وصلت دُنى غالي إلى الدنمارك عام 1992 رفقة عائلتها التي تركت مدينة البصرة، بعد التضييق الذي مارسه النظام العراق على والدها | تصوير: فنان عماد.
وصلت دُنى غالي إلى الدنمارك عام 1992 رفقة عائلتها التي تركت مدينة البصرة، بعد التضييق الذي مارسه النظام العراق على والدها | تصوير: فنان عماد.

من أكثر الرموز الرومانسية استخداما في تصوير المنفى، هي صورة الرجل الوحيد الذي يُجبر على العيش خارج حدود بلاده. بعيدا عن منزله، مسقط رأسه، يعيش وحيدا وربما يشعر بالمرارة بين الغرباء في أرض غريبة. لكن ماذا عن السيدات المنفيات؟

في عام 2017، التقيت مع الروائية العراقية دُنى غالي في معرض الكتاب العربي في مالمو لأول مرة. كنت أحد المنظمين، ومديرا للبرنامج الثقافي للمعرض، لذلك كنت مهتم جداً بالبحث عن أديبات وأدباء من الشرق الأوسط مقيمين في شمال أوروبا، لدعوتهم لحضور المعرض والمشاركة في النشاطات الثقافية. كنت أريد الوصول إلى أولئك الذين وصلوا قبلنا، في محاولة لإظهار الظروف المختلفة للمنفى. 

 ولدت دُنى غالي في البصرة عام ١٩٦٣، ووصلت إلى الدنمارك عام 1992، بعد رحلة طويلة برفقة عائلتها التي تركت منزلها في جنوب العراق، على أثر التضييق الذي مارسه النظام العراقي السابق على والدها حتى غادر عام 1979. 

نشرت دنى لحد الآن 12 عملا مكتوبا بالعربية. من بينها "شراع واقف في عين الهواء" (شعر)، و "بطنها المأوى" (رواية)، "عندما تستيقظ الرائحة" (رواية) و"منازل الوحشة" (رواية).. إلخ. وهي تكتب أيضًا باللغة الدنماركية، وتنشط في الترجمة الأدبية من الدنماركية إلى العربية.

  • ظهرت دنى غالي لأول مرة مع رواية النقطة الأبعد سنة 2000، بشكل مباشر، لماذا تأخرت في إنتاج الرواية الأولى؟ ما المشكلة؟ 

كان من المحتمل أن "أتأخر" أكثر بكثير، أو ألا أنتج شيئا تماما، لو لم يحدث أني غادرت العراق، ومن ثم استقريت في دولة اختلفت شروطها كلية. وضعتُ "أتأخر" بين مزدوجتين لأقول لا توقيت للكتابة من ناحية، قد يكتب الكاتب ولا يدفع للنشر، قد يكتب في سنواته المبكرة أو المتقدمة من العمر، ذلك يتبع مقدار ضغط الحاجة للكتابة بداخله. أقول بإيمان أننا نشرع بالكتابة حينما يكون الأمر ملّحا للحدّ الذي لا نستطيع العيش فيه من دون فعل ذلك.

من ناحية أخرى، المحيط الذي نشأت فيه، وهو محيط معارض للنظام آنذاك، قد أرسل إليّ ما يكفي من رسائله المعلنة والخفية حول استحالة ذلك، طالما أني أقيم هناك، في الداخل. نترك نقاش فيما لو كان ذلك عن حق أو باطل، ولنقلْ لم يمنعني أحد، ولكن لكي تكتب كل شيء يقتضي أن يتوفر لديك حدّ أدنى من الحرية، سياسيا واجتماعيا. ذلك الشرط الأساسي للكتابة كان معدوما.   

  • تمكنت دنى من الوصول إلى أرقى الصالونات الثقافية في الدنمارك. وبنت ببطء وبصبر رأس مال ثقافي واجتماعي قوي في المجتمع المضيف. لكن ما هي الصعوبات التي واجهتها في الدنمارك في البداية؟ هل كان كل شيء سهلا ومُتاحا؟

خيار الكتابة، والترجمة من ثم، ليس بالخيار السهل عموما. في هذا، أنا أقف على السواء مع زميلات وزملاء دنماركيين يتشاركون بالمعاناة ذاتها (الصور مهولة بالامتيازات التي يتمتع بها الكاتب في الغرب والدول الاسكندنافية تحديدا). بالطبع تتوفر امتيازات في دول دون أخرى، ولكن يبقى لطريق الثقافة والأدب مصاعبه. أقف اليوم على مسافة لأقول هذا، إذ ما كنا نراه في أولى السنوات يختلف بعض الشيء. الأدقّ ما لم أره جيدا بسبب الانشغالات الحياتية ومحاولة لبناء قاعدة من جديد، إلى جانب اكتشاف ما لدي، باللغتين، وهذا لم يتوقف حتى اللحظة، ولكنه كان لهاثا، رغم البطء والصبر الذي أشرتَ إليه.

