلام وأن هذه المسألة دنيوية سياسية أكثر من كونها مسألة دينية، ولم يرد بيان في القرآن ولا في الأحاديث النبوية في كيفية تنصيب الخليفة أو تعيينه".

في السياق نفسه، ذهب المؤلف إلى أن "زعامة النبي كانت زعامة دينية جاءت عن طريق الرسالة لا غير وقد انتهت الرسالة بموته فانتهت الزعامة... فإن كان لابد من زعامة بين أتباع النبي، فإنما تلك زعامة جديدة غير التي عرفناها للرسول... من نوع لا ديني".

اُنتقد المؤلف من قِبل المؤسسة الدينية. وأثارت أفكاره حفيظة القصر الملكي خصوصًا أن الملك فؤاد الأول -ملك مصر آنذاك- كان يُمَنّي نفسه بلقب الخلافة. تعرض علي عبد الرازق للكثير من المتاعب بعد صدور كتابه. مُنع الكتاب من التداول، وفُصل عبد الرازق من الأزهر، كما جُرد من شهادة العالمية. في السياق نفسه، ظهرت الكثير من الكتب التي انتقدته نقدًا لاذعًا. من أهم تلك الكتب "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" لشيخ الأزهر محمد الخضر حسين، و"حقيقة الإسلام وأصول الحكم" لمحمد بخيت المطيعي، و"أصول الحكم في الإسلام" لعبد الرزاق السنهوري.

  • "في الشعر الجاهلي" لطه حسين

صدر الكتاب سنة 1926م عن دار الكتب المصرية. وأثار حالة واسعة من الجدل بين الخاصة والعامة. أُتهم طه حسين بالردة والكفر ومحاربة الإسلام. وحُركت ضده بعض الدعاوى القضائية. كانت الفكرة الرئيسة للكتاب هي التشكيك في الشعر الجاهلي المنقول لنا في المصادر التاريخية. يقول حسين معبرًا عن تلك الفكرة: "...إنني شككت في قيمة الشعر الجاهلي وألححت في الشك، أو قل ألح عليّ الشك، فأخذت أبحث وأفكر وأقرأ وأتدبر، حتى انتهى بي هذا كله إلى شيء إن لم يكن يقيناً فهو قريب من اليقين. ذلك أن الكثرة المطلقة مما نسميه شعراً جاهلياً ليست من الجاهلية في شيء، وإنما هي منتحلة مختلقة بعد ظهور الإسلام...".

انتقد الكثيرون ذلك الرأي وقالوا بأن عميد الأدب العربي اقتبسه من بعض المستشرقين. زاد من الانتقادات الموجهة للكتاب أن بعض المقاطع الواردة فيه شككت في وجود بعض الشخصيات الدينية المهمة. من تلك المقاطع "...للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضًا، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي...". رأى الكثير من علماء الأزهر أن حسين شكك في صحة وموثوقية القرآن. مُنع الكتاب من التداول لفترة ثم أُعيد طرحه تحت عنوان "في الأدب الجاهلي"، كما حفظت النيابة كافة البلاغات المقدمة ضد طه حسين.

  • "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ

نُشرت الرواية لأول مرة سنة 1950م على شكل سلسلة من الحلقات في جريدة الأهرام المصرية. لم يكتمل نشر الحلقات بسبب ردود الأفعال العنيفة التي تصاعدت ضد الرواية. ونُشرت في بيروت كاملة للمرة الأولى سنة 1967م. بينما مُنعت في مصر لفترة طويلة من التداول.

تدور أحداث الرواية في حارة من حارات صحراء المقطم في العاصمة المصرية القاهرة. تتناول القصة شخصية الجبلاوي الذي يمتلك بيتًا كبيرًا ويتمتع بالمهابة والقوة. يقع الصراع بين ابني الجبلاوي أدهم وإدريس. ويُطرد الأخوان من البيت وينزلا إلى الحارة. تحكي الرواية قصص أحفاد أدهم -جبل ورفاعة وقاسم- وكيف تمكنوا من التغلب على الشرور التي واجهوها جيلًا بعد آخر.

أحدثت الرواية جدلًا واسعًا في المجتمع المصري. اُتهم محفوظ بالإساءة إلى مقام الذات الإلهية والأنبياء والرسل. وتعرَّض لمحاولة اغتيال بسببها سنة 1994م، وذلك عندما أقدم شابان على الشروع في قتله بسبب ما ورد في الرواية من أفكار كفرية بحسب ما ذكرا!

