صورة ملتقطة من إحدى حلقات مسلسل "مو" تظهر فيه عائلته المكونة من أمه وأخته وأخيه، مع محامية اللجوء
صورة ملتقطة من إحدى حلقات مسلسل "مو" تظهر فيه عائلته المكونة من أمه وأخته وأخيه، مع محامية اللجوء

في عروضه الكوميدية الحيّة، يختار محمد عامر، المعروف بـ"مو"، ارتداء الكوفية الفلسطينية كجزء من ثيابه، وغالباً تكون سوداء، أو المفتاح في قلادة على عنقه، وهو ما يسميه الفلسطينيون "مفتاح العودة"، ليأتي الرمز الثالث في مسلسله الجديد على شبكة نتفليكس "MO": زيت الزيتون.

ويعتبر مسلسله أول إنتاج أميركي عن قصة لاجئ فلسطيني،  حمل في معظم أجزائه قصة عامر نفسه، حسب حديثه لبرنامج "ساترديه نايت لايف" لجيمي فالون.

لاقى العمل الكوميدي-الدرامي احتفاء في تقارير ومقالات لأبرز الصحف الأميركية والبريطانية، حملت عناوين تدلل على أهميته في نقل حكاية الفلسطيني اللاجئ، محملاً بالألم والضحكة معاً، وجالباً للتعاطف مع الفلسطينيين بشكل عام.

كما اعتبرته بعضها عملاً "استثنائياً"، وأخرى رأت فيه رسالة حب من عامر إلى الشعب الفلسطيني.

المسلسل نفسه نال إعجاباً كبيراً أيضاً في الصحافة العربية، كما أخذ نصيبه من الهجوم في مواقع التواصل الاجتماعي. وكغيره من الأعمال العربية التي تُنتج للجمهور الغربي، تعرض لعبارات سمعناها مراراً، مثل: "لا يمثل الفلسطيني" أو "يشوه صورة الفلسطيني".

هذه العبارات برأيي لا تحتاج الكثير من النقاش، ليس للفلسطيني فحسب، بل مع أي عمل يكون بطله أو أبطاله من جنسية أو قومية بعينها، لأن لا معنى لها في العمل الفني أو الإبداعي، الذي يلتقط بدوره فردانية القصة من المجتمع الكبير المتنوع، ويصوغها بطريقته، علماً بأن عامر عرض رحلته الشخصية دون تحرّج أو اعتذار.

لا ننسى أن هناك حساسية لدى الكثيرين في العالم العربي، تجاه الأعمال العربية التي تقدم على منصات دولية، وليست تجربة نتفليكس حديثة، إذ أن هذا الأمر تاريخي مع الأفلام العربية المرشحة أو الحائزة على جوائز في مهرجانات دولية، خصوصاً "كان" و"الأوسكار".

ولو تم تقديم "مو" بإنتاج عربي للجمهور العربي، قد يكون التفاعل معه أقل وطأة، وربما لن يُشاهد على مستوى واسع، فهناك العديد من الأعمال العربية أقوى بدرجات منه، قد يخسر معها المنافسة بسهولة.

أمثلة على إنتاجات عربية لنتفليكس، أدت لجدل كبير ومناهضة: مدرسة الروابي، جن، أصحاب ولا أعز.

بشكل عام، جمع المسلسل بين الرمزية المفرطة والصورة النمطية التي ارتبطت بالفلسطيني في دول عديدة، باعتباره "يحب دور الضحية" التي تلاحقها "لعنة" الفلسطيني، الذي يبكي ويلعن حظه في كل مأزق يمر به، وبين نفي الصفات "المحببة" للفلسطيني والآخرين، عنه.

مثل هذه الصفات: "البطل المثالي، عنوان الرجولة والشهامة والكرامة والنزاهة وصاحب قصص النجاح المبهرة تحت الاحتلال أو في أرض الشتات"، وغير ذلك من أمور سوّقت له عن طريق الكثير من الأدبيات الفلسطينية والعربية، حتى أصبح ربط صفة سلبية به مثار استعجاب.

