وصلت دُنى غالي إلى الدنمارك عام 1992 رفقة عائلتها التي تركت مدينة البصرة، بعد التضييق الذي مارسه النظام العراق على والدها | تصوير: فنان عماد.
وصلت دُنى غالي إلى الدنمارك عام 1992 رفقة عائلتها التي تركت مدينة البصرة، بعد التضييق الذي مارسه النظام العراق على والدها | تصوير: فنان عماد.

من أكثر الرموز الرومانسية استخداما في تصوير المنفى، هي صورة الرجل الوحيد الذي يُجبر على العيش خارج حدود بلاده. بعيدا عن منزله، مسقط رأسه، يعيش وحيدا وربما يشعر بالمرارة بين الغرباء في أرض غريبة. لكن ماذا عن السيدات المنفيات؟

في عام 2017، التقيت مع الروائية العراقية دُنى غالي في معرض الكتاب العربي في مالمو لأول مرة. كنت أحد المنظمين، ومديرا للبرنامج الثقافي للمعرض، لذلك كنت مهتم جداً بالبحث عن أديبات وأدباء من الشرق الأوسط مقيمين في شمال أوروبا، لدعوتهم لحضور المعرض والمشاركة في النشاطات الثقافية. كنت أريد الوصول إلى أولئك الذين وصلوا قبلنا، في محاولة لإظهار الظروف المختلفة للمنفى. 

 ولدت دُنى غالي في البصرة عام ١٩٦٣، ووصلت إلى الدنمارك عام 1992، بعد رحلة طويلة برفقة عائلتها التي تركت منزلها في جنوب العراق، على أثر التضييق الذي مارسه النظام العراقي السابق على والدها حتى غادر عام 1979. 

نشرت دنى لحد الآن 12 عملا مكتوبا بالعربية. من بينها "شراع واقف في عين الهواء" (شعر)، و "بطنها المأوى" (رواية)، "عندما تستيقظ الرائحة" (رواية) و"منازل الوحشة" (رواية).. إلخ. وهي تكتب أيضًا باللغة الدنماركية، وتنشط في الترجمة الأدبية من الدنماركية إلى العربية.

  • ظهرت دنى غالي لأول مرة مع رواية النقطة الأبعد سنة 2000، بشكل مباشر، لماذا تأخرت في إنتاج الرواية الأولى؟ ما المشكلة؟ 

كان من المحتمل أن "أتأخر" أكثر بكثير، أو ألا أنتج شيئا تماما، لو لم يحدث أني غادرت العراق، ومن ثم استقريت في دولة اختلفت شروطها كلية. وضعتُ "أتأخر" بين مزدوجتين لأقول لا توقيت للكتابة من ناحية، قد يكتب الكاتب ولا يدفع للنشر، قد يكتب في سنواته المبكرة أو المتقدمة من العمر، ذلك يتبع مقدار ضغط الحاجة للكتابة بداخله. أقول بإيمان أننا نشرع بالكتابة حينما يكون الأمر ملّحا للحدّ الذي لا نستطيع العيش فيه من دون فعل ذلك.

من ناحية أخرى، المحيط الذي نشأت فيه، وهو محيط معارض للنظام آنذاك، قد أرسل إليّ ما يكفي من رسائله المعلنة والخفية حول استحالة ذلك، طالما أني أقيم هناك، في الداخل. نترك نقاش فيما لو كان ذلك عن حق أو باطل، ولنقلْ لم يمنعني أحد، ولكن لكي تكتب كل شيء يقتضي أن يتوفر لديك حدّ أدنى من الحرية، سياسيا واجتماعيا. ذلك الشرط الأساسي للكتابة كان معدوما.   

  • تمكنت دنى من الوصول إلى أرقى الصالونات الثقافية في الدنمارك. وبنت ببطء وبصبر رأس مال ثقافي واجتماعي قوي في المجتمع المضيف. لكن ما هي الصعوبات التي واجهتها في الدنمارك في البداية؟ هل كان كل شيء سهلا ومُتاحا؟

خيار الكتابة، والترجمة من ثم، ليس بالخيار السهل عموما. في هذا، أنا أقف على السواء مع زميلات وزملاء دنماركيين يتشاركون بالمعاناة ذاتها (الصور مهولة بالامتيازات التي يتمتع بها الكاتب في الغرب والدول الاسكندنافية تحديدا). بالطبع تتوفر امتيازات في دول دون أخرى، ولكن يبقى لطريق الثقافة والأدب مصاعبه. أقف اليوم على مسافة لأقول هذا، إذ ما كنا نراه في أولى السنوات يختلف بعض الشيء. الأدقّ ما لم أره جيدا بسبب الانشغالات الحياتية ومحاولة لبناء قاعدة من جديد، إلى جانب اكتشاف ما لدي، باللغتين، وهذا لم يتوقف حتى اللحظة، ولكنه كان لهاثا، رغم البطء والصبر الذي أشرتَ إليه.