دافع محفوظ عن روايته وما ورد فيها من رمزيات، فقال: "هي لم تناقش مشكلة اجتماعية واضحة كما اعتدت في أعمالي قبلها، بل هي أقرب إلى النظرة الكونية الإنسانية العامة".

كانت رواية "أولاد حارتنا" واحدة من أربع روايات منحت محفوظ جائزة نوبل للآداب سنة 1988م. تسبب ذلك في شيوع الكثير من نظريات المؤامرة حول الرواية ولا سيما بين الأصوليين الذين أرجعوا حصول محفوظ على الجائزة لما جاء فيها من أفكار مخالفة للدين والشريعة الإسلامية!

  • "الله والإنسان" لمصطفى محمود

صدر هذا الكتاب سنة 1955م عن دار المعارف بالقاهرة. ومُنع من التداول، وأُتهم مؤلفه بالدعوة للإلحاد وتم تقديمه للمحاكمة. ورد في التقرير الذي أعدتّه دار الإفتاء عن الكتاب أن المؤلف حاول أن يشخص أمراض وعيوب المجتمعات الإسلامية المعاصرة "…ولو أنصف -يقصد المؤلف- لعالج هذه العيوب من طريق آخر غير طريق الهجوم على الدين الإسلامي وعلى الأديان كلها هجومًا واضحًا نلمسه في كتابه في كثير من المواطن…".

تحول مصطفى محمود بعد ما يقرب من الثلاثين عامًا من نشر الكتاب ليصبح واحدًا من أشد المدافعين عن الإيمان. وبقي كتاب "الله والإنسان" شاهدًا على أفكاره في المرحلة المبكرة من حياته.

  • "معالم في الطريق" لسيد قطب

كتب المفكر الإسلامي سيد قطب هذا الكتاب خلال فترة سجنه في مستشفى ليمان طرة سنة 1954م. يذكر العديد من الباحثين أن شقيقة قطب اضطلعت بمهمة تهريب الكتاب من السجن أثناء زياراتها المتكررة للمستشفى. نُشر الكتاب للمرة الأولى -بشكل كامل- عن دار وهبة في القاهرة سنة 1964م.

تسبب هذا الكتاب في شق صف الإسلاميين في حقبة الستينات من القرن العشرين. وافق الكثير من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين على أفكار قطب الواردة في الكتاب، بينما رُفضت تلك الأفكار من قِبل أغلبية الأعضاء. في هذا السياق، كتب حسن الهضيبي المرشد العام الأسبق للجماعة كتابه الشهير "دعاة لا قضاة" للرد على أفكار قطب.

يُعد كتاب معالم في الطريق واحداً من أهمّ الكتب المؤثرة في الوجدان الأصولي المعاصر لمّا ورد فيه من أفكار اعتمدت عليها الحركات الجهادية جيلًا بعد آخر. طرح قطب في كتابه فكرة الجاهلية. وأكد "أنَّ الأرض لله، ويجب أن تخلص لله، ولا تخلص لله إلَا أن ترتفع عليها راية لا إله إلّا الله، وليس الطريق أن يتحرَّر النّاس في هذه الأرض من طاغوت روماني أو فارسي إلى طاغوت عربي، فالطاغوت كلّه طاغوت...".

أعاد المؤلف تقديم الخطاب الفقهي القديم الذي اعتاد تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار كفر، فقال: "إنَّ هناك داراً واحدة هي دار الإسلام، تلك التي تقوم فيها الدولة المسلمة، فتهيمن عليها شريعة الله، وتُقام فيها حدوده، ويتولَّى المسلمون فيها بعضهم بعضًا، وما عداها فهي دار حرب، علاقة المسلم بها إمَّا القتال، وإمَّا المهادنة على عهد الأمان، ولكنَّها ليست دار إسلام، ولا ولاء بين أهلها وبين المسلمين".

يبني المؤلف على تلك الأفكار فينتهي إلى أن "المجتمع الإسلامي -بصفته تلك- هو وحده المجتمع المتحضر، والمجتمعات الجاهليَّة -بكلّ صورها المتعددة- مجتمعات متخلّفة". يتجدد الجدل حول الكتاب حتى اللحظة. وتُعاد قراءته كثيرًا من قِبل التنظيمات الجهادية المسلحة في شتى أنحاء العالم.