هنالك فوضى غير مرئية أو ملموسة، شيء نحسّه ويصعب وصفه، منعٌ ما من الاستمتاع بالحياة والحلم، منع من قول ما نودّ قوله، أو نفعله، حالة دائمة من الإحساس بوجود "العائق" والرغبة في تجاوزه، من أجل أن نصل هدفا ما. هكذا تمرّ ومرّت السنوات. عدا ذلك، فقد اشترطتْ الصالونات الثقافية صدقا واجتهادا حقيقيين. الآن ولا أدري إن كان ذلك بفعل العمر، وكأن الأمور قد كفّت فجأة عن إقلاقي بالدرجة التي كانت عليها. 

  • لكن في أول لقطة مقرّبة على نتاج دنى الأدبي، ومن خلال إعادة بناء تسلسل الأحداث، تحاول دنى استدعاء العراق دائماً. العراق الذي يشغل مساحة مُحترمة من عملها، هل جزء من مسيرة الرواية لدى دنى أن يتم الكشف عن عمق المنفى طبقة تلو الأخرى، من خلال استدعاء العراق كل مرة؟ لماذا لا تعودين إلى العراق إذاً؟ 

 القصص تختارنا، وليس العكس. نكتب السطر الأول وببالنا رواية تأخذ شيئا فشيئا مسارات أخرى، لتنتهي برواية أخرى، تخالها كما لو كانت مكتوبة مسبّقا من دون علمنا، لا أثر لها أو إشارة إلا في السطر الأول الذي شرعنا بكتابته، محض مخاتلة لتتقدّم رواية على سواها من الروايات، أو هي رواية واحدة، في كل مرة تصعد شخوص وتظهر كواليس مختلفة عن التي سبقتها. وسواء كانت البصرة، بغداد، كوبنهاجن، أم مانشستر، فالكتابة مثل نهر جديد يفتح له في كل مرة مجرى جديد.

ولدتُ في العراق، وهو بلدي لصيقي، أعيشه عبر لغتي وأهلي وذاكرتي، كما أختار له صورا غير التي رأيتُها وتراها ونراها جميعا. اليوم يكتسح العالم برمته شيء خارج سيطرة تلك القوى التي أوهمتنا بمقدار ضبطها وتحكّمها بحياتنا، وفق مواثيق وتحالفات ومعاهدات- كنا ولا زلنا مؤمنين بها ولربما كانت هنالك أزمان أفضل من أخرى، ولكن، ها هي الحروب لم تتوقف كما ترى، على اختلاف الأسباب التي تقف من خلفها. ربما علينا أن نعتاد العيش مع الأزمات الكبرى من حين لحين، كما قيل. نشهد تغيرات مناخية هائلة، مجاعات وجفاف وأوبئة، تماما كالتي مرّ بها بشر من قبلنا. ذلك كله يجعل من المكان شيئا لا قيمة له، لقاء ما هو حقنا في الحياة: الحدّ الأدنى من الأمان، الذي يكاد يكون مفقودا.

  • في رواية "في بطنها المأوى" التي صدرت عام 2017، يبدو الأمر كما لو أن القصة استولت على دنى وأصبحت اللغة أكثر استقلالية، وقد توضح بعض مبادئ كانط التي يسميها كافيل تقريبًا اتجاه الهدف بدون اتجاه. لماذا لا تحاولين كتابة العادي فقط؟ حيث تكون القصة الشخصية غير شخصية بقدر ما هي مجتمعية.

اللغة هي التي تقترح، لِنَقْل أشكال التوصيل، بالطبع قدر الإمكان لما تتضمنه من إبهام وظلال، وقصور حتى بالكتابة عن موقف بحد ذاته والذي قد تتم قراءته بشكل مغاير. ولكن إن كان القصد من السؤال بشقِّه الثاني في سبب تعمّد اختيار قصص من الخيال، أو تبني شخصيات ليست من الواقع الذي ألفناه فذلك لأنها تستهدفنا أو تستهوينا أكثر من غيرها. هناك في تلك الشخصيات من الحيوية، الإثارة والأسرار ما يضعنا في امتحان أمامها، للتقرّب منها، أكاد أقول لتفاعلنا في الكتابة ولدمج إبداعنا بإبداعها، بغض النظر عن موقفنا منها، سواء كانت قبيحة أم جميلة، سوية أم مريضة. نحن أخيرا لا نخترع شخصيات بالمطلق، ولطالما قرأنا بدهشة عن شخصيات في الروايات وجدناها باللحظة التالية بالقرب منا، أو في الزاوية من الشارع الذي نسكن فيه.