هنالك فوضى غير مرئية أو ملموسة، شيء نحسّه ويصعب وصفه، منعٌ ما من الاستمتاع بالحياة والحلم، منع من قول ما نودّ قوله، أو نفعله، حالة دائمة من الإحساس بوجود "العائق" والرغبة في تجاوزه، من أجل أن نصل هدفا ما. هكذا تمرّ ومرّت السنوات. عدا ذلك، فقد اشترطتْ الصالونات الثقافية صدقا واجتهادا حقيقيين. الآن ولا أدري إن كان ذلك بفعل العمر، وكأن الأمور قد كفّت فجأة عن إقلاقي بالدرجة التي كانت عليها. 

  • لكن في أول لقطة مقرّبة على نتاج دنى الأدبي، ومن خلال إعادة بناء تسلسل الأحداث، تحاول دنى استدعاء العراق دائماً. العراق الذي يشغل مساحة مُحترمة من عملها، هل جزء من مسيرة الرواية لدى دنى أن يتم الكشف عن عمق المنفى طبقة تلو الأخرى، من خلال استدعاء العراق كل مرة؟ لماذا لا تعودين إلى العراق إذاً؟ 

 القصص تختارنا، وليس العكس. نكتب السطر الأول وببالنا رواية تأخذ شيئا فشيئا مسارات أخرى، لتنتهي برواية أخرى، تخالها كما لو كانت مكتوبة مسبّقا من دون علمنا، لا أثر لها أو إشارة إلا في السطر الأول الذي شرعنا بكتابته، محض مخاتلة لتتقدّم رواية على سواها من الروايات، أو هي رواية واحدة، في كل مرة تصعد شخوص وتظهر كواليس مختلفة عن التي سبقتها. وسواء كانت البصرة، بغداد، كوبنهاجن، أم مانشستر، فالكتابة مثل نهر جديد يفتح له في كل مرة مجرى جديد.

ولدتُ في العراق، وهو بلدي لصيقي، أعيشه عبر لغتي وأهلي وذاكرتي، كما أختار له صورا غير التي رأيتُها وتراها ونراها جميعا. اليوم يكتسح العالم برمته شيء خارج سيطرة تلك القوى التي أوهمتنا بمقدار ضبطها وتحكّمها بحياتنا، وفق مواثيق وتحالفات ومعاهدات- كنا ولا زلنا مؤمنين بها ولربما كانت هنالك أزمان أفضل من أخرى، ولكن، ها هي الحروب لم تتوقف كما ترى، على اختلاف الأسباب التي تقف من خلفها. ربما علينا أن نعتاد العيش مع الأزمات الكبرى من حين لحين، كما قيل. نشهد تغيرات مناخية هائلة، مجاعات وجفاف وأوبئة، تماما كالتي مرّ بها بشر من قبلنا. ذلك كله يجعل من المكان شيئا لا قيمة له، لقاء ما هو حقنا في الحياة: الحدّ الأدنى من الأمان، الذي يكاد يكون مفقودا.

  • في رواية "في بطنها المأوى" التي صدرت عام 2017، يبدو الأمر كما لو أن القصة استولت على دنى وأصبحت اللغة أكثر استقلالية، وقد توضح بعض مبادئ كانط التي يسميها كافيل تقريبًا اتجاه الهدف بدون اتجاه. لماذا لا تحاولين كتابة العادي فقط؟ حيث تكون القصة الشخصية غير شخصية بقدر ما هي مجتمعية.