كأن مسلسل "مو" يقول ببساطة: الفلسطيني إنسان عادي. قد يبيع بضاعة مزيفة ويحتال على الزبائن، وقد يدمن على مادة مخدرة، وقد يمارس الجنس من دون زواج، وقد يكون جالساً يلعب النرد مع يهودي أو يستعين به لإنجاز عمل ما، وإن حدث نقاش عن فلسطين بينهما سيتم تجنبه اختصاراً لأي جدل وانفعال، وأيضاً هناك فلسطيني يكره صدام حسين.

فعلياً، قد تكون هذه ميزته الكبيرة، بأنه يقدم شيئاً مختلفاً عن المألوف حول شخصية فلسطينية، فهو إلى جانب ذلك يتسم ببنية ضعيفة للأحداث، كما أن تمثيل "مو" نفسه بدا هزيلاً.

في المجمل شعرتُ أنه عمل هش غير متماسك، بمبالغة غير مبررة، كرمزية الزيت وعصر الزيتون والبكاء والحركة المشتتة للأداء (مو تحديداً)، واختلاط الدراما بالكوميديا بالتراجيديا بشكل فوضوي لدرجة أن أي مشهد يُفترض أنه مضحك، يبدو ثقيلاً، وأي مشهد درامي يبدو غير مقنع (صدمته من تعرض والده للتعذيب، أو مشكلة أخيه في العمل، مثالاً)، كما وقع في فخ الخطابية (حوار مو مع سار ق أشجار الزيتون المكسيكي).

وإذا وضع هذا المسلسل في خانة المقارنة مع "رامي" (إنتاج شبكة هولو)، الذي شارك بطله رامي يوسف في كتابة "مو"، وكان عامر نفسه أحد الشخصيات التي ظهرت في "رامي"، ستكون الغلبة لـ"رامي"، من جهة تماسك القصة وجرعة الكوميديا الجميلة، وتلقائية الأداء لأغلب الممثلين. 

مع ذلك، للمسلسل أهمية كبيرة، للأميركي الذي يحب ويتابع وحضر أحد العروض الحيّة لمحمد عامر، الذي يُعرّف دائماً على المسرح بفلسطينيته، ويروي قصصاً من حياته على مسارح الضحك، تحمل بين طياتها معاناة اللاجئ.

كما تتعرض قصته لمعاناة الكثير من اللاجئين والمهاجرين، لا الفلسطينيين فقط، علماً بأن مسؤولية عدم اكتمال طلب اللجوء لعائلة "مو" لأكثر من 20 عاماً لم تُلق على الجهاز الرسميبشكل مباشر، حيث بدت المحامية الفلسطينية هي السبب.

أما أهمية المسلسل بالنسبة للمشاهد العربي، أن العربي المسلم يقدم نفسه بنفسه على منصّة أميركية تبث للعالم، وأن الفلسطيني يقدم نفسه بنفسه، لأول مرة على نتفليكس، ولعامر الحظوة بأن يكون الأول، بسبب شهرته وشعبيته الكبيرة داخل أميركا.

والمسلسل، سواء أحببناه أو لا، احترمنا الجهد فيه أو لا، هو ضمن مجموعة أعمال فنية عربية مدعومة من شبكة نتفليكس، أعطت مساحة للعربي والمسلم من أجل التعبير عن نفسه.

وهي فعلياً ظاهرة حديثة، حيث ظل العربي والمسلم من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعقود، شخصية من وجهة نظر غربية، ضمن أفلام هوليوود والسينما الأوروبية.

وبالطبع نال المهاجرون غير الشرعيين واللاجئون نصيبهم المرّ من هذه الصورة.

صحيح، ما زال هناك إنتاج عالمي يصوّر المسلم أو العربي فجاً كسولاً أو متورطاً في عصابة، أو إرهابياً، خصوصاً مع تصاعد الإسلاموفوبيا في الغرب، نتيجة العمليات الإرهابية، لكن هذه الصورة لم تعد الوحيدة المتوفرة للمشاهد الغربي، غير المطلع أو المحتك ثقافياً بالمجتمعات العربية داخل وخارج أميركا. (مسلسل Bodyguard البريطاني، نموذجاً)

 

منذ سنوات ليست كثيرة، أصبح للممثل العربي مكان بين صفوف الممثلين في أي عمل أميركي، بدلاً من أن يؤدي دوره شخص من دولة أو قومية أخرى بلغة غير لغته ولهجة غير لهجة بلده وأحيانا غير مفهومة.

