توفي الجواهري في دمشق عن همر ناهز 98 عاما.
توفي الجواهري في دمشق عن همر ناهز 98 عاما.

"شاعر أشبه بالأسطورة، كلما ظنَّ قرّاء الشعر أنه انتهى يبتدئ، ومن حيث ما يظنُّ أعداء القصيدة أو الزاهدون فيها أنه أفرغ مخزونه كله، ينبع كالمارد ليفاجئهم بإنشاءٍ جديد فيه الجديد كله وبوارق من التجديد".

بهذه الكلمات البرّاقة وصف الأديب السوري خالد البرادعي الشاعر العراقي البارز  محمد مهدي الجواهري، الذي تمتّع بميزتين فريدتين قلّما تتكرّران في الأدب العربي، وهي موهبته الكبيرة ومعاصرته لزمنٍ كثير الحوادث والوقائع، ما أتاح له الفرصة للتعبير عنها أصدق ما يكون بفضل أشعاره التي خلّدت تاريخ العراق.

وُلد الجواهري عام 1900 في مدينة النجف. طمع أبوه في أن يُصبح ولده عالمًا –مثل أغلب أفراد الأسرة- فألبسه الجلباب والعمامة وألحقه بالدراسات الدينية في الحوزة منذ أن كان في العاشرة حيث تلقّى علوم القرآن، وخاض برنامجًا تعليميًا فقهيًا صارمًا شمل القراءة والكتابة والنحو والصرف والبلاغة والفقه.

يومها، كانت النجف تعيش حالة من النهضة الأدبية. تقول صيتة الحربي في دراستها "الحنين للوطن في شعر الجواهري": كانت النجف بيئة شعرية خصبة، وهو لدى أبنائها كالماء والهواء استسهالاً واستعظامًا. والشعر النجفي تتسع مجالاته لتشمل القضايا العامة والخاصة والمناسبات.

يوضح الجواهري نفسه: "ولدتُ في مولد هذا القرن المضطرب، كان البيت الذي وُلدتُ فيه ونشأت بقرب الصحن العلوي، ولذلك تفتحتُ اول ما تفتحتُ على هذه الفسيفساء الآدمية العجيبة، المتداخلة، المتعارضة، التي يضمها الصحن والحضرة والسور المرمري الذي يحيطها".

 

زمن الجواهري

 

شهدت هذه الفترة حراكًا شبابيًا شديدًا؛ وضعت إيران دستورها الأول عام 1906، ثم تبعتها الدولة العثمانية بعد عامين. كانت هذه الخطوة متأخرة في عُمر "الدولة العليّة" التي باتت على مشارف الانهيار، فيما شمّرت الدول الأوروبية عن أنيابها استعدادًا لالتهام تركتها، وأبرزها دول المشرق العربي، وهو ما تحوّل إلى واقع في العراق بعدما زحفت القوات الإنجليزية على البلاد عام 1914.

أشعل خضوع البلاد للاستعمار الكثيرة الأسئلة في صدور الأجيال الجديدة حول السياسة والتحرّر والنضال القومي والوطني. سريعًا، بدأ العراقيون النضال مبكرًا عبر أولى ثوراتهم ضد المحتل عام 1918م وكان مقرّها النجف، والتي مهّدت لاحقًا للثورة الثانية والأقوى: ثورة العراق الكبرى في 1920.

 

استكمال مسيرة الأجداد

 

أراد والد محمد مهدي الجواهري من ابنه أن يُكمل مسيرة جد العائلة الأكبر الشيخ محمد حسن، المرجع الديني البارز الذي ألّف كتابًا شهيرًا في الفقه حمل اسم "جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام". وبحسب ما كتبه وسام الخالدي في أطروحته "الجواهري الأب شاعرًا"، فإن ذلك الكتاب لم يكن سِفرًا عاديًّا، بل دائرة معارف فقهية واسعة أصبحت "مدار البحث والتحصيل في كل محافل التدريب في الفقه" حتى إن الكتاب اعتُبر "أحد أهم مصادر المعرفة الدينية الكبرى عند الشيعة الإمامية".