  • أريد أن أسألك حول العلاقة بين المنفى واللغة: ما إذا كانت هناك لغة للخسارة. وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي تفعله هذه اللغة التي غالبًا ما يتم رفضها في هذه السياقات باعتبارها غير ذات صلة أو تافهة أو سريعة الزوال. كيف يمكن للمرء أن يكون فريدا، ولكن في نفس الوقت يكون جزءا من المجتمع المضيف؟ كيف توفق بين عالمك الداخلي والعالم الخارجي؟ كيف يمكن لنحلة الخيال العملاقة أن تنسجم مع خلية الواقع؟ 

اللغة لغة، منفصلة ومستقلة كما ذكرتَ، لا يملك حسابها الفشل ولا النجاح، لا الانتصار، ولا الهزيمة. ربما لا تملكها إلا طاقة الشِعْر وطاقة الحبّ. ولطالما كان العجز مضاعفا حيالها، لكونها عصية على الدوام كما قلت، ولكونها ليست اللغة الأم بالنسبة لي أيضا، وذلك ما يخلق الهوة الهائلة ما بين العوالم! قد تُردَم أحيانا، وقد يستحيل الأمر، أما لعدم وجود رغبة في داخل الكاتب بالتوفيق بين العالمين، أو لفشل المحاولات، ولكن أحيانا ذلك التوتر بحد ذاته هو ما يدفع بالإبداع ليجد لنا طريقا. وهذا السعي الدائم ومن دون نرجسية قد يكون هو ما يفترض الاختلاف فيما بيننا.      

  • كيف تواجهين العنصرية المتزايدة في شمال أوروبا؟ ما هو دورك ككاتبة، من الجيل الأول من المهاجرين "إذا صح التعبير"؟ 

لا أملك إلا أن أواصل الكتابة من جهة. ومن جهة أخرى أنا أملك أن أختار. أختار ما أجده قريبا لنفسي على سبيل المثال من أجل ترجمته. هناك من الجمال ما يكفي لنواجه به ما هو بغيض، أو على الأقل لننشغل به عن مشاهد العنف والقبح، ومظاهر النفاق والراديكالية المقيتة من حيث الهويات والدين التي تعكس عنصريتنا نحن أيضا. لنتأمل أنفسنا على سبيل المثال، قد يبدو ذلك للبعض قولا ساذجا وحالما ذات الوقت، ولكني أراه على درجة من الأهمية، أن نحتفظ لأنفسنا بما يشعرنا إننا أصحاب قرار، وإن كان في جزء صغير من حياتنا. لنفكّر فقط، نفكّر آخر اليوم بما نقوله، ما نعنيه، وما نقوم بتنفيذه فعليا. أن نقوم ورأسنا على الوسادة بمراجعات خفيفة لما يمكن أن يكون له دور في خلق عالم أجمل. لم أع إلى حقيقة دور كل واحد منا حيال ما يحدث في العالم كما أعيه اليوم. لنجرّبْ أن نقتنع بهذا.

  • العودة إلى تجربة "سرقة" اللغة التي ينطوي عليها المنفى. كطفل، فإن امتلاك المهارات اللغوية التي يفتقر إليها أحد الوالدين يخلق اختلالًا عنيفًا في العلاقة بين الأهل والأبناء في المهجر، عندما يتم تكليف الطفل بمهمة، كمترجم، يجعل الوالدين عاجزين عن الكلام، كيف تنظرين إلى علاقة المهاجرين (الجيل الأول و الجيل الثاني) مع بعضهم البعض؟ ما هي ملاحظاتك؟

أن تكون الحياة معلّقة، على أمل متابعتها لاحقا أمر كارثي. أن تجهل مصيرك وأنت تعبر البحر أو تجوب الصحاري وتتسلل عبر الحدود مخاطرا بحياتك رغم الأسلاك والكلاب. أن تعيش حالة انتظار دائم للظفر بأوراق إقامة مشروعة أو دائمة، ذلك ما يبعدك عن التفكير فيما يقتضيه الدور منك إن كنتَ أبا أو أمّا. الأطفال سيكونون الثمن الباهظ المدفوع لتلك المغامرات لنقل الاضطرارية في الحياة. وأن تطوي صفحة ماضيك في اللحظة التي تطأ فيها أرض المنفى هي خطوة شبه مستحيلة أيضا، وإن كانت وصفة ناجعة قد جرّبها البعض وأفلح ونجا من بعدها. بالإمكان الانتباه لذلك لتقريب المسافة ما بين الأجيال. وسأذكر شيئا زائدا وبائسا صرّح به الرئيس الفرنسي مؤخرا فحواه ان زمن الرخاء الذي كنا نعيشه حتى اليوم قد ذهب. 