  • "آيات شيطانية" لسلمان رشدي

صدرت هذه الرواية في لندن سنة 1988م للمؤلف سلمان رشدي، وهو كاتب بريطاني من أصل هندي. تبدأ الرواية بتخيل وقوع حادث إرهابي في طائرة، فيموت جميع ركابها وينجو اثنان فقط. الأول وهو "جبريل" رمز الخير، والآخر وهو الشيطان رمز الشر. اعتمد رشدي في كتابه على بعض الروايات التراثية التي تذكر أن الشيطان تمكن ذات مرة من خداع النبي محمد. فقرأ النبي كلمات إبليس وهو يظن أنها من كلام الله. استغل رشدي تلك الرواية لرسم صورة مشوهة لنبي الإسلام. يظهر النبي في الرواية بصفته مريضًا نفسيًا، وبكونه نموذجًا للشخصية النفعية الانتهازية التي تلجأ لشتى الوسائل بغية الوصول لأهدافها.

أثارت الرواية ردود أفعال غاضبة واسعة النطاق. بعث متشددون برسائل تهديد لسلمان رشدي ولدار النشر التي أصدرت الرواية. ومُنع الكتاب من التداول في أغلبية الدول الإسلامية، كما خرجت عشرات المظاهرات للتنديد به في كل من الهند والباكستان وبنجلاديش وإيران والسودان. وأُحرق عدد كبير من الكتب في إنجلترا من قِبل المسلمين المحتجين.

تمثلت أشهر ردود الأفعال الغاضبة في الفتوى الصادرة عن رجل الدين الشيعي آية الله الخميني، المرشد الأعلى "للثورة الإسلامية" في إيران حينذاك. أهدر الخميني دم سلمان رشدي بصفته "مرتدًا". وقال في فتواه: "إنني أبلغ جميع المسلمين في العالم بأن مؤلف الكتاب المعنون "الآيات الشيطانية" الذي ألف وطبع ونشر ضد الإسلام والنبي والقرآن، وكذلك ناشري الكتاب الواعين بمحتوياته قد حكموا بالموت، وعلى جميع المسلمين تنفيذ ذلك أينما وجدوهم؛ كي لا يجرؤ أحد بعد ذلك على إهانة الإسلام، ومن يُقتل في هذا الطريق فهو شهيد".

  • "نقد الخطاب الديني" لنصر حامد أبو زيد

تألف هذا الكتاب، بالأساس، من مجموعة من الأبحاث التي قدمها نصر حامد أبو زيد سنة 1992م لجامعة القاهرة للحصول على رتبة الأستاذية. رُفِض طلب نيل الترقية العلمية بأغلبية أعضاء لجنة الحكم. سرعان ما تعدت أفكار الكتاب أسوار الجامعة لتتسبب في اندلاع معركة فكرية حامية الوطيس. رأى المدافعون عما ورد في الكتاب أن نصر تناول موضوع نقد الخطاب الديني "من زوايا لم يجرؤ أحد من قبله على الخوض فيها، وبذل جهدًا جبارًا في تفكيك رموز الخطاب الديني، ونقضها وأثبت عوارها على حد تعبيرهم". على الجانب الأخر، هوجم الكتاب من قِبل معارضيه الذين وصفوه بكونه "بحث عبثي مثل كل أبحاث أبو زيد السابقة، جاء ليهدم الأسس التي بني عليها الفكر الإسلامي، وليس بحثًا موضوعيًا يحتمل النقاش الأكاديمي".

وصل الجدل حول الكتاب إلى أروقة المحاكم بعدما حرك بعض المحامين قضايا حسبة ضد نصر، وطالبوا بتفريقه عن زوجته. صدر الحكم بالتفريق بعدما رفض أبو زيد نطق الشهادتين في المحكمة. هاجر أبو زيد بعدها مع زوجته إلى هولندا ليعمل بجامعة ليدن!.

  • "أبي آدم" لعبد الصبور شاهين

صدر هذا الكتاب في منتصف التسعينات تحت اسم "أبى آدم: قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة". أكد شاهين في كتابه أن النبي آدم ولد من أب وأم من البشر فهو أول إنسان، وليس أبو البشر كما هو معروف. قدم شاهين تفسيرًا مختلفًا للآيات القرآنية التي تعرضت لخلق الإنسان. وذكر أن الله خلق البشر ثم اصطفى منهم آدم واختاره ليصبح الشخص العاقل المُكلف بالرسالة.

