لوحة للخطاط العراقي مرتضى الجصاني، العبارة "يا من يحول بين المرء وقلبه"- تعبيرية
لوحة للخطاط العراقي مرتضى الجصاني، العبارة "يا من يحول بين المرء وقلبه"- تعبيرية

على الرغم من أن الأدلة الأثرية على استخدام اللغة العربية الفصحى في الفترة السابقة على الإسلام، تكاد تكون محصورة في بلاد الشام، إلاَّ أن ذلك لم يمنع العراق، ومنذ منتصف القرن الهجري الأول من أن يصبح مركز تقعيد اللغة العربية، وبمدرستين نحويتين شكلتا المرجعية النحوية الوحيدة لها،  منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً.

 

الأدلة الأثرية

الدليل اللغوي الأول والأقدم على اللغة العربية الفصحى؛ هو بيتان شعريان عثر عليهما في نقش نبطيّ من موقع عين عبدات في صحراء النقب، يرجع تاريخه إلى عهد الملك عبادة الثالث في مطلع القرن الأول الميلادي:

فيفعل لا فِدا ولا إثَرا فكان هنا    يَبْغِنا الموت ولا أبغيه فكان هنا

أراد جرحاً ولا يردنا

والنقش العربي الثاني المؤرخ بتاريخ 328 ميلادي، يعود لملك الحيرة امرؤ القيس بن عمر اللخمي، الذي مات في جنوبي بلاد الشام، كما يبدو، خلال حملة من حملاته العسكرية التي وثقتها المصادر البيزنطية.

وهذا النقش المكتوب بحروف نبطية، يعد الدليل المرجعي الأول على استخدام اللغة العربية الفصحى في نص جنائزي، رغم وجود تأثيرات نبطية في كتابة بعض الحروف، وخصوصاً إضافة حرف الواو لآخر بعض الأسماء، وهي طريقة استمرت بقاياها في اسم عمرو. 

وبعد هذا النقش بدأت تظهر اعتباراً من مطلع القرن الخامس الميلادي؛ نقوش عربية فصحى في جنوبي المملكة الأردنية الهاشمية الحالية، وتحديداً في موقع العقبة، مكتوبة من قبل شخصيات ملكية غسانية، بحروف تعد حلقة الوصل بين الكتابة النبطية وحرف الجزم العربي المستخدم اليوم.

أما أقدم الأدلة على استخدام حروف الجزم بلغة عربية فصحى، فهي نقش مؤرخ في عام 512 ميلادي، عثر عليه في كنيسة زبد جنوبي حلب السورية، ونقش مؤرخ بتاريخ 529 ميلادي لإبراهيم بن مغيرة الأوسي عثر عليه في موقع أسيس شرقي مدينة السويداء السورية، ونقش حران في دير القديس جورحيوس في محافظة السويداء السورية تاريخه 568 ميلادي. 

وما سبق يتعلق بالأدلة الأثرية المنقوشة؛ أما الأدلة المكتوبة على الرقوق ولفائف البردي، فتعود أقدمها إلى المصاحف الأولى في عهد الخليفة عثمان بن عفان، وهي مصاحف غير منقوطة، تشبه في رسم حروفها النقوش السابقة على الإسلام، يضاف إليها برديات أموية عثر عليها في مصر وجنوبي فلسطين، أقدمها تعود إلى زمن معاوية بن أبي سفيان، وتلتزم في صياغاتها بقواعد العربية التي نعرفها، رغم ما يشوبها من مصطلحات إدارية يونانية.

وربما من هنا أتى مصدر النقد اللاذع الذي كان يشنه نحويو العراق على عربية أهل الشام، حتى استبعدوها من شواهدهم حين وضعوا قواعد اللغة العربية في مدينتي الكوفة والبصرة.

 

الدؤلي مؤسس علم النحو

ينسب علم النحو إلى أبي الأسود الدؤلي المتوفى سنة 69 للهجرة، بعد أن عبر للخليفة علي بن ابي طالب عن مخاوفه على اللغة العربية والقرآن الكريم نتيجة مخالطة العجم، فنصحه بأن يضع قواعد للسان العربي في ثلاثة أقسام هي: الفعل والاسم والحرف، وقال له انح هذا النحو، ومن هناك جاء اسم هذا العلم اللغوي، بحسب كتاب "غرر الخصائص الواضحة وغرر النقائض الفاضحة"، لأبي إسحاق برهان الدين محمد الوطواط. 