  • كيف تتعاملين مع تعليقات من قبيل "أنت محظوظة جدًا، تعيشين في الدنمارك"، وتكتبين عن الحرب والأشياء التي تحدث في العراق. 

أنا بالفعل محظوظة وممتنّة، وقد أشكّك ذات الوقت في خياري بين الحين والحين، قد أضيق بالمكان الذي أنا فيه، ولكن قناعتي تبقى ثابتة هنا بخصوص إيماني فوق كل شيء بالأدب والفن، كونهما الوسيلة الوحيدة لتهذيب الروح والرفع من شأنها وإطعامها بما هو غني وصحي. الوحشية التي في العالم من التوغل والتغوّل التي لا يمكن وضع حدّ لضراوتها عبر شيء آخر كما الفن والأدب والموسيقى.

  • الدنمارك دولة "متقدمة"، تراعي الحقوق والحريات و المواقف، وتولي أهمية خاصة لموضوع المساواة، وتمكين المرأة. في حال كان لديك القدرة، على التأثير في بناء السياسات الثقافية في العراق، ما هو الشيء الذي تودين أو ترغبين في نقله إلى العراق من التجربة الدنماركية؟ شيء واحد فقط.

التربية، تحديدا ديمقراطية الأسرة. تأمّل تركتنا، رفض الموروث والتمرّد عليه. لا أعرف كيف، ولكن ولا شك للكلمة دور حاسم هنا أيضا.   

  • الغوص العميق في أسباب غياب حركة ترجمة من اللغة العربية إلى اللغات الأوربية، يسبب أحيانًا نقصًا في الأكسجين، هذا الأمر دفعني إلى سؤال دنى عن السبب من وجهة نظرها، هي المحسوبة على جيل المهاجرين الأوائل المشتغلين في صنعة الأدب. لماذا كل هذا التقصير؟ من المسؤول عن ضعف حركة الترجمة من اللغة العربية إلى اللغة الدنماركية مثلاً؟

لا أعرف تماما. أرى الكائنات في العالم تتحرك تجاه بعضها البعض، بدافع الفضول أو الصدفة أو الحاجة والمصلحة. سيحدث من دون شك. نحن نجتهد في البحث عن الأسباب ولا نصل إلى نتيجة. يقال دعم المؤسسات الثقافية العربية للترجمة شبه معدوم. يقال الرواية العربية لازالت غير ناضجة بعد. يقال فارق الثقافات لا يضمن دهشة الاختلاف في الجانب الأدبي، وذلك له علاقة صرفة بالذائقة.
 

 

مواضيع ذات صلة:

من احتفالات رمضان في العاصمة المصرية القاهرة- تعبيرية
من احتفالات رمضان في العاصمة المصرية القاهرة- تعبيرية

قبل حوالي 81 عاماً، غنّى الفنان المصري محمد عبد المطّلب أغنيته الشهيرة "رمضان جانا"، لتصبح جزءاً من مشهدية شهر رمضان منذ ذلك الحين حتى الآن في مختلف الدول العربية.

لشدّة شهرة الأغنية التي ألفها حسين طنطاوي ولحنّها محمود الشريف، قال مغنّيها "لو أنني أخذت جنيهاً واحداً مقابل كل مرة تُذاع فيها الأغنية لأصبحتُ مليونيراً".

زاد إدراج هذه الأغنية في مسرحية "العيال كبرت" التي عرضت عام 1979 من شهرتها، بعد أن غنّاها في المسرحية كل من أحمد زكي وسعيد صالح ويونس شلبي ونادية شكري لوالدهم رمضان السكّري (لعب دوره الفنان حسن مصطفى)، ولا يزال هذا المقطع من المسرحية يتردد على مواقع التواصل الاجتماعي ويلقى تفاعلاً حتى أيامنا هذه.

