كان مسلسلا "يوسف الصديق" و"عمر" من أكثر الإنتاجات متابعة وإثارة للجدل في السنوات الأخيرة.
كان مسلسلا "يوسف الصديق" و"عمر" من أكثر الإنتاجات متابعة وإثارة للجدل في السنوات الأخيرة.

تعود فكرة تجسيد الأنبياء والشخصيات المقدسة بشكل درامي لفترة مبكرة من عمر الصناعة السينمائية في البلاد العربية. في سنة 1926م، عُرض على الممثل المصري يوسف بك وهبي تمثيل شخصية النبي محمد من قِبل شركة إنتاج ألمانية-تركية. وافق وهبي في البداية. وانتشر الخبر في الصحف ليخرج بعدها الأزهر ويهاجم مشروع الفيلم.

يذكر وهبي في مذكراته أنه اعتذر عن بطولة العمل بعدما تلقى تهديداً من الملك فؤاد ملك مصر بالنفي والحرمان من الجنسية المصرية. وقعت تلك الأحداث بعد سنتين فحسب من سقوط الخلافة العثمانية. كان الملك فؤاد وقتها يسعى للحصول على لقب الخليفة. وكان من المهم أن يظهر في صورة المدافع عن الإسلام والنبي ضد أي تشويه محتمل.

بقيت الأفكار الخاصة بتجسيد الأنبياء درامياً بعيدة عن أي تنفيذ حقيقي على أرض الواقع بسبب القيود التي فرضتها المؤسسات الدينية الرسمية في العالم السني. اختلف الوضع في الأوساط الشيعية، فقد أفتى المرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني مثلا بجواز تجسيد الأنبياء على الشاشة بشرط مراعاة "مستلزمات التعظيم والتبجيل"، وعدم اشتماله "على ما يسيء إلى صورهم المقدسة في النفوس".

في إيران، استثمر صنّاع الدراما فتاوى جواز تجسيد الأنبياء التي أصدرها العديد من الفقهاء، فقدموا مسلسل "مريم المقدسة" سنة 1997م، ومسلسل "يوسف الصديق" سنة 2008م، وفيلم "مملكة سليمان" سنة 2009م. لاقت تلك الأعمال انتشاراً كبيراً في إيران وفي أغلبية الدول العربية. أقدمت إيران على خطوة غير مسبوقة سنة 2015م عندما أنتجت فيلم "محمد رسول الله" من إخراج مجيد مجيدي. تناول الفيلم الفترة المبكرة من حياة النبي محمد. وكان من المُخطط أن يكون الجزء الأول من ثلاثية تتناول السيرة النبوية بشكل تفصيلي. مما يجدر ملاحظته على هذا الفيلم أن التنافس الإيراني- السعودي ألقى بظلاله على تقبل الجمهور للعمل. تعرض الفيلم لحملة شرسة من جانب الكثير من القنوات الإعلامية والدعوية العربية بوصفه "فيلما شيعيا" يزيف تاريخ الإسلام، كما مُنع عرضه في أغلبية الدول العربية.

تفجر الجدل من جديد حول مسألة تجسيد الأنبياء على الشاشة في 2021م. شهد هذا العام إنتاج فيلم "سيدة الجنة"، الذي يحكي سيرة فاطمة الزهراء ابنة النبي محمد، من خلال مجموعة من الروايات المعتبرة في المذهب الشيعي الإمامي. أشرف رجل الدين الشيعي المثير للجدل ياسر الحبيب على إعداد السيناريو والحوار للفيلم، فيما قام إيلي كينج بإخراجه. بلغت ميزانية العمل خمسة عشر مليون دولار أميركي، وهو المبلغ الذي تم جمعه من حصيلة التبرعات التي نظمتها قناة فدك الفضائية -التابعة لياسر الحبيب- بدءاً من 2016م، واستمرت لما يقرب من أربع سنوات كاملة.