بسبب ذلك الكتاب، لُقِّب الشيخ محمد بـ"صاحب الجواهر"، ولاحقًا خُلع اللقب على أهله فعُرفوا بـ"آل الجواهر" وهو اللقب الذي تحوّل مع مرور الزمن إلى "الجواهري".

كان الأب رجل دينٍ أيضًا، لكنه لم يتمتع بمكانة الجد الكبيرة والتي كفلت لعائلة الجواهري قدرًا كبيرًا من الوجاهة في مجتمع النجف، وهي الأزمة الأبوية التي عبّر عنها الجواهري نفسه في مذكراته، حين كشف أن والده كان يُعاني من عُقدة "فقد الزعامة. يحكي قائلا: "نشأت ووجدتُ أمامي عُقدة تحكم البيت، هي إحساس والدي بالضيم الشديد من ألا يكون الزعيم بجدارة الأسرة الجواهرية".

 

حكايته مع الشِعر

 

حفظ الجواهري القرآن طفلاً، كما اعتاد والده أن يطلب منه حِفظ قصيدة يوميًا من ديوان أبي الطيب المتنبي وخطبة من كتاب "نهج البلاغة"، ما أكسب الطفل الصغير ذائقة لغوية سليمة دفعته لقرض الشعر مبكرًا.

يقول الجواهري في مذكراته: "بدأت محاولاتي لكتابة الشعر وأنا في الـ14 من عُمري، لكني لم أستطع البوح به لأني كنتُ غير متأكدٍ منه. ففي النجف يتمتع الشعر بحب أبناء المدينة وكلهم يعرفون جيده من رديئه".

محاولته الأدبية الأولى كانت كتاب "حلبة الأدب" الذي خرج إلى النور عام 1919م، ونشر فيه الجواهري عدة قصائد مختارة له يُجاري فيها شعراء العرب الكبار. أما ديوانه الشعري الأول فقد صدر عام 1928 وحمل عنوان "بين الشعور والعاطفية". احتضن العراق موهبة الجواهري مبكرًا وعدّه من مصاف شعرائه، وتسابقت الصُحُف على وصفه بـ"شاعر العرب الأكبر" و"نابغة الشعر العربي" و"أمير الشعراء بعد شوقي" وغيرها من الألقاب التي لم ينلها شاعر عراقي قبله.

لم يقتصر تقديره على داخل العراق فقط، وإنما في 1950 دعاه الأديب المصري المعروف طه حسين للمشاركة في مؤتمر ثقافي تابع للجامعة العربية عُقد في الإسكندرية. في هذا المؤتمر ألقى قصيدته "إلى الشعب المصري"، قال فيها: (يا مصر تستبقُ الدهور وتعثر\ والنيل يزخرُ والمسلّة تزهر... وبنوكِ والتاريخُ في قصبيهما يتسابقان فيُصهرون ويُصهر).

خلال زيارته لمصر لم ينسَ التعريض بالنظام الملكي في العراق وتوجيه سهام النقد له، فقال "يا مصر ليس من العراق مفرِّق\ يندسُّ ما بين الصفوف ويُحشر... وإنّا لنبرأ من نصوص عندنا\ تُمضي على ما لا نحب وتمهر... تُمضي على صدع الصفوف وفوقها\ راحت يدُ المستعمرين تؤشِّر).

 

في العهد الملكي.. مُعارض دائم

 

عندما اندلعت ثورة العشرين ضد البريطانيين اشترك فيها الجواهري، بحُكم أن النجف كانت إحدى مراكزها الأساسية.

تقول صيتة الحربي: بعدما انصرم عام 1920 كانت بقايا الثورة العراقية أول موضوعات النشر، بعدما أرسل قصيدتين إلى جريدة الاستقلال في بغداد، تأخر نشرهما حتى يناير في 1921.

لم تكشف لنا صيتة شيئًا عن محتوى تلك القصائد الثورية، وإنما كتب جانبًا منها خالد البرادعي في دراسته "الجواهري.. ملحمة العراق"، بعدما أوضح أن الجواهري كان في العشرين من عُمره حينما اشتعلت ثورة العراق الأولى ضد الاحتلال البريطاني للبلاد والتي تفاعَل معها الجواهري شِعرًا بقوله "هبوا، فعن عرينه\ كيف ينام الأسد... وثورة بل جمرة\ ليعرب لا تخمد... يا ثورة العرب انهضي\ لا تقلقي ما جدّدوا".