هوجم الكتاب على نطاق واسع. ورُفضت نظرية شاهين بوصفها معارضة للنص القرآني الواضح. دافع المؤلف عن كتابه في مناظرة تليفزيونية فقال إن: "هدفه الرئيسي كان تصفية تفسيرات قصة آدم من الإسرائيليات المشهورة". وذكر أن الاستنتاجات التي توصل إليها تستقيم مع الحقائق العلمية التي توصل العلماء إليها بعد اكتشاف هياكل بشرية موغلة في القدم، مثل إنسان جاوة، وإنسان بكين، وإنسان نياتندرال.

  • "عزازيل" ليوسف زيدان

نُشرت هذه الرواية سنة 2008م عن دار الشروق في مصر. وفازت بجائزة البوكر العربية سنة 2009م. أثارت الرواية عاصفة من الجدل بسبب ما ورد فيها من أفكار تتعلق بالمعتقدات اللاهوتية المسيحية. حُركت ضد زيدان عدد من الدعاوى القضائية التي اتهمته بازدراء الدين المسيحي.

وأصدر القمص عبد المسيح بسيط كتاب بعنوان "عزازيل... جهل بالتاريخ أم تزوير للتاريخ". أيضًا، أصدر سكرتير المجمع المقدس بالكنيسة القبطية المصرية الأنبا بيشوي كتابًا كاملًا للرد على زيدان بعنوان "بحث وثائقي تاريخي وعقائدي لمواجهة عزازيل... الرد على البهتان في رواية يوسف زيدان". وصف الأنبا بيشوي الرواية بأنها "لا تقدم أي فائدة ترتقي بالإنسانية، أو تخدمها، بل على العكس، فأخف وصف، بل والوصف الأكثر تأدبًا أنها رواية تهدم القيم الأخلاقية، التي تحمي المجتمع من الانهيار، وتهدم الإيمان بوجود الله أصلًا بصفة عامة، وحقائق الإيمان المسيحي الأرثوذكسي بصفة خاصة". من جهة أخرى، اُتهم زيدان بأنه سرق روايته من رواية اسم الوردة للكاتب الإيطالي أومبيرتو إيكو. لم تمنع تلك الانتقادات الرواية من تصدر قوائم الكتب الأكثر مبيعًا لفترات طويلة.

 

مواضيع ذات صلة:

"نصب الإصبع" في منطقة الجادرية في بغداد- من مواقع التواصل الإجتماعي
"نصب الإصبع" في منطقة الجادرية في بغداد- من مواقع التواصل الإجتماعي

لم يكن الاعتراض على "نصب الإصبع" والخلاف حول جماليته ومدى ملاءمته الذوق العام الأول من نوعه في العراق، فقد تكرر الجدل في السنوات العشرين الماضية حول بعض النصب والتماثيل التي أقيمت في أماكن عامة.

أثارت هذه النُصب والتماثيل اعتراضات كبيرة وموجات من السخرية، إما لأنها "بلا معنى" وفق تعبير المعترضين أو لأنها منفذة بطريقة تبدو صادمة للجمهور، أو لأنها لا توافق المعايير الفنية العالية برأي الكثير من العراقيين، بالنظر إلى تاريخ البلد الحافل بمظاهر الفن والجمال العمراني الممتد منذ آلاف السنين.

بالنسبة إلى أليكس فون تانزيلمان، فإن "التماثيل ليست محايدة، ولا توجد في الفراغ"، كما تحاجج في كتابها "تماثيل متساقطة"، الذي خصصته للحديث عن 12 تمثالاً "صنعت التاريخ" وفق تعبيرها، ومن بين هذه التماثيل أشارت لتمثال صدّام حسين الشهير في ساحة "الفردوس" الذي تحول سقوطه عام 2003 إلى رمز لسقوط نظام حزب البعث.

تانزيلمان ترى أن "ما يحدد ردود أفعالنا تجاه التماثيل هو ما تمثله، ومَن رفعها، ومَن دافع عنها، ومَن قام بإسقاطها ولماذا؟ط فكل هذه العوامل "نحتاجها لفهم لماذا يشكّل انتصاب تمثال أو سقوط آخر أهمية أكثر من انتصاب أو سقوط تمثال آخر، ولماذا يختلف ردّ فعل الناس تجاه هذه الأصنام من ثقافة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر".