قدم الفيلم النبي محمد مُجسداً على الشاشة للمرة الأولى، وظهر وجهه بشكل واضح. أثار هذا الأمر غضب الكثير من المسلمين، في الوقت الذي فسر فيه صنّاع الفيلم موقفهم بأن الوجه لم يكن وجه ممثل، وإنما تم تركيبه على الجسد من خلال بعض التقنيات الرسومية الحديثة المستمدة من الروايات التاريخية التي وصفت النبي.

 

آل البيت والأئمة

 

يُعدّ فيلم "الشيماء" من أهم الأفلام التي عبرت عن إشكالية ظهور آل البيت على الشاشة في مصر. الفيلم من بطولة سميرة أحمد، وأحمد مظهر، وأمينة رزق، وعبد الله غيث؛ ومن تأليف صبري موسى وعبد السلام موسى، وقصة علي أحمد باكثير. وتم عرضه لأول مرة في عام 1972م. بُنيت أحداث الفيلم -بالأساس- على قصة السيدة زينب بنت النبي وزوجها أبي العاص بن الربيع. لمّا كان من الصعب تجسيد شخصية بنت النبي على الشاشة، فإن المؤلفين قاموا بتعديل القصة لتتناول شخصية الشيماء أخت النبي من الرضاعة وزوجها بجاد. لاقى الفيلم نجاحاً كبيراً منذ عرضه وحتى الآن. ولا زالت سهام النقد توجه له لما تضمنه من مغالطات تاريخية وقعت بسبب تبديل شخصياته الرئيسية.

في المقابل، لم يلق صنّاع الدراما الإيرانية صعوبة في تجسيد معظم شخصيات الأئمة وآل البيت. أجازت فتاوى المراجع في كل من النجف وقم تجسيد تلك الشخصيات بشرط الحفاظ على "مقامها المبجل". على سبيل المثال، ورد في فتوى السيستاني أنه لا يمكن تجسيد شخصيات الأئمة "من دون وضع هالة نورية تخفي معالم وملامح الوجه". أتاح ذلك إنتاج العديد من الأعمال التاريخية الدينية التي ركزت على سيّر حياة الأئمة. من تلك الأعمال مسلسل "شهيد الكوفة" وفيلم "النبراس" عن قصة حياة علي بن أبي طالب. ومسلسل "إمام الفقهاء" عن سيرة جعفر الصادق. ومسلسل "غريب طوس" عن قصة حياة الإمام الثامن علي الرضا. ومسلسل "باب المراد" والذي يحكي قصة الإمام التاسع محمد الجواد.

في سنة 2011، قدم الجانب السني رؤيته الدرامية لبعض شخصيات آل البيت عندما أنتجت شركة المها للإنتاج الفني -وهي شركة كويتية- مسلسلها "الحسن والحسين" من إخراج عبد الباري أبو الخير. دارت أحداث المسلسل حول سيرة حياة حفيدي الرسول الحسن والحسين وعلاقتهما بالصحابة والفتن التي وقعت عقب مقتل الخليفة عثمان بن عفان سنة 35ه.

اعتمد المسلسل على السردية السنية التقليدية. وتمت مراجعته من قِبل كل من الكاتب الليبي علي الصلابي، والمؤرخ السوري محمد محفل. تعرض المسلسل لهجوم كبير في الأوساط الشيعية. على سبيل المثال، أعلنت المرجعية الشيعية العليا في العراق برئاسة علي السيستاني "تحفظها" على عرض المسلسل خلال شهر رمضان من قِبل عدد من المحطات الفضائية العربية، باعتبار أنه سيزيد من الاختلاف بين المسلمين بتعرضه لأحداث حساسة جداً في التاريخ الإسلامي. على إثر ذلك الإعلان، اتخذ البرلمان العراقي قراراً بمنع عرض المسلسل على أي من القنوات العراقية.

 

الصحابة

 

جُسدت شخصيات بعض الصحابة درامياً في فترة خمسينات القرن العشرين. على سبيل المثال قدمت السينما المصرية فيلم "بلال مؤذن الرسول" سنة 1953م، وفيلم "خالد بن الوليد" سنة 1958 من بطولة وإنتاج وإخراج الممثل المصري حسين صدقي. عُرف صدقي بتوجهاته الإسلامية في الفترة الأخيرة من حياته. وكان اختيار شخصية خالد بن الوليد تحديداً لتجسيدها في عمل سينمائي أمراً مفهوماً لما لتلك الشخصية من حضور طاغي في الثقافة الإسلامية السنية التقليدية.