اللغة هي التي تقترح، لِنَقْل أشكال التوصيل، بالطبع قدر الإمكان لما تتضمنه من إبهام وظلال، وقصور حتى بالكتابة عن موقف بحد ذاته والذي قد تتم قراءته بشكل مغاير. ولكن إن كان القصد من السؤال بشقِّه الثاني في سبب تعمّد اختيار قصص من الخيال، أو تبني شخصيات ليست من الواقع الذي ألفناه فذلك لأنها تستهدفنا أو تستهوينا أكثر من غيرها. هناك في تلك الشخصيات من الحيوية، الإثارة والأسرار ما يضعنا في امتحان أمامها، للتقرّب منها، أكاد أقول لتفاعلنا في الكتابة ولدمج إبداعنا بإبداعها، بغض النظر عن موقفنا منها، سواء كانت قبيحة أم جميلة، سوية أم مريضة. نحن أخيرا لا نخترع شخصيات بالمطلق، ولطالما قرأنا بدهشة عن شخصيات في الروايات وجدناها باللحظة التالية بالقرب منا، أو في الزاوية من الشارع الذي نسكن فيه.

  • أريد أن أسألك حول العلاقة بين المنفى واللغة: ما إذا كانت هناك لغة للخسارة. وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي تفعله هذه اللغة التي غالبًا ما يتم رفضها في هذه السياقات باعتبارها غير ذات صلة أو تافهة أو سريعة الزوال. كيف يمكن للمرء أن يكون فريدا، ولكن في نفس الوقت يكون جزءا من المجتمع المضيف؟ كيف توفق بين عالمك الداخلي والعالم الخارجي؟ كيف يمكن لنحلة الخيال العملاقة أن تنسجم مع خلية الواقع؟ 

اللغة لغة، منفصلة ومستقلة كما ذكرتَ، لا يملك حسابها الفشل ولا النجاح، لا الانتصار، ولا الهزيمة. ربما لا تملكها إلا طاقة الشِعْر وطاقة الحبّ. ولطالما كان العجز مضاعفا حيالها، لكونها عصية على الدوام كما قلت، ولكونها ليست اللغة الأم بالنسبة لي أيضا، وذلك ما يخلق الهوة الهائلة ما بين العوالم! قد تُردَم أحيانا، وقد يستحيل الأمر، أما لعدم وجود رغبة في داخل الكاتب بالتوفيق بين العالمين، أو لفشل المحاولات، ولكن أحيانا ذلك التوتر بحد ذاته هو ما يدفع بالإبداع ليجد لنا طريقا. وهذا السعي الدائم ومن دون نرجسية قد يكون هو ما يفترض الاختلاف فيما بيننا.      

  • كيف تواجهين العنصرية المتزايدة في شمال أوروبا؟ ما هو دورك ككاتبة، من الجيل الأول من المهاجرين "إذا صح التعبير"؟ 

لا أملك إلا أن أواصل الكتابة من جهة. ومن جهة أخرى أنا أملك أن أختار. أختار ما أجده قريبا لنفسي على سبيل المثال من أجل ترجمته. هناك من الجمال ما يكفي لنواجه به ما هو بغيض، أو على الأقل لننشغل به عن مشاهد العنف والقبح، ومظاهر النفاق والراديكالية المقيتة من حيث الهويات والدين التي تعكس عنصريتنا نحن أيضا. لنتأمل أنفسنا على سبيل المثال، قد يبدو ذلك للبعض قولا ساذجا وحالما ذات الوقت، ولكني أراه على درجة من الأهمية، أن نحتفظ لأنفسنا بما يشعرنا إننا أصحاب قرار، وإن كان في جزء صغير من حياتنا. لنفكّر فقط، نفكّر آخر اليوم بما نقوله، ما نعنيه، وما نقوم بتنفيذه فعليا. أن نقوم ورأسنا على الوسادة بمراجعات خفيفة لما يمكن أن يكون له دور في خلق عالم أجمل. لم أع إلى حقيقة دور كل واحد منا حيال ما يحدث في العالم كما أعيه اليوم. لنجرّبْ أن نقتنع بهذا.

  • العودة إلى تجربة "سرقة" اللغة التي ينطوي عليها المنفى. كطفل، فإن امتلاك المهارات اللغوية التي يفتقر إليها أحد الوالدين يخلق اختلالًا عنيفًا في العلاقة بين الأهل والأبناء في المهجر، عندما يتم تكليف الطفل بمهمة، كمترجم، يجعل الوالدين عاجزين عن الكلام، كيف تنظرين إلى علاقة المهاجرين (الجيل الأول و الجيل الثاني) مع بعضهم البعض؟ ما هي ملاحظاتك؟

