على الرغم من أن الأدلة الأثرية على استخدام اللغة العربية الفصحى في الفترة السابقة على الإسلام، تكاد تكون محصورة في بلاد الشام، إلاَّ أن ذلك لم يمنع العراق، ومنذ منتصف القرن الهجري الأول من أن يصبح مركز تقعيد اللغة العربية، وبمدرستين نحويتين شكلتا المرجعية النحوية الوحيدة لها، منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً.
الأدلة الأثرية
الدليل اللغوي الأول والأقدم على اللغة العربية الفصحى؛ هو بيتان شعريان عثر عليهما في نقش نبطيّ من موقع عين عبدات في صحراء النقب، يرجع تاريخه إلى عهد الملك عبادة الثالث في مطلع القرن الأول الميلادي:
فيفعل لا فِدا ولا إثَرا فكان هنا يَبْغِنا الموت ولا أبغيه فكان هنا
أراد جرحاً ولا يردنا
والنقش العربي الثاني المؤرخ بتاريخ 328 ميلادي، يعود لملك الحيرة امرؤ القيس بن عمر اللخمي، الذي مات في جنوبي بلاد الشام، كما يبدو، خلال حملة من حملاته العسكرية التي وثقتها المصادر البيزنطية.
وهذا النقش المكتوب بحروف نبطية، يعد الدليل المرجعي الأول على استخدام اللغة العربية الفصحى في نص جنائزي، رغم وجود تأثيرات نبطية في كتابة بعض الحروف، وخصوصاً إضافة حرف الواو لآخر بعض الأسماء، وهي طريقة استمرت بقاياها في اسم عمرو.
وبعد هذا النقش بدأت تظهر اعتباراً من مطلع القرن الخامس الميلادي؛ نقوش عربية فصحى في جنوبي المملكة الأردنية الهاشمية الحالية، وتحديداً في موقع العقبة، مكتوبة من قبل شخصيات ملكية غسانية، بحروف تعد حلقة الوصل بين الكتابة النبطية وحرف الجزم العربي المستخدم اليوم.
أما أقدم الأدلة على استخدام حروف الجزم بلغة عربية فصحى، فهي نقش مؤرخ في عام 512 ميلادي، عثر عليه في كنيسة زبد جنوبي حلب السورية، ونقش مؤرخ بتاريخ 529 ميلادي لإبراهيم بن مغيرة الأوسي عثر عليه في موقع أسيس شرقي مدينة السويداء السورية، ونقش حران في دير القديس جورحيوس في محافظة السويداء السورية تاريخه 568 ميلادي.
وما سبق يتعلق بالأدلة الأثرية المنقوشة؛ أما الأدلة المكتوبة على الرقوق ولفائف البردي، فتعود أقدمها إلى المصاحف الأولى في عهد الخليفة عثمان بن عفان، وهي مصاحف غير منقوطة، تشبه في رسم حروفها النقوش السابقة على الإسلام، يضاف إليها برديات أموية عثر عليها في مصر وجنوبي فلسطين، أقدمها تعود إلى زمن معاوية بن أبي سفيان، وتلتزم في صياغاتها بقواعد العربية التي نعرفها، رغم ما يشوبها من مصطلحات إدارية يونانية.
وربما من هنا أتى مصدر النقد اللاذع الذي كان يشنه نحويو العراق على عربية أهل الشام، حتى استبعدوها من شواهدهم حين وضعوا قواعد اللغة العربية في مدينتي الكوفة والبصرة.
الدؤلي مؤسس علم النحو
ينسب علم النحو إلى أبي الأسود الدؤلي المتوفى سنة 69 للهجرة، بعد أن عبر للخليفة علي بن ابي طالب عن مخاوفه على اللغة العربية والقرآن الكريم نتيجة مخالطة العجم، فنصحه بأن يضع قواعد للسان العربي في ثلاثة أقسام هي: الفعل والاسم والحرف، وقال له انح هذا النحو، ومن هناك جاء اسم هذا العلم اللغوي، بحسب كتاب "غرر الخصائص الواضحة وغرر النقائض الفاضحة"، لأبي إسحاق برهان الدين محمد الوطواط.
ونشأ علم النحو في البصرة وتطور على يد تلاميذ الدؤلي من أمثال نصر بن عاصم المتوفى عام 89 هجرية، وعبد الرحمن بن هرمز المتوفى عام 117 هجرية، ويحيى بن يعمر المتوفى عام 137 هجرية. وانصب اهتمام هؤلاء على ضبط النقط والتشكيل في نسخ القرآن الكريم، واستكمال البنية القواعدية للغة العربية.
لكن جهود التلاميذ لم تتجاوز ابتكار المعلم، إلى أن ظهر الخليل بن أحمد الفراهيدي (100 ـ170 هـ)، الذي يعد الأب الثاني لعلوم اللغة العربية، بعد الدؤلي.