تفجر الجدل حول تجسيد شخصيات الصحابة في سبعينات القرن العشرين. في تلك الفترة أُعلن الاتفاق على تصوير فيلم "الرسالة" بنسختيه العربية والإنجليزية للمخرج السوري مصطفى العقاد. واُختيرت نخبة من الفنانين العرب والأجانب للمشاركة في تقديم هذا المشروع الضخم. وشاع حينها أن صناع العمل حصلوا على موافقة الأزهر الشريف.

أثار هذا الإعلان رفضاً من جانب الكثير من رجال الدين. أرسل الشيخ السعودي عبد العزيز بن باز إلى شيخ الأزهر رسالة يستهجن فيها الموافقة على الفيلم. جاء في تلك الرسالة: "من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم صاحب السماحة الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر… فإني أستغرب إقرار الأزهر لإخراج الفيلم المذكور؛ فإن كان ما نسب إليه صحيحاً فإني أطلب من فضيلتكم العمل على سحب الفتوى الصادرة من الأزهر في هذا الشأن إن أمكن ذلك، أو إبداء رأيكم في الموضوع براءةً للذمة، وخروجاً من التبعة، وتعظيماً للنبي وأصحابه –رضي الله عنهم– وصيانةً لهم عن كل ما قد يؤدي إلى تنقصهم بوجه من الوجوه…".

تسببت ردود الأفعال الغاضبة في إعلان الأزهر رفضه مشروع الفيلم. أصدر الشيخ عبد الحليم محمود بياناً وقعه معه مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة جاء فيه "نعلن عدم الموافقة على إنتاج فيلم بعنوان (محمد رسول الله) أو أي فيلم يتناول بالتمثيل-على أي وضع كان- شخصية الرسول- صلى الله عليه وسلم- أو شخصيات الصحابة- رضي الله عنهم". علل البيان الرفض بأن تلك الأفلام "تحط من قدر هذه الشخصيات المقدسة في نظر المسلم". استجاب الملك الحسن الثاني ملك المغرب الراحل لنداء الشيخ محمود ومنع تصوير الفيلم في المغرب، وتم استكمال التصوير بعدها في ليبيا بدعم من نظام الرئيس الليبي الأسبق معمر القذافي.

تم تجسيد الصحابة درامياً مرة أخرى في مطلع الثمانينات من القرن العشرين. قدمت العراق فيلم "القادسية" من إنتاج دائرة السينما والمسرح العراقية سنة 1981م. وهو من تأليف كل من محفوظ عبد الرحمن وعلي أحمد باكثير، ومن إخراج صلاح أبو سيف. تناول الفيلم أحداث الغزو العربي لبلاد فارس في القرن الأول الهجري. وركز على قصة معركة القادسية الفاصلة. والتي شهدت انتصار العرب بقيادة الصحابي سعد بن أبي وقاص على الجيش الفارسي الذي يقوده رستم. من المهم أن نلاحظ أنه تم إنتاج الفيلم عقب بدء حرب الخليج الأولى التي اندلعت بين العراق وإيران بشهور معدودة.

ألقت الأحداث السياسية بظلالها على الفيلم، وتم اختيار معركة القادسية تحديداً لما لها من علاقة قوية بالصراع القديم بين العرب والفرس. من هنا، لم يكن من الغريب أن يحظى الفيلم بدعم كامل من النظام العراقي حينذاك.