وكان لزاماً لهذا التغيير، أن يصل كاملاً، أي من تأليفه وتمثيله وإخراجه على منصات أميركية ودولية، فماذا لو كانت شبكة نتفليكس الأشهر بين شبكات البث التلفزيوني حول العالم، والناطقة بعدة لغات، محكية ومترجمة.

والمحتوى العربي على نتفليكس منوع، نتيجة تخصيصها بث "Mena region" ، فهناك العديد من المسلسلات والأفلام المصرية واللبنانية والفلسطينية وغيرها، المتوفر جزء كبير منها للمشاهد في أميركا، مترجما للغة الإنجليزية والإسبانية.

 

ليس العربي والمسلم وحده!

الصور النمطية المجحفة والمنفرّة، لم ترتبط فقط بالعربي والمسلم ضمن المسلسلات والأفلام الأميركية، إذ كان للعديد من الجنسيات نصيبها أيضاً، مثل الرّوس والصينيين والهنود والمكسيكيين والإيطاليين، إضافة إلى الأميركيين السّود واليهود في أميركا.

وإذا نظرنا لشبكة نتفليكس فقط، سنلاحظ أنها وبسبب توسعها في البث ضمن القارات جميعها، دعمت إنتاج واشترت حقوق بث عشرات الأعمال من مختلف الدول الأوروبية والآسيوية والأفريقية والأسترالية ومن الأميركيتين: الجنوبية والوسطى.

وهذه الأعمال قربت المشاهد الدولي والأميركي على وجه الخصوص، من ثقافات وأفكار ولغات، خلقت صوراً جديدة لديه، عن سكان تلك البلاد.

لا يعني ذلك أن جميع الأعمال أتت لتحسين الصورة، أو أن الصور الماضية كانت سيئة في المطلق، أحياناً هي أمور بسيطة عن حياة الآخرين، قد تصوّر في فيلم أو مسلسل ذائع الصيت، ثم تصبح كأنها "هم" أينما حلّوا وارتحلوا، وأي صفات أخرى أو معاكسة، تغدو "مدهشة".

حتى إن كانت القصص غير متعلقة بقضايا اجتماعية مباشرة، فهناك الكثير من الأعمال الدرامية تتمحور في سردها عن الجرائم والتحقيقات والجرائم والفانتازيا والرعب أو الخيال العلمي، لكن يمكن ببساطة عن طريقها الاطلاع على التنوع والغنى العالمي، عبر الإبداعات التمثيلية والإخراجية والتقنية، كأنها وجبات سريعة من كل بلد، يقدمها مطعم واحد.

والملفت ويُحترم أيضاً في تجربة نتفليكس، أنها تقدم الدبلجة للإنجليزية لأغلب الأعمال الآسيوية والأوروبية بلكنة أهل البلد، أي ليس باللكنة الأميركية البيضاء.

وإن كانت معرفة الآخر لا تُقاس مئة في المئة بما يُعرض في فيلم أو مسلسل، كان هناك شيء مثير للاهتمام، حول صور نمطية حول الحياة في أميركا وأوروبا، بالنسبة لي كامرأة عربية عاشت ثلاثة عقود من حياتها في دولة عربية.

فقبل الاطلاع الكبير على التجارب الدرامية من دول أوروبية عديدة كإسبانيا وبريطانيا والسويد وألمانيا وبولندا وفنلندا والدنمارك، بالإضافة لأعمال روسية وأسترالية، وأميركية بالطبع، كان الأميركي أو الأوروبي (الغربي عموماً)، بالنسبة لي، يمثل الانفتاح الكامل والإيمان الكامل بالحرية الفردية وحقوق المرأة واحترام المرأة في الحيز الخاص والعام وفي أماكن العمل، إضافة لتمتع الأقليات بمختلف الحقوق، ودعم مجتمع الميم (LGBTQ+).

وبعد الاطلاع عليها عبر نتفليكس، ولاعتناء إنتاجاتها بالإضاءة على مثل قضايا مماثلة، بدت لي المجتمعات الأخرى التي ظننت أنني أعرفها، شيئاً مختلفاً، وتطور لدي وعي أكبر حول طبيعة العلاقات والقوى فيها.