ترك الجواهري النجف عام 1927 ليعمل مدرسًا في المرحلة الابتدائية. لكن في العام ذاته، أصدر ساطع الحصري مدير المعارف العام حينها أمرًا بإنهاء خدمته عقب نشره قصيدة "بريد الغربة" بسبب بيت لم يُعجب الحصري!

تسبّبت تلك الخطوة في ضجة كبيرة، احتواها الملك فيصل الأول بتعيين الجواهري في دائرة التشريفات داخل بلاط قصره، وخلال عمله بالقصر أنجز ديوانًا شعريًا حمل اسمه "ديوان محمد مهدي الجواهري"، كما أنشد قصيدة امتدح فيها الملك قائلاً "لله درك من خير بارع يزن الأمور بحكمة وصواب".

استقال الجواهري من البلاط عام 1930، واتجه للعمل في الصحافة حتى أصدر جريدة "الفرات"، بدعمٍ من الملك ورئيس الوزراء نوري السعيد، لكن امتيازها أُلغي في ذات عام صدورها بحجة "إثارة الطلاب في المدارس".

عاد للعمل معلمًا مرة أخرى في أواخر 1931، لكنه بقي غاضبًا على سياسات الملك فيصل. وخلال زيارة للأمير فيصل بن عبد العزيز آل سعود للعراق نظم قصيدة في مدحه قال فيها "إن كل بني سعود\ لهم فضلٌ على قاصٍ وداني... وإنهم الملاجئ في الرزايا\ وإنهم المطامح والأماني". أثارت تلك الخطوة غضب الملك فيصل، فأمر بنقله من محل عمله. وهو ما ردَّ عليه الجواهري بكتابة قصيدة عنيفة حملت عنوان "في سبيل الحُكم" تحدّث فيها عن مفاسد النظام الحاكم، فتمت إحالته للجنة انضباطية أوصت بفصله ثم تراجعت لاحقًا واكتفت بإنذاره.

رفض الجواهري تلك الإجراءات بحقه، وقرّر الاستقالة من مهنة التدريس والتفرّغ للصحافة.

تفاعَل سريعًا مع الانقلاب الذي قاده بكر صدقي ضد حكومة ياسين الهاشمي عام 1936، كان مؤيدًا له وأصدر جريدة "الانقلاب" للترويج لسياسات القادة الجُدد. وقال في حيثيات إطلاقها "أصدرت جريدتي الثانية مستعيرة اسم الانقلاب نفسه، متطوعًا غير ذي انتماء لأحد، ولا ذي علاقة بأحد إلا بخيط متين مما بيني وبين الناس".

اعتقد الجواهري أن تلك الحركة ستغيّر الأوضاع السياسية التي لطالما ضايقته، فكتب قصيدة "تحرّك اللحد" دعمًا لها ومنها "أتتكم زُمرة تحدو عزائمها\ ما خلفت قبلها من سيء زامر... ألقت على كل شبرٍ من مسالكها\ يلوح مما جنى أسلافها أثر".

لكنه، لاحقًا بدأ في رفض بعض ممارسات الحكام الجدد فحُكم عليه بالسجن 3 شهور وبإيقاف جريدته لمدة شهر.

حكى الجواهري عن خيبة أمله من تلك الحكومة قائلا: "خابت الظنون وتبدّدت الاحلام، وسرعان ما انكشفت الصدور وانجلت الضمائر، فإذا بها سوداء ملطخة وإذا بالشهوات والنزعات تعصف بها عصفًا شديدًا، والآن فلئن مات الانقلاب فليعش الرأي العام".

وعقب سقوط الحكومة التي فرضها الانقلاب على الملك غازي واغتيال قائدها بكر صدقي، غيّر الجواهري اسم جريدته إلى "الرأي العام"، والتي لطالما عرفت قرارات التعطيل بسبب انتقاداتها المتلاحقة للسُلطة.

وعندما قامت ثورة رشيد الكيلاني عام 1941 أيّدها، وعقب فشلها اضطر لمغادرة العراق إلى إيران قبل أن ينجح في العودة مُجددًا بالعام نفسه وأعاد إصدار جريدته "الرأي العام".

