نازل الملائكة وبدر شاكر السياب، صور أرشيفية
نازل الملائكة وبدر شاكر السياب، صور أرشيفية

خلّفت الحرب العالمية الثانية آثارًا اجتماعية كُبرى في الشرق الأوسط، بعدما بشّرت بظهور عالمٍ جديد حلمت فيه الشعوب العربية بأن تنال استقلالها، تلو عقودٍ من الاحتلال، لذا اشتعلت روح القومية والثورة في نفوس الكثير من أبناء الشرق.

لم تقتصر نتائج هذه الروح الثورية على الجوانب السياسية، إنما امتدّت إلى الأدب، بعدما ألهمت عددًا من الأدباء العرب للتمرد على قواعد الشعر العربي التقليدية، وتأليف قصائد لا تعترف بقواعد الوزن أو القافية أو العروض، عُرفت لاحقًا بـ"الشعر الحر". 

ووفقًا لما أورده أستاذ النقد صلاح الميّة في دراسته "الشعر الحر: مفهومه - أوليته"، فإن العرب عرفوا مصطلح "الشعر الحر" لأول مرة عن طريق الشاعر الفرنسي فرانس فيليه كرافن، الذي كتب عدة قصائد عام 1880م وصفها بأنها "شعرٌ حُر" أو "شعر متحرر" (Vers libre)، وقصد به نوعا جديدا من الشعر الذي يتجاهل القواعد العادية في العَروض.

ثلاثة شعراء عراقيون لعبوا دورا كبيرا في ترسيخ وجود الشعر الحر في الأدب العربي، هم نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي. ورغم ظهور محاولات قبلهم وبعدهم، إلا أن إنتاجهم شكّل لحظة فارقة في تاريخ هذا النوع من الشعر.

 

البحث عن "المتمرد الأول"

في عام 1947م أصدر الدكتور لويس عوض كتابه "بلوتولاند" - كتبه قبلها بثلاث سنوات وظلَّ حبيس الأدراج- تحدّث عنه ماهر فهمي أستاذ اللغة العربية في دراسته "الشعر الحر: نشأته وخصائصه"، قائلاً "كان الكتاب غريباً حقأ، غريباً في صورته، غريباً في مادته، وقد اضطر المؤلِّف بعد ذلك إلى سحبه من السوق".

وبدأ عوض كتابه بمقدّمة نارية دعا فيها إلى "تحطيم عمود الشعر" اعتبر فيها أن الشعر العربي مات عام 1923م بموت أحمد شوقي. وانتقد خلو الأدب العربي مما سمّاه "الشعر القصصي"، الذي يختصُّ بسرد حكاية معينة طوال القصيدة.

واعتبر أن سبب ذلك هو قيود الوزن والقافية التي تكبّل قُدرة الشعراء على السرد الطويل، واعتبر أيضا أن ذلك هو سبب خلو الأدب العربي من ملاحم شعرية على وزن هوميروس والإلياذة. 

كذلك، استعرض عوض محاولاته الأولى لكتابة شِعر يتمرّد على القواعد العربية الكلاسيكية فنظم عدة قصائد لا تلتزم بوحدة الوزن والقافية منحه اسم "شعر الخاصة".

وقال إن قصائده "الخاصة" قُوبلت بتجاهلٍ تام من النقاد حتى أن أحد أساتذة كلية الآداب قال لطلبته، إنه "يعتزم كسر رقبة لويس عوض اعتراضا على آرائه في الكتّاب".

على الرغم من أسبقية كتاب "بلوتولاند"، لا يمكن اعتباره بداية التأسيس الحقيقي للشعر الحر، نظرا لأن خطوة صاحبه قوبلت بتجاهل كبير وعزوف أي شاعر شاب عن محاولة التفاعل معها، كما أن تلك الدعوة لم تكن جديدة تمامًا، ففي مطلع القرن العشرين كتب محمد فريد أبو حديد وعلي أحد باكثير وأحمد زكي أبو شادي قصائد على هذه الشاكلة.

أيضًا، عرف العراق محاولة مبكرة جدا في فن الشعر الحر؛ ففي عام 1921م نشرت صحيفة "بغداد" قصيدة بعنوان "بعد موتي" ألّفها شاعر مجهول اكتفى بالتعبير عن نفسه بحرفي "ب. ب"، كما قام الأديب المصري إبراهيم المازني بمحاولة مماثلة عام 1924م بقصيدة حملت اسم "في جوارها".