ونشأ علم النحو في البصرة وتطور على يد تلاميذ الدؤلي من أمثال نصر بن عاصم المتوفى عام 89 هجرية، وعبد الرحمن بن هرمز المتوفى عام 117 هجرية، ويحيى بن يعمر المتوفى عام 137 هجرية. وانصب اهتمام هؤلاء على ضبط النقط والتشكيل في نسخ القرآن الكريم، واستكمال البنية القواعدية للغة العربية.

لكن جهود التلاميذ لم تتجاوز ابتكار المعلم، إلى أن ظهر الخليل بن أحمد الفراهيدي (100 ـ170 هـ)، الذي يعد الأب الثاني لعلوم اللغة العربية، بعد الدؤلي.

 

الفراهيدي المؤسس الثاني

ولد الفراهيدي في البصرة، وتلقى علومه على يد شيوخها، أبرزهم عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي البصري (29 - 117 هـ)، وهو صاحب القاموس العربي الأول "كتاب العين"، الذي استغرقه إنجازه ردحاً طويلاً من الزمن، ولم يكمله بسبب وفاته، ما دعا تلميذه الليث بن المظفر لأن يكمله. 

وبنى الفراهيدي قاموسه وفق ترتيب خاص اعتمد على مخارج الأحرف من أعمق حرف حلقي وهو العين، مروراً بالحروف الصادرة عن اللسان وحتى أطراف الشفتين، وآخرها حرف الميم، ثم الحروف الصوتية؛ الواو والياء والألف.

ويمتلك معجمه بالإضافة إلى ذلك، خاصية لا نراها في المعاجم اللاحقة، وهي ميزة المصادر الاشتقاقية للمفردات والمعاني، وبذلك يكون هو المؤسس الفعلي لعلم سيمياء اللغة، حيث أوحى "كتاب العين" لابن فارس القزويني (329 -395 هـ) بعد قرنين، بوضع قاموسه الهام "معجم مقاييس اللغة". 

ومن الابتكارات المهمة للفراهيدي علامات الترقيم العربية، إذ أن الصيغة التي وضعها الدؤلي باعتماد النقاط للدلالة على علامات الفتحة والكسرة والسكون، كانت من التعقيد بأنه لم تستطع حل مشكلة قراءة القرآن من جانب الأعاجم حديثي العهد بالعربية، فقام الفراهيدي بابتكار علامات التشكيل العربية المستخدمة اليوم، إضافة إلى ابتكاره علامة الشدّة.

ويعد سيبويه عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي (148 -180 هـ) أبرز تلاميذ الفراهيدي، حيث يقول ابن النديم، محمد بن إسحاق المتوفى عام 384 هجرية في كتابه "الفهرست"، إن كتاب سيبويه "الكتاب"، ما هو إلى مؤلَّف تضافر في وضعه اثنان وأربعون من الكتاب، ومبادئه، ومواضيعه اعتمدت على ما يناظرها في كتب الفراهيدي، حيث نقل عنه سيبويه 608 مرة.

ومن تلاميذ الفراهيدي الأعلام أيضاً، الأصمعي (123 -216 هـ)، والسدوسي (توفي 195 هـ)، وابن شميل (توفي 203 هـ) والجهضمي (توفي 187 هـ)، وكلهم أعلام في مدرسة البصرة النحوية. 

 

مدرستا البصرة والكوفة

في مطلع العصر العباسي بدأت تتكون ملامح مدرسة نحوية جديدة في مدينة الكوفة، أنشأها أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي (119-189 هـ) صاحب كتاب "مختصر النحو"، و"الحدود في النحو"، وغيرها.

وتطورت مدرسة الكسائي في النحو على يد عدد من تلاميذه، مثل يحيى بن زياد المعروف بالفَرَّاء (144 – 216 هـ) صاحب "كتاب المعاني"، و"المصادر في القرآن"، و"كتاب الوقف والابتداء"، و"كتاب الجمع والتثنية في القرآن"، و"كتاب المقصور والممدود"، و"كتاب المذكر والمؤنث"، و"كتاب المنقوص والممدود"، و"كتاب لغات القرآن". 