وفي 1948 فجّر الطلبة العراقيون احتجاجات عنيفة عُرفت بِاسم "انتفاضة الوثبة" احتجاجًا على محاولات نوري السعيد رئيس الوزراء حينها تجديد معاهدة التعاون مع بريطانيا، والتي كانت ستكفل لقوات الإنجليز حرية كبيرة في الحركة داخل العراق.

قتل جعفر شقيق الجواهري خلال هذه الاحتجاجات، فرثاه بقصيدة بليغة قال فيها: (أتعلمُ أم أنت لا تعلم\ بأن جراح الضحايا فمٌ... فمٌ ليس كالمدّعي قولة وليس كآخر يستفهم... يقولون من هم أولاء الرعاع\ فأفهمهم بدمٍ من هم).

وخلال احتفالٍ نظّمته نقابة المحامين العراقيين في بغداد نوفمبر 1951، عاد الجواهري لانتقاد النظام الحكام بل ويدعو للثورة عليه، إذ قال: (سلامٌ على حاقدٍ ثائر... على لاحبٍ من دم سائر\ يخبُّ ويعلمُ أن الطريق\ لابد مفضٍ إلى آخر).

نجح الجواهري مرة أخرى في إعادة إصدار جريدته "الرأي العام" عام 1953 إلا أن الحكومة عادت وعطّلتها مُجددًا في العام ذاته، بسبب قصائده المتتالية التي تنتقد النظام الحاكم والتي حرص فيها على عدم التعرّض لشخص الملك، حتى أنشد مادحًا الملك فيصل الثاني "يا ابن البتول وفيك عزّ شمائل\ من حد النور الأغر محمد".

صبر الحكومة العراقية نفد بحق الجواهري عام 1956 حينما نشر قصيدته "خلّفت غاشية الخنوع"، والتي هاجم فيها مسؤولي العراق بشدة. وفي العام ذاته قرض الجواهري الشعر بحقِّ النضال العربي في بورسعيد والجزائر.

هذه المرة طُرد الجواهري من العراق فاضطر إلى السفر لسوريا حيث مُنح حق اللجوء السياسي وعاش قرابة عامين في دمشق، وفيها أصدر الطبعة الرابعة من ديوانه الشعري. لم يشعر الجواهري بغربة كبيرة في سوريا، فالرجل سبق وأن أعلن منذ قديم الأزل مدى غرامه بجارته العزيزة بقوله "إني شامي إذا نسب الهوى\ وإذا نسبت لموطني فعراقي". على أية حال، بقي الجواهري في سوريا ولم يعد إلا بغداد إلا عام 1957.

 

في ظِل الجمهورية.. مؤيِّد ثم مطرود من البلاد

 

فور اندلاع ثورة 1958، التي أطاحت بالنظام الملكي كان الجواهري من طليعة مؤيديها بفضل علاقته الجيدة بقائدها عبد الكريم قاسم، والتي وصفتها جريدة "لوموند" الفرنسية حينها بـ"أن الجواهري أقرب شخصية إلى زعيم العراق الجديد".

قتل الملك فيصل الثاني ولم يكن تجاوز من العمر 23 عاما.
مجزرة قصر الرحاب.. نهاية دموية لحُكم الهاشميين في العراق
كان عبد الستار العبوسي في القصر لحظة خروج العائلة المالكة. ما إن رآهم حتى هرع نحوهم قفزًا.. وتأكد من الضابط المرافق لهم أنه اصطحب كافة العائلة الهاشمية، ثم رفع رشاشه وراح يُطلق الرصاص يمينًا ويسارًا حتى سقطوا جميعًا مضرجين بدمائهم.

 استأنف الشاعر العراقي إصدار جريدة "الرأي العام" مرة جديدة وخصّص صفحاتها للحديث عن الثورة وإنجازاتها، وفي هذه الأجواء انتُخب رئيسًا لاتحاد الأدباء العراقيين ونقيبًا للصحفيين.