تجدد الجدل حول تجسيد الصحابة في الأعمال الدرامية مرة أخرى سنة 2003م. شهد هذا العام عرض مسلسل "رجل الأقدار" من إنتاج مدينة الإنتاج الإعلامي بمصر، وبطولة نور الشريف، ومن تأليف سامي غنيم، وإخراج وفيق وجدي. تناول المسلسل سيرة الصحابي عمرو بن العاص وتفاصيل الفترة المبكرة من عمر الدعوة الإسلامية، والفتوحات في بلاد الشام ومصر، فضلاً عن أحداث الفتنة والحرب الأهلية. روجع المسلسل من جانب إحدى لجان الرقابة الأزهرية. وطُلب حذف ستة مشاهد من المسلسل. وكانت جميعها متعلقة بأحداث الفتنة والحرب الأهلية بين معسكري الشام والعراق.

بعد ثلاث سنوات فحسب، قُدم المسلسل السوري "خالد بن الوليد" في جزئين. عُرض الجزء الأول سنة 2006م، بينما عُرض الجزء الثاني سنة 2007م. ولاقى نجاحاً كبيراً في الكثير من الدول العربية.

تفجر الجدل مجددا في سنة 2012م مع تقديم مسلسل "عمر"، والذي تناول سيرة الصحابي عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين. كان المسلسل ثمرة إنتاج مـشترك بين مركز تلفزيون الشرق الأوسط (mbc) ومؤسسة قطر للإعلام. ألف المسلسل وليد سيف، فيما أخرجه المخرج السوري حاتم علي. بلغت ميزانية المسلسل 53 مليون دولار أميركي. وأعلن بعض رجال الدين عن تأييدهم للعمل. من هؤلاء كل من سلمان العودة، ويوسف القرضاوي، وعادل الكلباني، وعلي الصلابي، فيما رُفض العمل من جانب أغلبية الشيوخ والفقهاء الذين رأوا فيه استخفافاً بمقام الصحابة.

من جهة أخرى، قدمت الدراما الإيرانية بعض الأعمال التي ركزت على شخصيات عدد من الصحابة والتابعين المهمين في المذهب الشيعي. على سبيل المثال قدم الإيرانيون مسلسل "مختار نامة" سنة 2010م. والذي تناول ما وقع في مذبحة كربلاء سنة 61ه. وجهود المختار بن أبي عبيدة الثقفي في الانتقام من قتلة الحسين. في السياق نفسه، عملت السينما الإيرانية على تناول مذبحة كربلاء بشكل أكثر تفصيلاً من خلال إنتاجها لفيلم "رستاخيز" (القربان) سنة 2014م. تأجل عرض الفيلم كثيراً في دور السينما. وقيل إن بعض المشاهد الدامية قد حُذفت منه عند عرضه.

 

القادة والفقهاء

 

لم يقتصر التعاطي الدرامي مع الشخصيات الدينية الإسلامية على شخصيات الأنبياء وآل البيت والصحابة فحسب، بل امتد ليصل أيضاً إلى شخصيات كبار الفقهاء والقادة والزعماء. على سبيل المثال شهدت حقبة الستينات من القرن العشرين ظهور فيلمين تاريخيين مهمين، هما "وإسلاماه" سنة 1961م الذي يتناول قصة انتصار المماليك على الجيش المغولي في موقعة عين جالوت، و"الناصر صلاح الدين" سنة 1963 الذي أخرجه يوسف شاهين ويحكي قصة صلاح الدين الأيوبي وكفاحه ضد الصليبيين.

كان النظام الناصري الذي وصل إلى الحكم في أعقاب نجاح ثورة الضباط الأحرار سنة 1952م يبني شرعيته -بالمقام الأول- باعتباره امتداداً للجيوش القديمة التي تمكنت من تحقيق أمجادها بالانتصار في المعارك الكبرى مثل حطين وعين جالوت.  تماهت تلك الدعاية السياسية مع الأعمال الدرامية التي أُنتجت في تلك الحقبة بشكل كبير. يوضح الناقد السينمائي محمود عبد الشكور حدود هذا التماهي في كتابه "كيف تشاهد فيلماً سينمائياً". على سبيل المثال، يتحدث عبد الشكور عن فيلم "الناصر صلاح الدين" فيقول: "إن المعالجة الأولى للقصة، والتي كان سيخرجها عز الدين ذو الفقار، كانت تجعل علاقة لويزا وعيسى هي الحبكة الرئيسة، على أن يكون الصراع الحربي، وشخصية صلاح الدين في الخلفية، ولكن الكتابة الأخيرة غيرت مركز الثقل في اتجاه تمجيد الناصر صلاح الدين، واستخدمت التاريخ إسقاطاً على الجانب السياسي المعاصر. فالفيلم علاقته بحقائق التاريخ واهية، أي قارئ للتاريخ الحقيقي لصلاح الدين الأيوبي يعرف أن الفيلم الشهير الذي أخرجه يوسف شاهين من المستحيل أن يُصنف كعمل تاريخي إلا من حيث الشكل فقط. ولكنه فيلم سياسي تماماً من حيث المضمون، يساند بقوة فكرة القومية العربية التي تبناها عبد الناصر".