وقد تأثرت كل من المدرستين، الكوفية والبصرية، بالمناخ الغالب على الحياة الثقافية في كل منهما، فالمدرسة البصرية تأثرت بالمذهب العقلي المعتزلي، حيث أعلت من شأن علم المنطق الاستدلالي، ولجأت إلى القياس العقلي، في حين أسهم الشعر والرواية لدى الكوفيين في تغليب الرواية وأرجحيتها. 

ويمكن إجمال الاختلافات بين المدرستين بأربعة نقاط، أولها: تشدد البصريين في فصاحة المصدر الذي يأخذون عنه، في مقابل تساهل الكوفيين في ذلك، حتى أنهم كانوا يأخذون لغتهم عن الأعراب. وهو ما يعني أن نمط الحياة ليس هو المعيار في فصاحة اللغة لدى البصريين، بينما هو المعيار الأول لدى الكوفيين. 

وثانيها: توسع الكوفيين في قبول القراءات القرآنية، مقارنة مع البصريين المشهورين بتقييدها كثيراً. وثالثها: توسع الكوفيين في استخلاص القواعد من الأصول الأدبية التي يعتمدون عليها وخصوصاً الشعر، واعتمادهم القياس على الشاذ، والقليل، والشاهد الواحد، في حين لم يكن البصريون يكتفون بالشاهد الواحد، والشاذ، بل اشترطوا كثرة الأمثلة والشواهد، وما يجري تداوله على ألسنة العرب الفصحاء. 

ورابعها: إضراب الكوفيين عن إعمال العقل، والتأويل، والتقدير، مقابل تقديس الرواية كما هي، في حين كان البصريون يولون ذلك عناية فائقة.

مواضيع ذات صلة:

 البرنامج الأكثر شهرة وشعبية لها كان "ستوديو عشرة" الذي لا يزال يُقدم حتى اليوم منذ نحو 30 عاماً.
البرنامج الأكثر شهرة وشعبية لها كان "ستوديو عشرة" الذي لا يزال يُقدم حتى اليوم منذ نحو 30 عاماً.

حين دخلت أمل المدرس مبنى الإذاعة والتلفزيون لأول مرة لم تكن تعي حقيقة امتلاكها صوتاً إذاعياً "فريداً" له القدرة على التأثير في قلوب العراقيين، حتى التقط نبرة صوتها مدير الإذاعة عبد الجبار ولي، ليقول جازماً بعد اختبار جرى بمحض الصدفة "أمل أنت مذيعة".

خلال مسيرتها الممتدة لأكثر من 60 عاماً من العمل، قدمت أمل المدرس العديد من البرامج المهمة، منها برنامجها التلفزيوني الشهير "عشر دقائق" الذي استمر أكثر من 35 عاماً رغم قصر وقته وعرضه يوم الجمعة أسبوعياً.

وقدمت العديد من البرامج الإذاعية منها "نادي الإذاعة" و"من حياتي" الذي كان تتم كتابته بالاقتباس من رسائل المستمعين، لتتحول إلى تمثيليات قصيرة تروي المدرس من خلالها حكايات الجمهور ومشاكله.

أما البرنامج الأكثر شهرة وشعبية فكان "ستوديو عشرة" الذي لا يزال يُقدم حتى اليوم منذ نحو 30 عاماً.

حازت المدرس على العديد من الألقاب خلال مسيرتها المهنية، منها "كروان الإذاعة" و"مذيعة القرن" في استفتاء شعبي لقناة الشباب عام 2000. كما تم تكريمها من قبل منظمة "امرأة العام البريطانية" في عامي 2004 و2017، وكرمتها الجامعة العربية كأفضل إعلامية عراقية عام 2017، وكُرمت من قبل اتحاد الإذاعات العربية في تونس وحصلت على لقب "سيدة الأثير".

 

تدريب مكثف

ولدت أمل المدرس عام 1947، في محافظة الديوانية جنوب العراق، قبل أن تنتقل مع عائلتها إلى بغداد، وهي بعمر العشر سنوات فقط، وتغيرت حياتها تماماً حين توجهت وهي بعمر 15 عاماً إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون عام 1962، برفقة صديقتها فوزية عارف التي كانت على موعد لاختبار التمثيل.