وأنشد في مديح الثورة وتفاؤله بها قائلاً: "هذا العراق وهذه ضرباته\ كانت له من قبل ألف ديدنا... وطن تطهّر إذ تطهّر قلبه\ وطن وقد عادا معًا فتوطنّا"، ومن كثرة ما كتب الجواهري في دعم حركة الجيش لُقِّب بين العراقيين بـ"شاعر الثورة".

امتدح الجواهري عبد الكريم قاسم أيضا في قصيدة طويلة قال فيها "أبا كل حر لا أبا الشعب وحده... إذا احتضن الأحرار في أمة أب... هنيئًا لك العيد الذي أنتَ رمزه\ بذكرك يستعلي وباسمك يطرب".

لكن هذا الود لم يدم طويلاً، إذ سُرعان ما نشبت الخلافات بينه وبين الحُكام الجدد فأمروا بتوقيفه وسجنه وهو ما اضطره إلى الهرب عام 1961 إلى لبنان ثم إلى براغ، عاصمة التشيك، حيث عاش ضيفًا على اتحاد الأدباء التشيكوسلوفاكيين لمدة 7 سنوات كتب فيها ديوانه "بريد الغربة".

كتب في مذكراته عن تلك الفترة المُرة من حياته: "أنا اليوم في مرحلة تتجاوز كل شيءٍ في ضراوتها وقساوتها، بل وفي تخبطي أنا بالذات في مجاهلها، والحقيقة المرة أنني كنت أحارب أكثر من جبهة واحدة؛ جبهة جهاز عبد الكريم قاسم، وجبهة الصحافة، وجبهة الأرض الخراب".

انقلاب 8 شباط.. القوميون والبعثيون يستولون على السلطة
سلم رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم نفسه ظهيرة 9 شباط 1963، واقتيد إلى أستوديو التلفزيون حيث جرت محاكمته من قبل محكمة خاصة شكلت برئاسة عبد الغني الراوي، وحكم عليه ورفاقه بالإعدام رميا بالرصاص وعرضت صورهم بعد تنفيذ الحكم على شاشة التلفزيون العراقي.

عاد إلى العراق عام 1968، عقب تدبير حزب البعث ثورة قادته إلى السُلطة بقيادة أحمد حسن البكر وصدام حسين. وجّهت له حكومة الثورة دعوة للعودة إلى بغداد، حيث أعدّت له استقبالاً حافلاً، ألقى خلاله قصيدته المشهورة "أرِح ركابك"، والتي بدأت بـ"أرِح ركابك من أين ومن عثر\ كفاك جيلان محمولاً على سفر... كفاك موحش دربٍ رحت تقطعه\ كأن مغبرّه ليلٌ بلا سحر".

خصّصت له الحكومة العراقية معاشًا تعاقديًا قدره 150 دينارًا، ومنحته حرية كتابة القصائد كما يشاء، وفي العام التالي أصدر ديوانه الجديد "بريد العودة".

في عهد البعث، كتب الجواهري قصيدته "يا دجلة الخير" التي وجّه فيها انتقادات شديدة بحقّ صديقه القديم عبد الكريم قاسم فقال بحقّه "ما تزال سياط البغي ناقعة\في مائط الكهر بين الحين والحين... ووالغات خيول البغي مصبحة على القرى آمنين والدهاقين).

وشكر الجواهري قادة الدولة الجُدد على ترحيبهم به، فكتب احتفالاً بمرور 10 سنوات على ثورتهم: "نعمتم صباحًا قادة البعث أصيدا\ يسدّد خطو الصيد منكم واغلبا".

كالعادة، لم يطل الوفاق بينه وبين حُكام البعث طويلاً، فسرعان ما تجدّدت الخلافات فاضطر على إثرها للخروج من البلاد نهائيًا عام 1980.

 

سوريا.. الوِجهة الأخيرة

 

غادر محمد مهدي الجواهري العراق إلى سوريا حيث نزل في ضيافة الرئيس حافظ الأسد، الذي أكرم وفادته ومنحه أعلى وسام في البلاد، وسرعان ما ردَّ الجواهري التحية بـ"أحسن منها" بعدما ألّف قصيدته الشهيرة "دمشق جبهة المجد"، التي تُعتبر واحدة من أفضل ما قدّم من أدب، وامتدح فيها الرئيس حافظ قائلاً "سلامًا أيها الأسد.. سلمت وتسلم البلد".