يضيف عبد الشكور "يمتد خيط الوحدة العربية من الناصر صلاح الدين إلى ناصر. ويصبح الصليبيون نموذجاً لاستغلال المسيحية لأهداف سياسية مثلما أصبحت الصهيونية وإسرائيل معادلاً معاصراً لاستغلال اليهودية لأهداف سياسية. حتى عبارات مثل "الأرض تتسع للجميع" ليست في حقيقتها سوى ترجمة لمعنى التعايش رغم سطوة الحرب الباردة. كل تفصيلة تم تطويعها لهدف معركة القومية العربية، رغم أن صلاح الدين كان كردياً!".

في السنوات الأخيرة، اهتمت الدول الخليجية بالأمر ذاته. على سبيل المثال، قامت مؤسسة قطر للإعلام في سنة 2017م بإنتاج مسلسل ضخم عن الإمام أحمد بن حنبل. ركز المسلسل على المحنة التي تعرض لها ابن حنبل في فترة الجدل حول مسألة خلق القرآن في بدايات القرن الثالث الهجري. كان من الواضح أن اختيار شخصية ابن حنبل على وجه التحديد بما لها من حضور مؤثر في فقه وثقافة شبه الجزيرة العربية قد وقع في سياق الرد على الدعاية الإيرانية التي تعتمد على تصدير الأفكار الشيعية من خلال مسلسلاتها حول الأئمة الاثني عشر.

مواضيع ذات صلة:

توماج صالحي في صورة من حسابه على انستغرام
توماج صالحي في صورة من حسابه على انستغرام

"نحن صوت الغضب الشعبي الذي جرى إسكاته، لا تنعتنا بالمتمردين، نحن الثوار". "كانت جريمة شخص ما أن شعرها كان يتدفق في مهب الريح. كانت جريمتها أنها كانت شجاعة وصريحة".

هذا نموذج من كلمات أغاني مغي الراب الإيراني الشهير توماج صالحي التي قد تكّلفه حياته.

بسبب هذه الكلمات وغيرها، حكم القضاء الإيراني على توماج بعقوبة الإعدام، بعد إدانته باتهامات تتعلق بالاضطرابات التي شهدتها إيران في عامي 2022 و2023 على خلفية مقتل الشابة مهسا أميني في أحد فروع الشرطة، بعد إلقاء القبض عليها لاتهامها بارتداء حجاب "غير لائق".

في أعقاب نجاح "الثورة الإسلامية" في إيران في العام 1979 جرى حظر جميع أنواع الموسيقى في البداية.

بعدها "رضخ قادة الجمهورية الإسلامية للحاجة إلى السماح ببعض الموسيقى"، كما تقول الباحثة ناهد سيامدوست في كتابها "أغنية الثورة: سياسة الموسيقى في إيران".

ومع ذلك، تتابع سيامدوست، "خنق قادة الثورة الموسيقى التي لا تخدم مصالحهم السياسية والأيديولوجية، وحظروا الموسيقى التي يرون أنها تهدد تلك المصالح، وسهلوا ظهور ثقافة موسيقية شعبية ولكنها ضحلة، في حين تزدهر ثقافة فرعية عاجزة رسميًا ولكنها مفعمة بالحيوية خارج المجال العام الرسمي".