كانت مصر بفعل موقعها الرائد في السينما والمسرح والغناء، ولا تزال كذلك ولكن بنسبة أقلّ حتى اليوم، ترفد الدول العربية بأغنيات تجتمع عليها الكثير من الشعوب الناطقة بالعربية، فكيف الحال إذا كانت المناسبة شهر الصوم الذي يحتفي به المسلمون العرب كل عام؟

من الأغاني الأخرى التي خرجت من مصر وباتت تُغنّى وتذاع في دول عربية "وحوي وحوي... إيّاحة"، وهي أغنية لحُنها فولكرولي من كلمات حسين حلمي المانسترلي وغناء أحمد عبد القادر، بالإضافة لأغنية "هاتوا الفوانيس يا اولاد" الموجهة للأطفال، وغناها محمد فوزي.

 

كما لحّن سيد مكاوي من كلمات الشاعر فؤاد حدّاد سلسلة أغنيات لعب فيها الأول دور المسحّراتي. وأيضاً غنّت الفنانة اللبنانية صباح في أحد أفلامها المصرية مع فؤاد المهندس دويتو غنائي من ألحان محمد الموجي وكلمات الشاعر الغنائي الشهير حسين السيد، وفيه غنت صباح "الراجل ده هايجنني.. ييجي رمضان وخْناقُه يزيد.. عايز طباخّة سكة حديد"، فيرد المهندس "يا خواتي صايم وراجل شقيان، ومراتي عايزة تجوعني حتى في رمضان".

وتعتبر هذه من الحوارات الغنائية النادرة التي تتناول تأثير الصيام على طباع الناس.

في لبنان، يعتبر الفنان أحمد قعبور أحد أبرز الفنانين الذين خصصوا في أغانيهم مساحة لرمضان وطقوسه، كما كتب لحّن أغنيات مسلسل رمضاني شهير في لبنان في فترة التسعينيات بعنوان "حلونجي يا اسماعيل".

وكتب ولحّن أغنية قعبور "علّوا البيارق"، التي غناها أطفال دار الأيتام الإسلامية في بيروت قبل ما يزيد على ثلاثين عاماً. وظلّت الأغنية تستعاد من اللبنانيين طوال ثلاثة عقود في كل رمضان.

من كلماتها "يا نايم وحّد الدايم يا نايم وحّد الله/ مرحبا يا مسحِّر يا مرحبا/ المدينة عَصَوْتَك عم بتشرّع أبوابها/ وعّي أهالينا/ ضوي ليالينا..".

وفي العراق، تشترك بعض مناطقه، خصوصاً مدينة البصرة، مع دول خليجية في إحياء طقوس رمضانية يطلق عليها اسم "القرقيعان"، وهي معروفة بهذا الاسم في الكويت والسعودية وجنوب العراق، بينما تعرف في بغداد بـ"ماجينا".

خلالها يقوم الأطفال بترديد أغنية "ماجينا يا ماجينا حلّي الچيس وانطينا/ تنطونا لو ننطيكم/ بيت مكة نوديكم/ رب العالي يخليكم/ تعطونا كل ماجينا/ ما جينه.. ياما جينه"، في أزقة وأحياء بغداد القديمة.

يقول الباحث في تراث وفلكلور الشعوب وهاب شريف في مقابلة مع "ارفع صوتك"، إن "أصل كلمة الماجينا هي (لولاك ما جئنا) وكان يرددها الفقراء والأيتام بمناسبة ولادة الإمام الحسن التي تصادف ليلة النصف من رمضان، ومن هنا جاء الاحتفال بهذه الليلة".

وهناك رواية أخرى عن "الماجينا"، مفادها أن "سيده بغدادية يهودية اسمها (ريجنا) كانت تحسن للأطفال والناس وتشاركهم أفراحهم ومسراتهم، وكان الأطفال يقفون عند باب بيتها".

هذه الأغنية ترتبط بطقس شعبي متوارث، لكن هناك غيرها الكثير من الأغنيات التي غناها فنانون عراقيون لرمضان، أنتجت بمناسبة "الشهر الفضيل" حديثاً، بينها أغنية لحاتم العراقي تقول كلماتها "هل هلالك يا رمضان/ شهر التوبة والغفران/ يا رب اقبل مني صيامي/ شهر الطاعة يا رحمن".

وأعادت الفنانة العراقية رحمة رياض غناء "مرحب مرحب يا هلال" بصوتها، وهي أغنية أنتجت كجزء من حملة إعلانية لمؤسسة إعلامية سعودية، ونالت شهرة واسعة في الخليج وفي العالم العربي في نسختها الأولى عام 2016 ولا تزال تلقى نجاحاً جماهيرياً مرتبطاً برمضان إلى الآن.