الفراهيدي المؤسس الثاني
ولد الفراهيدي في البصرة، وتلقى علومه على يد شيوخها، أبرزهم عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي البصري (29 - 117 هـ)، وهو صاحب القاموس العربي الأول "كتاب العين"، الذي استغرقه إنجازه ردحاً طويلاً من الزمن، ولم يكمله بسبب وفاته، ما دعا تلميذه الليث بن المظفر لأن يكمله.
وبنى الفراهيدي قاموسه وفق ترتيب خاص اعتمد على مخارج الأحرف من أعمق حرف حلقي وهو العين، مروراً بالحروف الصادرة عن اللسان وحتى أطراف الشفتين، وآخرها حرف الميم، ثم الحروف الصوتية؛ الواو والياء والألف.
ويمتلك معجمه بالإضافة إلى ذلك، خاصية لا نراها في المعاجم اللاحقة، وهي ميزة المصادر الاشتقاقية للمفردات والمعاني، وبذلك يكون هو المؤسس الفعلي لعلم سيمياء اللغة، حيث أوحى "كتاب العين" لابن فارس القزويني (329 -395 هـ) بعد قرنين، بوضع قاموسه الهام "معجم مقاييس اللغة".
ومن الابتكارات المهمة للفراهيدي علامات الترقيم العربية، إذ أن الصيغة التي وضعها الدؤلي باعتماد النقاط للدلالة على علامات الفتحة والكسرة والسكون، كانت من التعقيد بأنه لم تستطع حل مشكلة قراءة القرآن من جانب الأعاجم حديثي العهد بالعربية، فقام الفراهيدي بابتكار علامات التشكيل العربية المستخدمة اليوم، إضافة إلى ابتكاره علامة الشدّة.
ويعد سيبويه عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي (148 -180 هـ) أبرز تلاميذ الفراهيدي، حيث يقول ابن النديم، محمد بن إسحاق المتوفى عام 384 هجرية في كتابه "الفهرست"، إن كتاب سيبويه "الكتاب"، ما هو إلى مؤلَّف تضافر في وضعه اثنان وأربعون من الكتاب، ومبادئه، ومواضيعه اعتمدت على ما يناظرها في كتب الفراهيدي، حيث نقل عنه سيبويه 608 مرة.
ومن تلاميذ الفراهيدي الأعلام أيضاً، الأصمعي (123 -216 هـ)، والسدوسي (توفي 195 هـ)، وابن شميل (توفي 203 هـ) والجهضمي (توفي 187 هـ)، وكلهم أعلام في مدرسة البصرة النحوية.
مدرستا البصرة والكوفة
في مطلع العصر العباسي بدأت تتكون ملامح مدرسة نحوية جديدة في مدينة الكوفة، أنشأها أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي (119-189 هـ) صاحب كتاب "مختصر النحو"، و"الحدود في النحو"، وغيرها.
وتطورت مدرسة الكسائي في النحو على يد عدد من تلاميذه، مثل يحيى بن زياد المعروف بالفَرَّاء (144 – 216 هـ) صاحب "كتاب المعاني"، و"المصادر في القرآن"، و"كتاب الوقف والابتداء"، و"كتاب الجمع والتثنية في القرآن"، و"كتاب المقصور والممدود"، و"كتاب المذكر والمؤنث"، و"كتاب المنقوص والممدود"، و"كتاب لغات القرآن".
وقد تأثرت كل من المدرستين، الكوفية والبصرية، بالمناخ الغالب على الحياة الثقافية في كل منهما، فالمدرسة البصرية تأثرت بالمذهب العقلي المعتزلي، حيث أعلت من شأن علم المنطق الاستدلالي، ولجأت إلى القياس العقلي، في حين أسهم الشعر والرواية لدى الكوفيين في تغليب الرواية وأرجحيتها.
ويمكن إجمال الاختلافات بين المدرستين بأربعة نقاط، أولها: تشدد البصريين في فصاحة المصدر الذي يأخذون عنه، في مقابل تساهل الكوفيين في ذلك، حتى أنهم كانوا يأخذون لغتهم عن الأعراب. وهو ما يعني أن نمط الحياة ليس هو المعيار في فصاحة اللغة لدى البصريين، بينما هو المعيار الأول لدى الكوفيين.
وثانيها: توسع الكوفيين في قبول القراءات القرآنية، مقارنة مع البصريين المشهورين بتقييدها كثيراً. وثالثها: توسع الكوفيين في استخلاص القواعد من الأصول الأدبية التي يعتمدون عليها وخصوصاً الشعر، واعتمادهم القياس على الشاذ، والقليل، والشاهد الواحد، في حين لم يكن البصريون يكتفون بالشاهد الواحد، والشاذ، بل اشترطوا كثرة الأمثلة والشواهد، وما يجري تداوله على ألسنة العرب الفصحاء.
ورابعها: إضراب الكوفيين عن إعمال العقل، والتأويل، والتقدير، مقابل تقديس الرواية كما هي، في حين كان البصريون يولون ذلك عناية فائقة.