والاطلاع على التجارب البشرية المختلفة عبر الدراما، أمر بديع، يقرّب من مجتمعات وأفكار وثقافات ولغات أكثر مما يفرّق، فهي تشبه الخلاصة التي يجدها المسافر كلما ارتحل من بلد لبلد، أن أوجه الشبه بين الناس في كل مكان أكبر بكثير من الاختلاف، كما يجعله أكثر تقبلاً للاختلافات نظراً للفروقات الثقافية وتاريخ البلاد في الأمم التي سكنتها والحروب التي خاضتها، أو النهضات العمرانية والعلمية التي حققتها.

وهناك نوع من التعاطف الإنساني- العالمي في مختلف القضايا، تخلقه هذه المشاهدة، لأعمال تتعرض لقضايا حقوقية خاصة بالنساء أو الأقليات.

أمثلة على هذه المسلسلات: Doctor Foster , Maid, 13 reasons why, Unbelievable, Anatomy of a scandal, Intimacy, Alba, Queen, Colin in black and white, When they see us, Secret city

 

كأنها "اعتذار" عمّا سبق!

في شبه ظاهرة، ملفتة للانتباه، هناك مجموعة لا بأس بها من الأفلام والمسلسلات التي عُرضت أو ما زالت تُعرض عبر شبكة نتفليكس، خلال السنوات الماضية، سواء من إنتاجها أو اشترت حقوق البث أو الإنتاج، تروي قصصاً تتعلق بالإرهاب أو جرائم كراهية، يُتهم فيها عرب أو عرب مسلمون أو مسلمون من دول غير عربية.

وتظل الشبهات تحوم حولهم، ثم في النهاية يكون المذنب الحقيقي إما ضابط مخابرات، أو جان يقتل لغاية شخصية ويلصق التهمة بالإرهاب، ذلك أنه أسهل شيء بالنسبة للأجهزة الأمنية.

ومن أحدث الأمثلة على ذلك مسلسل إسباني اسمه "Victim number 8"، الذي يبدأ بحدوث تفجير يقتل عدداً من المدنيين، والمتهم الأول فيه عائلة مسلمة، ليتضح لاحقاً أنه رجل أعمال.

ويلخص بشكل عام صراع السلطات في إسبانيا: القانون، الإعلام، رأس المال، وأيضاً الاختراقات فيما بينهم، للسيطرة على الشعب من خلال تسويق لعدو واحد، والتغطية على احتمالات البراءة.

ومؤخراً أعدت مشاهدة مسلسل "The OA" بجزئيه، وهو أميركي إنتاج نتفليكس، تظهر في الجزء الأول امرأة اسمها "فتون" تتحدث اللغة العربية، وتمثل دورها الفنانة الفلسطينية القديرة هيام عبّاس، كشخصية موجودة في عالم الحياة ما بعد الموت.

وفي الجزء الثاني، بدا لي حوار بين محقق من أصول عربية مصرية اسمه كريم، وباحثة في دراسات الأحلام، في المسلسل المصنف في خانة الخيال العلمي، ويركز على الرؤية الوجودية وطبيعة الحياة بين الأبعاد الموازية، كأنه اعتذار عن حكايات عديدة خارج العمل نفسه.

يرد هذا النص، على لسان كريم: "كنت عميلاً في المباحث الفيدرالية، خمسة أعوام في العمل الميداني، وكنت متستراً في المجتمعات المسلمة في جميع أنحاء أميركا، باحثاً عن المتطرفين. هل تعلمين ما اكتشفته في هؤلاء الشباب يا دكتور رودز؟ كادوا يفعلون أي شيء لأحبهم، أنا الذي اهتممت بهم، واتصلت بهم وراسلتهم وأصغيت إليهم، وتسكعت معهم، وصليت صلوات الجمعة معهم".

"عندما حان الوقت لهم ليحملوا الأسلحة ويتعلموا صناعة قنبلة، فعلوا ذلك. وقبضنا عليهم. ولكن أؤكد لك، أن لا أحد منهم كان على علم بأي شيء عن الأسلحة والقنابل قبل مقابلتي. لقد علمتهم كل ذلك. ووقعت أيضاً على اتفاقية عدم الإفشاء عندما تركت المباحث الفدرالية. لم أنتهك أي قوانين دستورية، لكنني انتهكت قوانين أخلاقية أكبر"، يتابع كريم.