عاش الجواهري في سوريا ما تبقّى من حياته حتى مات عام 1997 عن عُمر ناهز الـ98 عامًا، وشُيِّع جثمانه في جنازة مهيبة تقدّمها نائب الرئيس السوري ممثلاً عن حافظ الأسد وعبد القادر قدورة رئيس مجلس الوزراء، انتهت إلى مقبرة الغرباء التي تقع في حسي السيدة زينب، حيث دُفن إلى جوار زوجته.

 

مواضيع ذات صلة:

هالا غوراني مع غلاف كتابها - من حسابها على فايسبوك
هالا غوراني مع غلاف كتابها - من حسابها على فايسبوك

كان اسمها هالا إبراهيم باشا. وكانت في العشرين من عمرها، تعيش في باريس في تسعينات القرن الماضي، وقد تخرّجت للتو من إحدى الجامعات المهمة في فرنسا، ولديها خبرة عامين، وتحاول التقدم إلى عمل. جمعت سيرتها الذاتية ورتّبتها، كان اسمها مذكوراً في الأعلى: هالا باشا، وكانت اللغة العربية من ضمن اللغات التي تتحدثها بطلاقة، فوضعت ذلك في السيرة الذاتية كعنصر يفترض أن يكون معزّزاً لفرصها في نيل وظيفة. لكن الأمر كان معاكساً. لم تتلق هالا أي ردّ على سيرتها الذاتية، ولم يصلها أي عرض عمل. حينذاك، أحد أصدقائها نصحها بإزالة اللغة العربية من السيرة الذاتية. قال لها: "فرنسا مجتمع توجد فيه عنصرية مؤسسية وبالتأكيد تمييز ضد العرب، وهذا ما تم إثباته في العديد من التجارب، حيث يتم ارسال السيرة الذاتية الوهمية باسم عربي مقابل اسم غربي، والاسم العربي يحصل على قدر أقل بكثير من الاهتمام".

لهذا، قررت هالا أن تزيل اللغة العربية من سيرتها الذاتية، وأضافت صورتها بشعر أشقر وعيون زرقاء، تبدو فيها أجنية، وقررت أن تغيّر اسم عائلتها، وتعتمد اسم عائلة والدتها بدلاً من والدها، ويصير اسمها الكامل: هالا غوراني، وهو اسم كما تقول له وقع غربي. وهكذا صارت الإعلاميةَ المعروفة أميركياً وعالمياً بسبب عملها في قناة "سي أن أن" وتقديمها برنامجاً حمل اسمها على القناة الأميركية المشهورة.

"لكن لا يبدو عليك أنك عربية"، هذه هي العبارة التي سمعتها هالا مراراً وتكراراً، جعلتها عنوان كتابها الصادر حديثاً باللغة الإنجليزية. وهو عبارة عن سيرة ذاتية تخوض في تفاصيل حياة غوراني المهنية وتاريخ عائلتها المركّب.

تعتمد الإعلامية في سردها على الدمج بين حياتها الشخصية وبين حياتها المهنية. فهي من جهة ابنة مهاجرين سوريين، وهي في الآن عينه المراسلة المعروفة التي سافرت إلى مختلف أنحاء العالم، لتغطية الأحداث والنزاعات والحروب. تصيغ حياتها كانعكاس لجذورها من جهة، ولانتمائها إلى مهنة الصحافة التي تتحول إلى وطن في غياب الهوية الواضحة.

استطاعت هالا، من خلال تجاربها أن تجد مكانها في جميع الأماكن التي شعرت فيها بأنها "الآخر"، كما في حلب، سوريا، موطن والديها؛ وفي سياتل، واشنطن، حيث ولدت؛ وفي باريس، فرنسا، حيث نشأت. وأيضاً في لندن، إنجلترا، حيث بدأت رحلتها الصحفية، وفي العاصمة الأميركية واشنطن حيث أمضت معظم حياتها المهنية. 