أن تكون الحياة معلّقة، على أمل متابعتها لاحقا أمر كارثي. أن تجهل مصيرك وأنت تعبر البحر أو تجوب الصحاري وتتسلل عبر الحدود مخاطرا بحياتك رغم الأسلاك والكلاب. أن تعيش حالة انتظار دائم للظفر بأوراق إقامة مشروعة أو دائمة، ذلك ما يبعدك عن التفكير فيما يقتضيه الدور منك إن كنتَ أبا أو أمّا. الأطفال سيكونون الثمن الباهظ المدفوع لتلك المغامرات لنقل الاضطرارية في الحياة. وأن تطوي صفحة ماضيك في اللحظة التي تطأ فيها أرض المنفى هي خطوة شبه مستحيلة أيضا، وإن كانت وصفة ناجعة قد جرّبها البعض وأفلح ونجا من بعدها. بالإمكان الانتباه لذلك لتقريب المسافة ما بين الأجيال. وسأذكر شيئا زائدا وبائسا صرّح به الرئيس الفرنسي مؤخرا فحواه ان زمن الرخاء الذي كنا نعيشه حتى اليوم قد ذهب. 

  • كيف تتعاملين مع تعليقات من قبيل "أنت محظوظة جدًا، تعيشين في الدنمارك"، وتكتبين عن الحرب والأشياء التي تحدث في العراق. 

أنا بالفعل محظوظة وممتنّة، وقد أشكّك ذات الوقت في خياري بين الحين والحين، قد أضيق بالمكان الذي أنا فيه، ولكن قناعتي تبقى ثابتة هنا بخصوص إيماني فوق كل شيء بالأدب والفن، كونهما الوسيلة الوحيدة لتهذيب الروح والرفع من شأنها وإطعامها بما هو غني وصحي. الوحشية التي في العالم من التوغل والتغوّل التي لا يمكن وضع حدّ لضراوتها عبر شيء آخر كما الفن والأدب والموسيقى.

  • الدنمارك دولة "متقدمة"، تراعي الحقوق والحريات و المواقف، وتولي أهمية خاصة لموضوع المساواة، وتمكين المرأة. في حال كان لديك القدرة، على التأثير في بناء السياسات الثقافية في العراق، ما هو الشيء الذي تودين أو ترغبين في نقله إلى العراق من التجربة الدنماركية؟ شيء واحد فقط.

التربية، تحديدا ديمقراطية الأسرة. تأمّل تركتنا، رفض الموروث والتمرّد عليه. لا أعرف كيف، ولكن ولا شك للكلمة دور حاسم هنا أيضا.   

  • الغوص العميق في أسباب غياب حركة ترجمة من اللغة العربية إلى اللغات الأوربية، يسبب أحيانًا نقصًا في الأكسجين، هذا الأمر دفعني إلى سؤال دنى عن السبب من وجهة نظرها، هي المحسوبة على جيل المهاجرين الأوائل المشتغلين في صنعة الأدب. لماذا كل هذا التقصير؟ من المسؤول عن ضعف حركة الترجمة من اللغة العربية إلى اللغة الدنماركية مثلاً؟

لا أعرف تماما. أرى الكائنات في العالم تتحرك تجاه بعضها البعض، بدافع الفضول أو الصدفة أو الحاجة والمصلحة. سيحدث من دون شك. نحن نجتهد في البحث عن الأسباب ولا نصل إلى نتيجة. يقال دعم المؤسسات الثقافية العربية للترجمة شبه معدوم. يقال الرواية العربية لازالت غير ناضجة بعد. يقال فارق الثقافات لا يضمن دهشة الاختلاف في الجانب الأدبي، وذلك له علاقة صرفة بالذائقة.
 

 

مواضيع ذات صلة:

Models are dressed in traditional Iraqi costumes during a fashion show at the Iraqi National Museum during the holy month of…
من عرض أزياء للملابس العراقية التقليدية في المتحف الوطني في بغداد- تعبيرية

"يكاد يكون (كتاب ألف ليلة وليلة) عَلَماً ثانياً على بغداد، لأن آثار حضارتها المادية ألح عليها طغيان الدهر حتى محاها، أما هي في هذا الكتاب فلا يزال سناها باهياً لم يخُب وصداها مدوياً لم ينقطع"، يكتب أحمد حسن الزيّات في كتابه "في أصول الأدب"، الذي أفرد فيه فصلاً كاملاً للحديث عن تاريخ الحكايات العربية التي جمعت في كتابٍ اشتهر بِاسم "ألف ليلة وليلة".

يرى الزيّات أن لهذه الحكايات فضل كبير على بغداد بعدما حفظت للتاريخ حضارتها الغابرة وخلّدتها بين الناس كـ"متحف للأعاجيب" مؤدية في ذلك دوراً مناظراً لما فعلته النقوش التي خلّفها الفراعنة على جدران معابدهم ومقابرهم.

