أصوات الثورات تصدح في الميادين وترتفع ألحانها لتتسع رقعتها من قرية إلى مدينة ومن مدينة إلى بلد بحاله.
تتنوع الآلات المستخدمة فيها وغالبا ما تنقسم بين فئتين: صوت الشعوب الذي يتحول لموسيقى رمزية، وضجيج الأنظمة السياسية التي تملي شروطها حتى على الصمت.
صوت الشعب
في الشارع، تبدأ الجماهير بالتجمع، تفترش الأرض والمدرجات والأرصفة، ثم تستعين بأي أداة توفرها الظروف لتصنع موسيقى تتكرر على مدى أيام، وبعدها تصبح نشيدا.
"الطنجرة" أو "الكلاكس" أو الصافرة أو علب المياه، أو حتى التصفيق. تبدع الجماهير في استخدام الضوضاء كصدى لمطالبها. وليس هذا بالجديد، فقد شهدت ساحات مصر ضوضاء شبهت "بالاستفتاء الشعبي" للإخوان وكان الشعار حينذاك عام 2013: "إضرب كلاكس" بما معناه أن كل من يخالف حكم الإخوان يستخدم "الكلاكس" أو "زامور" السيارة للتعبير عن الرفض.
هذا "الزامور" نفسه اكتسب رمزية باتت أقرب إلى الاستفزاز في لبنان إبان الحرب الأهلية. تستذكر سوسن كيف صنع العونيون رمز سلامهم الخاص من خلال صوت الزامور "بارابابا جنرال"، تتكرر في الطرقات بشكل يصفه البعض بالاستفزازي للقوات اللبنانية.
وفي إيران، نتج عن لحن الصوت والتصفيق أنشودة، كما حول مطرب التعليقات على الإنترنت لنشيد للثورة. وهو الفنان الإيراني شروين حاجي بور، الذي استلهم أغنية "من أجل" (براي بالفارسية)، من تغريدات تتكلم عن معاناة الإيرانيين من البطالة والغلاء والقمع.
لكن الصوت أسكت مع اعتقال بور الذي نأى بنفسه عن السياسة فيما بعد وأزيلت الأغنية عن مواقع التواصل على الرغم من أنها أضحت في فترة من الفترات، أشبه بنشيد شبه رسمي للاحتجاجات.
صوت المعاناة والجوع ترجم في لبنان في بداية ما عرف بثورة تشرين 2019، من خلال استخدام الطناجر الفارغة التي تعكس الألم الناتج عن الغلاء الفاحش وعدم القدرة على تأمين القوت.
وهذه المرة، لم تستخدم الطناجر في الساحات التي يتجمع فيها المتظاهرون عادة لتنتقل إلى شرفات المنازل المظلمة بفعل التقنين الكهربائي المجحف. أدوات وأواني الطهي استخدمت كذلك في الجزائر عام 2019، للتعبير السلمي عن الغضب والدعم للمعتقلين.
صوت النظام
بينما يولد ضجيج الشعب بشكل ارتجالي عفوي، تحتمل الموسيقى التي تتطلب تمويلا أكبر في الشارع والتي "تجيش" الجماهير، بعض التخطيط من الأنظمة، فتنسكب على الشارع لتحرك العصب الديني أو الطائفي أو المناطقي.
يشرح الموسيقي إرنست دياب، أن إنتاج موسيقى ما يعرف بالثورات أو المظاهرات على نطاق أصغر، "رهن بالتمويل والإملاءات التي تتناسب مع السياسة. ومن هنا، تختلف الموسيقى في الشارع بين الصوت الذي ينبع من الشعب والصوت الذي يُملى عليه. بالإضافة إلى ذلك، لا بد من العودة إلى إملاء الموسيقى نفسها، فهل تتلاءم مع البيئة والواقع الذي يفترض أن تتماهى معه أو تمثله؟".
يعيدنا دياب إلى تاريخ الإنتاج والفن الذي يفترض أنه هادف ولكنه قد يتبع معايير غربية لا تنطبق بالضرورة على السياق العربي.
"هذا كأن يقوم المخرج اللبناني الشهير سيمون أسمر بصناعة النجوم وتحويلهم لمعيار للنجومية، فتتقوقع النخب الثقافية أمام المعايير المحددة على الأغلب من قبل الجماعات المتواطئة مع المنظومات السياسية التي لا تتوخى طرح الأسئلة الجوهرية. فلا يتبقى مكان للأنماط الأخرى، كموسيقى الشارع مثلا، التي قد تخرج عن المنهجيات المحددة وعن التحجر الفكري في كل المجالات"، يقول دياب.