نجحت عارف بالدخول إلى عالم الفن، وأصبحت واحدة من أهم الممثلات في العراق، وكان أشهر أعمالها "عالم الست وهيبة" الذي أثار ضجة كبيرة خلال عرضه في تسعينيات القرن الماضي، وخلال عرض جزئه الثاني رمضان الماضي، كما دخلت صديقتها أمل عالم الإذاعة حين لاحظ نبرة صوتها مدير الإذاعة آنذاك عبد الجبار ولي الذي سلمها صفحة من جريدة لتقرأ منها، وما إن قرأت الخبر حتى قال لها المدير بحزم "أمل أنت مذيعة".

ولأنها كانت تحت السن القانوني تم قبولها للعمل بالاستفادة من بند قانوني يتعلق بـ"ذوي الكفاءات والمواهب الخاصة" الذين يمكن تعيينهم حتى لو كانت أعمارهم أقل من 18 عاماً.

وخلال العامين اللاحقين عملت المدرس مذيعة ربط (تقديم الأغاني والربط بين مادة وأخرى تليها) بحسب التقاليد المتبعة في الإذاعة آنذاك، كما قالت في لقاء تلفزيوني معها إنها خاضت فترة من التدريب في الصوت والإلقاء واللغة العربية بقيادة مشرف لغوي صارم، من أجل أن تخلو البرامج من أي أخطاء لغوية، والتحقت بقسم "التمثيليات والبرامج الخاصة"، الذي كان مسؤولاً عن إصدار البرامج المنوعة والثقافية والسياسية ويعتبر مدرسة لتعليم الإلقاء الإذاعي والتلفزيوني لعدم وجود معهد تدريب إذاعي آنذاك.

وكما تقول المدرس في لقاءاتها فإنه لم يكن من السهل أن يصل المذيع إلى درجة قراءة الأخبار إلا بعد ممارسة طويلة وتدريب مكثف. إذ تطلّب الأمر عامين كاملين لتنقل إلى قسم المذيعين وتصبح "مذيعة أخبار".

 

محاولة اغتيال

في أواخر أبريل عام 2007، وفي ذروة الحرب الطائفية في العراق، تأخر سائق المدرس الذي كان مكلفاً بنقلها من منزلها إلى مقر عملها في الإذاعة، فشعرت بالقلق وتوجست خيفة، لتقرر العودة إلى منزلها وانتظاره هناك، وما إن استدارت للعودة إلى منزلها حتى تحرك شخص كان يراقبها على الجهة المقابلة من الشارع وعبره باتجاهها قبل أن يرفع مسدسه فجأة ويطلق أربع رصاصات على رأسها.

تعثر القاتل خلال لحظة الاعتداء، وأخطأت رصاصاته منطقة الرأس لتصاب المدرس إصابات بالغة في الفك والرقبة وتسقط على الأرض مضرجة بدمائها.

اعتقد الجميع أنها توفيت لعدم استجابتها وإغمائها التام، وأعلنت وكالات الأنباء عن مقتلها الذي جاء بعد ثلاثة أسابيع من اغتيال زميلتها المذيعة خمائل محسن.

أعلنت وكالات الأنباء وفاتها وسرعان ما جرى تصحيح الخطأ، بأنها مصابة ودخلت في غيبوبة استمرت تسعة أيام، لتستيقظ على ألم مبرح ورحلة علاج مؤلمة امتدت أكثر من عام تنقلت خلالها بين العراق وسوريا والأردن.

تركت المدرس بعد محاولة اغتيالها العمل الإعلامي لنحو عشر سنوات قبل أن تعود في 2018، لتقديم برنامجها الأكثر شهرة "ستوديو عشرة".

في أحد اللقاءات التلفزيونية حين سئلت عن استهدافها، قالت المدرس "لم أكن أنا المستهدفة وحدي في عملية الاغتيال، بل كان الإعلام العراقي والإعلاميون العراقيون كلهم مستهدفين معي".

 

صوت الذكريات

يقول العراقي علي الظاهر، وهو خمسيني يعمل مدرساً للرياضيات، إن صوت أمل المدرس "أجمل وأعذب صوت سمعته في الإذاعة العراقية، وكان سماعي لصوتها العذب وأنا أتوجه للعمل صباحاً يجلب لي الأمل والتفاؤل، وأعتبره بداية مبهجة ليوم عمل مرهق يتطلب التعامل مع عدد كبير من الأطفال في مادة ليست سهلة على الكثير منهم".