ورغم أن أحداث القصص تدور في كثير من مدن العراق مثل البصرة والموصل والأنبار وواسط إلا أن بغداد استأثرت بالاهتمام الأكبر باعتبارها مدينة مركزية للسياسة والعلم والمعرفة والترف، كما يقول محمد عبدالرحمن يونس في بحثه "القاهرة في حكايات ألف ليلة وليلة".

بحسب يونس فإن الحكايات منحت بغداد أفضلية على مدن عربية كبيرة أخرى كالقاهرة ودمشق ليس فقط من حيث عدد الحكايات وإنما على مستويات عديدة مثل تعدد القصص وتشعّب الملامح الاجتماعية والسياسية والثقافية للمدينة وقتها بسبب قُدرة بغداد المنفتحة حضارياً على استيعاب الجنسيات المختلفة.

وفقاً للكتاب فإن بغداد امتلكت سوراً عظيماً كان يُغلق عند الغروب مخافة تسلل الأعداء إليها ليلاً، وحفلت دروبها وأسواقها بمغامرات كبار التجار بيعاً وشراءً، وكثيراً ما شهدت الجولات السرية للخليفة العباسي هارون الرشيد لرصد أحوال الرعية.

بشكلٍ غير مباشر انتقدت حكايات "ألف ليلة وليلة" بشدة حالة الطبقية التي تردّى إليها المجتمع البغدادي والذي انقسم إلى "سباع تفترس كل شيء؛ المال والنساء وأموال الخراج وإلى كلاب مذعورة لا يحقُّ لها الاقتراب من مكامن السباع المفترسة"، وفقاً لما أورده دكتور محمد يونس في دراسته "ملامح شخصيّة الخليفة هارون الرشيد في حكايا ألف ليلة وليلة".

فيروز وأم كلثوم
بغداد في الأغاني.. أم كلثوم وفيروز وعبد الوهاب وكاظم الساهر وآخرون
من جيل المغنين والمغنيات الجدد، أطلقت الفنانة الأردنية ديانا كرزون في العام 2016 أغنية بعنوان "ودّيني على بغداد/ روحي مشتاقة لبغداد" من كلمات أحمد هندي وألحان علي بدر، وقد حصدت ملايين المشاهدات عبر موقع "يوتيوب". كما غنت الفنانة السورية فايا يونان في العام 2018 قصيدة للشاعر اللبناني زاهي وهبي وألحان حازم شاهين مطلعها "بغداد بين النهرين كتبها الله قصيدة/ بغداد بين الشفتين تعويذة عذراء".

أشهر قصص بغداد

يروي أنس داود في كتابه "الأسطورة في الشعر العربي الحديث" أن شوارع بغداد شهدت العديد من حكايات "ألف ليلة وليلة" مثل قصة علاء الدين التاجر الثري الذي سافر من مصر إلى بغداد وهاجمه الأعراب في الطريق ونهبوا تجارته فخسر كل أمواله لكنه ينجح في الوصول إلى بغداد ويلتقي بالمغنيّة "زبيدة العوديّة" التي يتزوجها. ذات ليل يمرَّ هارون الرشيد متنكراً في زي الدراويش بمنزلها ويستمع إلى قصة التاجر فيأمر بمساعدته وإنقاذه من محنته.

أيضاً عرفت بغداد قصة سندباد الذي خاض العديد من المغامرات البحرية ثم بنى لنفسه داراً فسيحة في بغداد كانت مليئة بالجواري والعبيد وأقام مجالساً يروي فيها طرائف رحلاته، وغير ذلك من الحكايات التي كشفت كثيراً من جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية داخل عاصمة العباسيين في ذلك الوقت.

وفي هذا السياق، تقول سهير القلماوي في كتابها "ألف ليلة وليلة"، إن هناك حكايات أخرى حملت تأثيراً بابلياً مثل قصة بلوقيا وقصة مدينة النحاس وقصة عبدالله بن فاضل وإخواته، وتتابع أن بعض القصص التي دارت حول الخلفاء وبلاطهم منحتنا صورة اجتماعية مميزة عن حجم الثراء والبذخ الذي تنعّموا فيه في ذلك الوقت.