وفي نفس المسلسل يلتقي بعاملي تنظيف فلسطينيين في مدينة لوس أنجلوس الأميركية، يتحدث كلاهما اللهجة الفلسطينية "الكح"، حتى أن أحدهما يقول كلمة "أجرمنعنو"، وهي كلمة يصعب على غير الفلسطيني معرفتها.

 

مواضيع ذات صلة:

هالا غوراني مع غلاف كتابها - من حسابها على فايسبوك
هالا غوراني مع غلاف كتابها - من حسابها على فايسبوك

كان اسمها هالا إبراهيم باشا. وكانت في العشرين من عمرها، تعيش في باريس في تسعينات القرن الماضي، وقد تخرّجت للتو من إحدى الجامعات المهمة في فرنسا، ولديها خبرة عامين، وتحاول التقدم إلى عمل. جمعت سيرتها الذاتية ورتّبتها، كان اسمها مذكوراً في الأعلى: هالا باشا، وكانت اللغة العربية من ضمن اللغات التي تتحدثها بطلاقة، فوضعت ذلك في السيرة الذاتية كعنصر يفترض أن يكون معزّزاً لفرصها في نيل وظيفة. لكن الأمر كان معاكساً. لم تتلق هالا أي ردّ على سيرتها الذاتية، ولم يصلها أي عرض عمل. حينذاك، أحد أصدقائها نصحها بإزالة اللغة العربية من السيرة الذاتية. قال لها: "فرنسا مجتمع توجد فيه عنصرية مؤسسية وبالتأكيد تمييز ضد العرب، وهذا ما تم إثباته في العديد من التجارب، حيث يتم ارسال السيرة الذاتية الوهمية باسم عربي مقابل اسم غربي، والاسم العربي يحصل على قدر أقل بكثير من الاهتمام".

لهذا، قررت هالا أن تزيل اللغة العربية من سيرتها الذاتية، وأضافت صورتها بشعر أشقر وعيون زرقاء، تبدو فيها أجنية، وقررت أن تغيّر اسم عائلتها، وتعتمد اسم عائلة والدتها بدلاً من والدها، ويصير اسمها الكامل: هالا غوراني، وهو اسم كما تقول له وقع غربي. وهكذا صارت الإعلاميةَ المعروفة أميركياً وعالمياً بسبب عملها في قناة "سي أن أن" وتقديمها برنامجاً حمل اسمها على القناة الأميركية المشهورة.

"لكن لا يبدو عليك أنك عربية"، هذه هي العبارة التي سمعتها هالا مراراً وتكراراً، جعلتها عنوان كتابها الصادر حديثاً باللغة الإنجليزية. وهو عبارة عن سيرة ذاتية تخوض في تفاصيل حياة غوراني المهنية وتاريخ عائلتها المركّب.

تعتمد الإعلامية في سردها على الدمج بين حياتها الشخصية وبين حياتها المهنية. فهي من جهة ابنة مهاجرين سوريين، وهي في الآن عينه المراسلة المعروفة التي سافرت إلى مختلف أنحاء العالم، لتغطية الأحداث والنزاعات والحروب. تصيغ حياتها كانعكاس لجذورها من جهة، ولانتمائها إلى مهنة الصحافة التي تتحول إلى وطن في غياب الهوية الواضحة.

استطاعت هالا، من خلال تجاربها أن تجد مكانها في جميع الأماكن التي شعرت فيها بأنها "الآخر"، كما في حلب، سوريا، موطن والديها؛ وفي سياتل، واشنطن، حيث ولدت؛ وفي باريس، فرنسا، حيث نشأت. وأيضاً في لندن، إنجلترا، حيث بدأت رحلتها الصحفية، وفي العاصمة الأميركية واشنطن حيث أمضت معظم حياتها المهنية. 