كيف يتلاءم ضجيج الحريات مع الواقع؟ يجيب دياب انطلاقا من مثال الانفجار الكارثي لمرفأ بيروت، "كيف لنا أن ندعو المتابع للاستماع لطقطوقة وادعاء أنها مستوحاة من الواقع أو تحمل أي رسالة معينة؟ منذ الرابع من آب (أغسطس)، علق الانفجاران المدويان في الأذهان. هذا الضجيج هو الصدى الذي يجب أن تُبنى عليه حكاية الموسيقى الموجهة للشعب وإلا تتشرذم الألحان ويفقد الكائن الموسيقي فلسفته ورسالته".
ومن هنا، يكتسب الضجيج النابع من قلب الساحات وبأكثر الصور عفوية رمزية وجذورا فلسفية عميقة. فهو يدعو قبل كل شيء للتفكر في الواقع وبذل الجهود الضرورية لتغييره..
"هو يدعو للتفكير"، يضيف دياب، مقدما نماذج مثل المهرجانات الارتجالية التي تناقش عبثية الحرب من خلال عبثية الأصوات، مردفاً "في الوجدان العام، أفكار وأصوات نعايشها وتطاردنا باستمرار. قد تغيب خلف طبقات من ضجيج لكنها لا تفارق خلفية الذاكرة".
وقد يخيل أن الموسيقى تختفي أحيانا بشكل تام مع اختفاء الحشود، ربما استسلاما أو ربما خوفا من قمع، لكن دوي الصمت يفرض نفسه بشكل أكبر بعد ذلك.
هذا الصمت الذي يملأ الوجدان ويحث الجمهور على التساؤل. هذا الصمت الذي شهدناه بالأمس مع اللاعبين الإيرانيين على الأرض القطرية، حين امتنعوا عن ترديد النشيد الوطني الإيراني تضامنا مع الاحتجاجات المندلعة في البلاد منذ مقتل الفتاة مهسا أميني.
تقول الحكمة الشرقية أن بعض الصمت له صوت أعلى من الصُّراخ.
في المحصلة، يضج الشارع حين تستفيق الثورة في النفوس بالهتافات والتصفيق إن لم تتوفر آلة لصنع الموسيقى.
"تنشأ الموسيقى في الشارع كردة فعل، وتجد جذورها في الرابط مع العاطفة. قد يغني المرء لأنه يشعر بالمحبة أو بالوحدة، بالسعادة أو بالإهمال. مشاعر متناقضة تدفع بالناس للغناء بالشارع على أمل رفع الصوت. تنبع موسيقى الثورات من الآمال والأحلام، وقد تختصر بالضجيج كما في حالة استخدام الآنية والكلاكس التي لا تدخل عادة في الألحان، أو تبنى على هياكل وألحان استثمر فيها الكثير من المال والابتكار لتصدح على مدى سنين وسنين"، كما يقول الموسيقار جمال زرزور
ويبيّن: "على الرغم من أن بعض الموسيقى تبصر النور بدعم كريم من السياسة في كل أنحاء العالم، تختلف كثيرا عن الموسيقي الوجدانية أو أغاني العشق على الرغم من أنها كثيرا ما تمد جسرا من المودة والدعم بين الشارع والفئة التي تتغنى بها، وهي التي تنتجها عادة. يتجلى ذلك بوضوح في الأغاني الوطنية أو حتى في الأناشيد".
ومن أين تأتي هذه الموسيقى بجاذبيتها التي تدفع الجماهير للتفاعل معها في كل مرة تستعاد وتطلق من الأبواق العملاقة ومن السماعات المحملة على ظهر السيارات؟ يشرح زرزور أن "صناعة هذه الموسيقى أو حتى الأغاني التي تحرك الشارع لا تتطلب وفاء ومحبة للزعيم فحسب، بل تستدعي الاستعانة بمهارات المحترفين، وقد تكلف أحيانا أكثر من أغنية لنجمة شهيرة، خصوصا أن صناعتها تهدف لضمان استدامة الوفاء للزعيم. ولذلك، يستعان بالطبول وآلات النفخ بشكل عام لتحرك تفاعل الجماهير لما تعكسه من ضجيج ثائر".
أصوات تتحول لموسيقى، وموسيقى تتشرذم في فلك السياسة.. بين ارتجال الصوت بأصدق تعبيراته وصناعة الصوت بالأثمان الغالية، لازمة صمت كبيرة تشبه إلى حد كبير المسافة التي تفرق بين الشعوب الحرة والأنظمة التي تدير الأذن الصماء.