 

هارون وزبيدة

لعب معظم الخلفاء العباسيون دوراً هامشياً في أغلب الحكايات العربية مثلما جرى مع المستنصر بالله بن المرتضى والمنتصر والمستعين، باستثناء الخليفة هارون الرشيد الذي نال أهمية كبيرة في هذا الكتاب بعدما تركّزت عدة حكايات عليه وعلى بلاطه، وربما كان لذيوع هذه الحكايات دوراً أساسياً في الشهرة الكبيرة التي نالها الرشيد في العصور الحالية شرقاً وغرباً.

تعتبر القلماوي، أن قصص هارون الرشيد وطريقته في التعامل مع الحكم مثّلت ركناً أساسياً من حصة بغداد من الحكايات.

قدّم الكتاب الرشيد باعتباره شخصية ذات هالة أسطورية فرضت قبضة من حديد على دولته مترامية الأطراف، فكان يكفي ذِكر اسمه ليرتعد الولاة والعمّال والجُباه حتى ولو كانوا في الأصقاع البعيدة عن بغداد، حسبما يذكر يونس في بحثه.

أسطرة الليالي العربية لشخصية هارون قدمته بأشكالٍ متعددة تناقضت مع صورته الورعة التي قدّمتها كتب التاريخ التقليدية كرجل "يصلي كل يومٍ وليلة مئة ركعة"؛ فهو، بحسب "ألف ليلة وليلة" شخص طائش غاضب يتوعّد خولي بستانه الشيخ إبراهيم بالصلب إن لم تحسن جاريته الغناء، وهو نهم في شرب الخمر حتى أنه كان يتورط في القسم على أمور يندم عليها حينما يفيق من حالة السُكر ويحتاج إلى فتوى "مصطنعة" لتبرّأته منها.

وفق "ألف ليلة وليلة" فإن الرشيد كان حريصاً في أوقاتٍ كثيرة على التأكيد على شرف نسبه فكان يقسم قائلاً "وحق اتصال نسبي بالخلفاء من بني العبّاس"، وأنه كان يعامل وزيره جعفر البرمكي باحتقار غير مبرّر حتى أنه كان يخاطبه من وقتٍ لآخر بـ"كلب الوزراء"، وكان يتوعّده بالصلب لو لم يُنفذ تعليماته كما يجب.

في المقابل قدّمته حكايات أخرى كشخصٍ مغامر يقوم بجولات ليلية متنكراً بصحبة الوزير جعفر أو معاونه مسرور السيّاف ليتفقد أحوال الرعية ويرصد تصرفاتهم، وفي الصباح كان يغدق العطاء للصالحين منهم ويأمر بمعاقبة المجرمين، وفي حكاية أبي الشامات أظهر الرشيد إعجاباً بالموسيقى فهو يطلب الاستماع إلى وصلة غناء حتى "يحصل لنا انتعاش، فإن السماع لقومٍ كالغذاء ولقوم كالدواء"، حسبما ذكرت القصة على لسان الرشيد.

بحسب الحكايات فإن الرشيد ظهر عاشقاً للنساء وامتلك آلاف الجواري الحِسان أشهرهن الجارية "دنانير" التي أشعلت خلافاً كبيراً بينه وبين زوجته  زبيدة التي كان يكنّ لها الخليفة العباسي لها محبّة كبيرة أيضاً ومنحها مكانة كبيرة في دولته.

المساحة الكبيرة التي نالها هارون الرشيد حتّمت أن تظهر زوجته زبيدة في أكثر من موضع كأهم امرأة في السُلطة العباسية، وكنموذج نسائي موازٍ للرشيد فهي أيضاً تملك الجواري والعبيد والقصور وصلاحيات كبيرة تخوّل لها إصدار الأوامر لتُنفذ دون مناقشة من جميع مسؤولي الدولة، فكان يعرّفها مسرور السياف بـ"زوجة أمير المؤمنين عم النبي"، وكان على الجميع "تقبيل الأرض فور رؤيتها" إجلالاً لمكانتها.

في حكاية "هارون الرشيد مع محمد بن علي الجوهري"، تستدعي زبيدة تاجراً ثرياً يقيم في بغداد ولما حاول التملُّص من الدعوة تلقى تهديداً مبطّناً من خادمتها "يا سيدي لا تجعل السيدة زبيدة تغضب عليك وتبقى عدوتك، قُم كلّمها". في الحكاية خاف الجوهري من غضب زبيدة وما قد يجلبه عليه من نفي خارج بغداد أو مصادرة أمواله.

ومن خلال قصة أخرى يمكن تبيّن مدى غيرتها من تعلّق هارون بإحدى جواريه وتُدعى "قوت القلوب"، فتدبّر محاولة فاشلة لقتلها.