كقطع "البازل" تمكنت غوراني من تجميع حياتها ومسيرتها المهنية من خلال إجراء مقابلات مع عائلتها، وتدوين الملاحظات على مدى عقود، والتحدث إلى زملائها، والاعتماد على ذكرياتها، لكي تصل في النهاية إلى معرفة ذاتها، وفهم هويتها المركّبة، وما عانته طوال رحلتها الشخصية والمهنية، كمهاجرة، من تنميط مارسته هي نفسها مع نفسها، لمحاولة "النجاة"، وتحقيق الطموح والارتقاء في السلم الوظيفي. وحينما حققت غوراني ذاتها مهنياً، راحت عبر الكتاب تبحث عن تاريخها وهويتها وانتمائها. 

باستخدام ذكرياتها عن الماضي والسياسة تتنقل بين شبابها وحياتها المهنية، بين الوظائف والمناصب، والبلدان والمهمات، والأحداث الشخصية والمهنية، مما يساعدها على ترسيخ أقدامها في السعي لاكتشاف نفسها. تعرّج على الأماكن التي زارتها كمراسلة، وتجعل منها محطات في تماسها مع جذورها المشتتة حول العالم. تعود إلى حلب، موطن والديها الأصلي، وتشعر بجراح المدينة التي لم تندمل منذ العام 2011.

عن هذا الجرح تقول في مقابلة مع شبكة "سي أن أن" التي عملت فيها لسنوات طوال: "للأسف لم يلتئم الجرح فهو لا يزال موجوداً لأنه ما زال يجعلني اشعر بالعاطفة وكل التجارب السابقة التي مررت بها، سوريا، موت سوريا التي أعرفها لا يزال الشيء الذي يحزنني".

تحكي غوراني بأسلوب السيرة الذاتية، سيراً مختلفة لأمكنة وبلدان، وتغوص في سيرة النزوح والهجرة واضطراب الهويات: "أردت أن أروي هذه القصة العالمية للنزوح، للهجرة. كانت عائلتي عائلة عربية سورية تعيش في الغرب الأوسط الأميركي. في وقتٍ مبكرٍ جداً تدرك أن اسمك مختلف وتدرك أن والديك يتحدثان لغة أخرى ويأكلان طعاماً مختلفاً. وليس العرب الذين يعيشون في الولايات المتحدة هم فقط الذين يشعرون بهذه الطريقة يمكن أن يكونوا لاتينيين أو أشخاصاً من دين أو عرق مختلف، عندما تنتمي إلى أقلية كما كتبت في كتابي، فأنت تنتمي أحياناً إلى قبيلة مكونة من شخص واحد لإنك الطفل الوحيد من تلك الخلفية والوحيد الذي يختلف بلد والديه الأصلي تماماً عن المكان الذي انتهى بهما الأمر إلى الاستقرار فيه".

يبدو الكتاب كمحاولة لتصحيح تلك السيرة الذاتية التي أخضعتها غوراني لنوع من "التزوير الأبيض" بغرض تفادي التنميط وعدم خسارة فرص بسبب الممارسات العنصرية أو النبذ الاجتماعي. في الكتاب تفصح غوراني عن هويتها في معرض البحث عنها، لتكتشف أنها هوية مركّبة وغير مستقرة. هي الهوية التي تجمع ما بين عدم الإنتماء إلى أي بلد والانتماء في الوقت نفسه إلى مجموعة كبيرة من البلدان. ولهذا فإنها في نهاية كتابها تصل إلى خلاصة أن الوطن، هو في الحقيقة هذه التجربة كلها التي عاشتها ودوّنتها. الوطن يصير هو الكتاب.

غلاف الكتاب

على الغلاف الخلفي للكتاب، الصادر في فبراير من العام 2024، عن دار "هاتشيت" في نيويورك، مراجعة قصيرة كتبها الكوميدي المصري باسم يوسف، يقول فيها: "لكن لا يبدو عليكِ أنك عربية"، يمكن أن يكون "لا يبدو عليك أنك مسلمة، مسيحية، يهودية، أميركية.. هذا الكتاب يخاطب كل من شعر بالحاجة للظهور بشكل معين، أو ليتكيف مع وضع معين، أو التأقلم مع توقعات الآخرين عنه". ويضيف يوسف: "هذا الكتاب يجب أن يضاف إلى طلبات الهجرة التي نقدّمها".