فيما يُذكر صوتها المدرس كرار كاظم بوالدته التي رحلت قبل خمسة أعوام، يقول لـ"ارفع صوتك": "كانت والدتي ربة بيت بسيطة لها علاقة قوية مع البرامج الإذاعية، تشغلها خلال أعمالها في المنزل وتترقب بشكل خاص برنامج ستوديو عشرة الذي تقدمه أمل المدرس وكانت خلاله تستقبل مكالمات المواطنين وتتحدث معهم".

يضيف: "كنت أستمتع مع والدتي بهذا البرنامج وكنا نعلق على حكايات المتصلين واستجابة المذيعة معهم. اليوم أنا أعشق صوت أمل المدرس لأنه أصبح جزءا كبيرا من ذكرياتي مع والدتي خلال طفولتي. ليت تلك الأيام تعود".

بالنسبة لعلي كامل الخالدي، فإن سر حب العراقيين لأمل المدرس أنها "شخصية متزنة مثقفة وواعية ولا يمكن أن تجد اثنين من العراقيين يختلفون على شخصيتها أو صوتها أو أسلوبها"، على حدّ تعبيره.

يعود ذلك كما يقول علي لـ"ارفع صوتك"، إلى "خامة الصوت الرائعة وسلامة اللغة العربية وضبط مخارج الحروف، إضافة إلى جمال هيبتها وهندامها، فتشعر عند الاستماع إليها أو رؤيتها بالألفة، وكأنها جزء من عائلتك، وهو أمر بتنا نفتقده مع مقدمي البرامج حالياً مع الأسف".

أم حسين وهي موظفة متقاعدة، تعتبر  أن صوت أمل المدرس "مستحيل أن يتكرر ولم أجد شبيها أو قريبا منه في الوقت الحالي، فهو يرتبط بالكثير من الذكريات الجميلة قبل أن تشغلنا التكنولوجيا والهواتف الذكية عن الإذاعة التي كانت تقدم مسلسلات وبرامج ثقافية متنوعة".

 

"امرأة قدوة"

حكاية مديرة المتحف الإعلامي العراقي مينا أمير الحلو، مع صوت  أمل المدرس كما ترويها لـ"ارفع صوتك"، بدأت حين كانت في الصف الأول الابتدائي، وكانت تشاغب مع بقية الأطفال بالاتصال عبر الهاتف الأرضي على رقم مخصص لمعرفة التوقيت.

أعجبت مينا الطفلة بصوت المرأة الجميل وهي تقول "عند الإشارة تكون الساعة" وتكمل لتعطي التوقيت بالضبط.

تضيف: "ولأني أحببت صوتها، كنت بكل طفولة أتصل من جديد وأتحدث معها لكنها لم تكن تجيب عن أسألتي فكنت أسألها (خالة تسمعيني؟ ليش ما تحجين (تتكلمين) وياي (معي)".

غضبت الطفلة من المرأة على الجانب الآخر من الهاتف، تتابع الحلو بابتسامة واسعة "فذهبت لأشكوها عند والدتي التي ضحكت كثيراً، وفهمت منها أنه صوت مسجل وأن الصوت يعود للمذيعة أمل المدرس".

أنهت الحلو دراستها في معهد الفنون الجميلة وتشاء الأقدار أن تسعى للعمل في الإذاعة والتلفزيون، وحين جرى تأسيس متحف شبكة الإعلام العراقي "كنا بحاجة إلى صوت مسجل للترحيب بالضيوف، فعُدت إلى مرحلة الطفولة حين كان صوتها (المدرس) يبعث فيّ الاطمئنان والراحة والرغبة بأن تكون صديقة لي فبدأت البحث عنها من جديد".

حين عرفت أمل المدرس بالقصة، تقول الحلو "تبرعت بتقديم التسجيل بصوتها وبأعداد من المجلات العراقية القديمة، وعندما حضرت إلى المتحف رغم ظروف انتشار فيروس كورونا فوجئت بأسلوبها الذي يلخص أسباب استمرارها في العمل حتى اليوم، فهي متفانية وتتدرب كثيرا قبل قراءة أي نص مهما كان بسيطاً رغم سنوات عملها الطويلة وخبرتها".

وتؤكد "باختصار شديد نحن نقف أمام إنسانة راقية مثقفة محترمة هادئة مثل نسمة، ومريحة في بساطتها التي تأتي من شخصية متفانية وناجحة. وإذا أردنا اختصار الحديث عنها فيمكننا القول إن أمل المدرس امرأة قدوة".