هذه القصائد كانت مجرد محاولات فردية لا تنمُّ عن رغبة حقيقية لدى أصحابها في القيام بثورة في الشعر العربي، لذا يقول فهمي في دراسته، إن الخطوة الكبرى لإنتاج الشعر الحر أتت بعد نشر كتاب لويس عوض بعامين، حين أصدرت الشاعرة العراقية نازك الملائكة ديوانها "شظايا ورماد"، الذي تضمّن مجموعة من قصائد الشعر الحر منها قصيدتها الكوليرا التي كُتبت عام 1947م. 

الأهم من تلك القصيدة هو المقدّمة التي بدأت بها نازك ديوانها، التي يُمكن اعتبارها بداية التأسيس المنهجي لما سيُعرف لاحقا بالشعر الحر.

واعتبرت نازك أن الأوزان الشعرية كبّلت الشعراء لقرونٍ طويلة، إذ تقول "نحن عموما ما زلنا أسرى، تسيرنا القواعد التي وضعها أسلافنا في الجاهلية وصدر الإسلام، وما زلنا نلهث في قصائدنا ونجرُّ عواطفنا المقيدة بسلاسل الوزن القديمة وقرقعة الألفاظ الميتة".

وفي موضعٍ آخر من الكتاب، تضيف نازك "القافية الموحدة خنقت أحاسيس كثيرة، وَأَدَتْ معاني لا حصر لها في صدور شعراء أخلصوا لها".

في 1947م أيضًا، نُشرت قصيدة "هل كان حبًا" لبدر شاكر السياب (انتهى من تأليفها في نوفمبر 1946م). هذا التقارب الزمني خلق صراعا بين الشاعرين العراقيين حول أيُّهما أسبق في تأليف "أول قصيدة حُرة".

خلافٌ كان من الصعب حسمه حتى بين كبار النقاد؛ فناجي علوش، مثلاً، اعتبر أن السياب "رائد الشعر الحديث بلا منازع"، فيما وصف سيد قطب، نازك، بأنها "رائدة كوكبة من الشعراء في العراق وفي لبنان يمثّلون فجرا جديدًا للشعر العربي".

من جانبه، اعترف السياب لأحمد باكثير بريادة الشعر في مقالٍ نشره في مجلة الآداب البيروتية قائلاً "إذا تحرينا الواقع، وجدنا أن الأستاذ علي أحمد باكثير هو أول من كتب على طريقة الشعر الحر في ترجمته لرواية (روميو وجولييت) لشكسبير"، لكن السياب عاد بعدها وقلّل من أهمية السَبق مؤكدا "مهما يكن فإن كوني أنا ونازك أو باكثير أول مَن كتب الشعر الحر أو آخر مَن كتب ليس بالأمر المهم، إنما المهم أن يكتب الشاعر فيجيد فيما كتبه".

وبحسب "الماجد" فإن فضل السبق في هذا المجال لا يُمكن أن يكون لنازك الملائكة، لكن يُحسب لها أنها أول من قنَّنت ذلك الفن الشعري أدبيا فكتبت فيه كثيرا وحاولت وضع بعض القواعد الفنية له حتى "تصونه من العبث" على حد قولها، فكانت المُنظِّرة الأولى له، لذا ارتبط بِاسمها باعتبارها راعيته الأولى، رغم أنها لم تكن صاحبة أولى محاولات تأليفه.

وفي الطبعة الخامسة من كتابها "قضايا الشعر المعاصر" التي صدرت عام 1978م تراجعت نازك عن اعتبار نفسها أول مَن مارس الشعر الحر.

كتبت: "عام 1962م حين صدرت الطبعة الأولى من كتابي هذا، وفيه حكمتُ أن الشعر قد طلع من العراق ومنه زحف إلى أقطار الوطن العربي، ولم يكن يوم أقررت هذا الحكم أدري أن هناك شعرا حرا قد نُظم قبل 1947م، ثم فوجئت بعد ذلك بأن هناك قصائد حرة ومعدودة ظهرت في المجلات الأدبية والكتب منذ عام 1932م". 

عام 1949م، أصدر الشاعر المصري عبدالرحمن الشرقاوي قصيدته الشهيرة "خطاب مفتوح من أبٍ مصري إلى الرئيس ترومان، يقول في مطلعها:

يا سيدي

إليك السلام وإن كنت تكره هذا السلام

وتغري صنائعك المخلصين لك يبطشوا بدعاة السلام

ولكنني، سأعدل عن مثل هذا الكلام

وأوجز في القول ما أستطيع

فأنتَ معني بشتّى الأمور، بكل الأمور

بطبيعة الحال كان أكبر المتحمسين لهذه القصيدة لويس عوض الذي كتب عن القصيدة قائلاً "أما عبدالرحمن الشرقاوي فقد أنشأ لنا طريقة جديدة في الأداء لم نألفها من قبل، واستحدث لنا صورة للشعر ما كان يمكن أن تكون في الماضي".