توماج صالحي ينتمي إلى هذا النوع من الموسيقى التي تغضب النظام. وهو تخصّص بموسيقى "الراب" التي تلقى قبولاً كبيراً من فئة الشباب. والراب شكل موسيقي متفرّع من الهيب هوب، وهناك خلاف حول قصة نشأة هذا الفن، إذ يقول البعض انه بدأ في أميركا فيما يشير آخرون إلى أماكن أخرى، كما يؤكد الباحث سيد عبد الحميد في كتابه "فن الشارع- حكايات عن كتابة الراب والموسيقى".
 

يخلق مغنو الراب الخاصون بكل بلد ما يناسبه من كلمات ومواضيع، بحسب عبد الحميد، وهو فنّ يعتمد على الإيقاع السريع للكلمات والموسيقى (beat)، ويصيغ المغني أكبر عدد من الأفكار في جمل قليلة جداً، تشكّل موضوع الأغنية.

هذا النوع من الغناء السريع والمكثّف والمباشر في معانيه جعل من توماج صالحي، الذي يبلغ من العمر 33 عاماً، أحد أكثر المغنين شعبية في إيران، خاصة بعد أن دعم في أغانيه الاحتجاجات التي استمرت شهوراً وجرى قمعها بالقوة.

اعتقل صالحي في أكتوبر 2022 بعد الإدلاء بتصريحات علنية داعمة للاحتجاجات على مستوى البلاد، وواجه منذ البداية تهماً خطيرة، من بينها تهمة "الإفساد في الأرض" التي تصل عقوبتها إلى الإعدام.

وفي العاشر من يوليو 2023، قضى الفرع الأول من المحكمة الثورية في أصفهان بعدم إثبات حد تهمة "الإفساد في الأرض" ضد صالحي، وحكم عليه بالسجن ست سنوات وفقاً للقانون الإسلامي.

بدا حينذاك أن "الرابر" الإيراني نجا من مصير الإعدام، ثم شهدت قضيته انفراجاً آخر في 18 نوفمبر من العام 2023، حيث أطلقت المحكمة سراحه بكفالة مالية بعد إلغاء الحكم وإعادة القضية إلى المحكمة الابتدائية.

أمضى صالحي 12 يوماً خارج السجن فقط. والتقى خلالها بالمخرجين الإيرانيين جعفر بناهي ومحمد رسولوف، الذين مرّا بتجارب السجن وقد أطلق سراحهما أيضاً بكفالة. لكن سرعان ما أعادت السلطات الإيرانية اعتقال المغني الشاب في الثلاثين من نوفمبر، وفتحت قضية جديدة ضده، بعد نشره فيديو على الإنترنت اتهم فيه المحققين بإساءة معاملته.

وفي 18 أبريل الجاري، عقد الفرع الأول للمحكمة الثورية في طهران جلسة محاكمة جديدة لصالحي، بعد إضافة تهم جديدة إلى القضية، بحسب محاميه. وحكمت المحكمة عليه بالإعدام بتهمة "الإفساد في الأرض"، كما اتهمت المحكمة الثورية صالحي بـ"التحريض على الفتنة والتجمع والتآمر والدعاية ضد النظام والدعوة إلى أعمال شغب"، بحسب المحامي.

منظمة "هيومن رايتس ووتش" وصفت الحكم ضد صالحي بأنه "اعتداء وحشي وشائن على الحريات الأساسية والحق في محاكمة عادلة". وقالت الباحثة في شؤون إيران في المنظمة تارا سبهري فر إن "الحكومة الإيرانية جعلت المحاكم الجائرة حجر أساس في قمعها الوحشي للمعارضة الشعبية".

محامي صالحي أكد أن "الحكم شابته أخطاء قانونية كبيرة، بما في ذلك تعارضه مع حكم المحكمة العليا"، مؤكداً أن موكّله عازم على الاستئناف.

فهل تنجح الضغوط على إيران من نشطاء حقوق الإنسان والمنظمات الدولية في فكّ حبل المشنقة عن رقبة توماج صالحي؟