كقطع "البازل" تمكنت غوراني من تجميع حياتها ومسيرتها المهنية من خلال إجراء مقابلات مع عائلتها، وتدوين الملاحظات على مدى عقود، والتحدث إلى زملائها، والاعتماد على ذكرياتها، لكي تصل في النهاية إلى معرفة ذاتها، وفهم هويتها المركّبة، وما عانته طوال رحلتها الشخصية والمهنية، كمهاجرة، من تنميط مارسته هي نفسها مع نفسها، لمحاولة "النجاة"، وتحقيق الطموح والارتقاء في السلم الوظيفي. وحينما حققت غوراني ذاتها مهنياً، راحت عبر الكتاب تبحث عن تاريخها وهويتها وانتمائها. 

باستخدام ذكرياتها عن الماضي والسياسة تتنقل بين شبابها وحياتها المهنية، بين الوظائف والمناصب، والبلدان والمهمات، والأحداث الشخصية والمهنية، مما يساعدها على ترسيخ أقدامها في السعي لاكتشاف نفسها. تعرّج على الأماكن التي زارتها كمراسلة، وتجعل منها محطات في تماسها مع جذورها المشتتة حول العالم. تعود إلى حلب، موطن والديها الأصلي، وتشعر بجراح المدينة التي لم تندمل منذ العام 2011.

عن هذا الجرح تقول في مقابلة مع شبكة "سي أن أن" التي عملت فيها لسنوات طوال: "للأسف لم يلتئم الجرح فهو لا يزال موجوداً لأنه ما زال يجعلني اشعر بالعاطفة وكل التجارب السابقة التي مررت بها، سوريا، موت سوريا التي أعرفها لا يزال الشيء الذي يحزنني".

تحكي غوراني بأسلوب السيرة الذاتية، سيراً مختلفة لأمكنة وبلدان، وتغوص في سيرة النزوح والهجرة واضطراب الهويات: "أردت أن أروي هذه القصة العالمية للنزوح، للهجرة. كانت عائلتي عائلة عربية سورية تعيش في الغرب الأوسط الأميركي. في وقتٍ مبكرٍ جداً تدرك أن اسمك مختلف وتدرك أن والديك يتحدثان لغة أخرى ويأكلان طعاماً مختلفاً. وليس العرب الذين يعيشون في الولايات المتحدة هم فقط الذين يشعرون بهذه الطريقة يمكن أن يكونوا لاتينيين أو أشخاصاً من دين أو عرق مختلف، عندما تنتمي إلى أقلية كما كتبت في كتابي، فأنت تنتمي أحياناً إلى قبيلة مكونة من شخص واحد لإنك الطفل الوحيد من تلك الخلفية والوحيد الذي يختلف بلد والديه الأصلي تماماً عن المكان الذي انتهى بهما الأمر إلى الاستقرار فيه".

يبدو الكتاب كمحاولة لتصحيح تلك السيرة الذاتية التي أخضعتها غوراني لنوع من "التزوير الأبيض" بغرض تفادي التنميط وعدم خسارة فرص بسبب الممارسات العنصرية أو النبذ الاجتماعي. في الكتاب تفصح غوراني عن هويتها في معرض البحث عنها، لتكتشف أنها هوية مركّبة وغير مستقرة. هي الهوية التي تجمع ما بين عدم الإنتماء إلى أي بلد والانتماء في الوقت نفسه إلى مجموعة كبيرة من البلدان. ولهذا فإنها في نهاية كتابها تصل إلى خلاصة أن الوطن، هو في الحقيقة هذه التجربة كلها التي عاشتها ودوّنتها. الوطن يصير هو الكتاب.

غلاف الكتاب

على الغلاف الخلفي للكتاب، الصادر في فبراير من العام 2024، عن دار "هاتشيت" في نيويورك، مراجعة قصيرة كتبها الكوميدي المصري باسم يوسف، يقول فيها: "لكن لا يبدو عليكِ أنك عربية"، يمكن أن يكون "لا يبدو عليك أنك مسلمة، مسيحية، يهودية، أميركية.. هذا الكتاب يخاطب كل من شعر بالحاجة للظهور بشكل معين، أو ليتكيف مع وضع معين، أو التأقلم مع توقعات الآخرين عنه". ويضيف يوسف: "هذا الكتاب يجب أن يضاف إلى طلبات الهجرة التي نقدّمها".