من هنا فإن بعض التماثيل التي تحمل معان سياسية أو ثقافية إشكالية، قد تثير الجدل أكثر من غيرها. أما في حالة "نصب الإصبع" وما أثير حوله، فكان مسألة مرتبطة بشكل أساسي بالقيمة الفنية، واعتبار نقابة الفنانين العراقيين أن هذا النصب "لا ينتمي إلى حضارة وادي الرافدين لا زماناً ولا مكاناً ولا يرمز إلى قيم ومعتقدات وتاريخ بغداد الحضارة ويخلو من القيم الفنية والجمالية الرصينة"، كما جاء في كتابها الذي وجهته إلى أمانة بغداد.

كما انتقد فنانون عراقيون "رداءة" بعض النصب الموضوعة في الساحات العامة العراقية، لانخفاض قيمتها الفنية كونها "تُصنع من مواد رديئة تجعلها غير قابلة للصمود أمام عوامل الزمن" على حدّ تعبيرهم.

وقبل أن تثير هذه الأعمال حفيظة المتخصصين والنقاد والفنانين، يسبق الرأي العام العراقي غالباً الجميع إلى إثارة الجدل حولها، وتحويل الكثير منها إلى مادة للسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي.

في عام 2014 مثلاً، أطلق مواطنون في البصرة لقب "الباذنجانة" على نصب فني يرمُز إلى النفط، بسبب شكله الذي يشبه ثمرة الباذنجان.

كما أطلق مواطنون في الناصرية على تمثال المرأة السومرية لقب "السعلوة"، لما اعتبروه "بشاعة في منظرها"، في إشارة إلى أسطورة "السعلوة" المستمدة من التراث الشعبي.

كما أثار تمثال في النجف يمثل أسداً سخرية مواطنين بسبب "تنفيذه السيء".

وإلى الجدل الفني والجمالي المتصل بالذوق العام، يخوض الجمهور مع كل حدث مماثل في مسألة الكلفة المالية لهذه الأعمال، التي كلف بعضها آلاف الدولارات، ما اعتبره مستخدون عراقيون في مواقع التواصل "باباً للفساد".

تماثيل ونصب صدّام بعد 20 عاماً على سقوطه.. "الاستذكار في مواجهة النسيان"
ينقل شامل عبد القادر في كتابه "قصة سقوط صدام حسين"، عن تمارة التكريتي، بنت الأخ غير الشقيق لصدام، إن "عمها صدام كان يزورها في المنزل كل يوم وكان قد حضر يوم 7 ابريل 2003 وكانت معنوياته عالية، وقال: "اطمئنوا فنحن سننتصر في هذه المنازلة". وأضافت أنه جاء إلى منزلهم يوم 9 ابريل، وكان يشاهد الأحداث عبر التلفاز ورأى الشعب العراقي وهو يسقط تمثاله بمساعدة المعدات الأميركية، وتألّم كثيراً وذهب ولم نره بعدها"

نقيب الفنانين العراقيين جبار جودي يشرح لـ"ارفع صوتك" أن ما أثير بسبب "نصب الإصبع" هو "مسألة فنية وجمالية وترتبط بالذوق العام لأن التمثال معروض في مكان على تماس مع الشارع، وإن كان واضعوه هم أصحاب فندق خاص في منطقة الجادرية".

جودي يرى أن "سمعة العراق الفنية تفرض على النقابة أن تلعب دورها في حماية الذوق العام والفن من الأعمال التي تفتقر إلى الحد الأدنى من القيم الفنية والجمالية".

قبل عام 2003 كانت هناك لجنة تهتم بهذه الأمور، وتعطي الأذونات لرفع التماثيل والنصب في الساحات العامة والشوارع، بحسب جودي، مبيّناً "اليوم من واجب أي أحد يريد أن يضع تمثالاً في مكان عام أو مكان خاص يتصل بالمجال العام أن يرجع إلى نقابة الفنانين بحسب توجيهات الأمانة العامة لمجلس الوزراء".

ويؤكد "كل الساحات العراقية يجب أن تعكس الإرث العراقي القيّم في مجال الفنون، لأن بلاد ما بين النهرين لديها حضارة تمتد إلى سبعة آلاف سنة، ويجب أن نحافظ دائماً على هذه الحضارة من خلال التنوع الفني فيها والحفاظ على المستوى العالي للأعمال الفنية".

ويشير جودي إلى أن النقابة "فتحت حواراً مع أصحاب الفندق الذين وضعوا نصب الإصبع، من أجل اتخاذ قرار يتعلق بإزالته والإعلان عن مسابقة لتصميم وتنفيذ النصب من خلال فنانين تشكيليين عراقيين معروفين بإنجازاتهم وتاريخهم الفني".