قوبلت قصيدة الشرقاوي بحفاوة نقدية كبيرة في مصر. قال فهمي، إنه عقب قصيدة الشرقاوي تتالى إصدار دواوين العديد لشعراء سارت قصائدهم على نفس النسق المتحرر؛ ففي عام 1954 صدر ديوان "أباريق مهشمة" لعبدالوهاب البياتي، وبعدها بعامين صدر ديوان "قصائد" لنزار قباني، وفي عام 1957 صدر ديوان "الناس في بلادي" لصلاح عبد الصبور، وبدأت العديد من الدوريات الأدبية في الاهتمام بقصائد الشعر الحُر.

 

الجذور الأدبية: الموشحات الأندلسية

يقول عبدالله الماجد في أطروحته "بدايات الشعر الحر"، إن أولى المحاولات للخروج عن عروض الشعر -التي وضع قواعدها الخليل الفراهيدي- جاءت على أيدي المولدين في صدر الدولة العباسية، كذلك نُقل عن الشاعرين أبي نواس وأبي العتاهية أبيات قليلة خرجوا فيها عن القواعد.

وبحسب كثيرٍ من علماء اللغة، فإن الموشحات الأندلسية تعدُّ أشهر وأجرأ محاولات التمرُّد على قواعد الشعر العربي القديم؛ فحسبما أورد لويس عوض في كتاب "بلوتولاند"، فإن الأندلسيين ضاقوا بأشكال الشعر العربي وقوالبه فعدلوا عن نظام القافية الواحدة وانصرفوا عن الأوزان ذات الدوي، فكسروا بذلك عمود الشعر العربي الفخم، وأقاموا مكانه عمودا جديدا رشيقا بديع التكوين.

وأضاف عوض "رغم تحطيم الأندلسيين لعمود الشعر العربي، فقد نظموا شعرا لا سبيل إلى إنكار عربيته، وبهذا صان الأندلسيون اللغة العربية في صميمها رغم ثورتهم على قوالب الشعر النمطية".

وعلّق أستاذ اللغة العربية، ماهر فهمي، على ذلك، بالقول إن الموشحات الأندلسية "خرجت لتعبّر عن الحياة الجديدة بما فيها من مرح تعرفه أوروبا، وبما فيها من طبيعة ضاحكة، وهو فنُّ لم يتقبله أهل المشرق أبدًا رغم نجاحه الساحق في الأندلس".

من جانبها، رفضت نازك الملائكة اعتبار أن للموشحات الأدبية أصلاً في ظهور الشعر الحر، إذ تقول "المشهور منها يقوم على أساس المقطوعة، يحافظ على طولٍ ثابت للأشطر حتى إذا تساهل بعض التساهل في الطول، فإن ذلك يجري في حدودٍ معينة تجعل الموشح أبعد ما يكون عن الشعر الحر، وإنما الشعر الحر شعر تفعيلة بينما بقي الموشح شعرا شطريا".

 

الجذور الاجتماعية: الثورة والحرب

في دراسته "معنى الشعر الحر ونشأته في الأدب العربي"، كتب أستاذ اللغة العربية، شمس أنجم، أن الشعر الحر بدأ في الظهور مع نمو الوعي العربي بفضل اتساع حركة الترجمة وإرسال البعثات العلمية إلى أوروبا واتساع دوائر اطلاع الشعراء العرب على الشعر الأوروبي.

واقترن انتعاش الشعر الحر المتمرد على قواعد الشعر التقليدية بأجواءٍ ثورية عاشها الكتّاب وتأثروا بها؛ ففي عام 1947 الذي نشر فيه لويس عوض كتابه، كانت مصر تضطرم بالمظاهرات المُندِّدة للاحتلال الإنجليزي، وشاعت الاغتيالات السياسية في الشارع المصري، وكذلك اشتباكات الفدائيين مع الجيش البريطاني في القناة.

وانطلقت سُلطة الدولة تلاحق عددا كبيرا من المفكرين، منهم عوض نفسه، الذي قُبض عليه بتهمة "مناهضة الاستعمار"، وقال عوض إنه "في هذا الجو المكهرب كتب (بلوتولاند)". 

في العام نفسه، كتبت نازك الملائكة قصيدتها الحرة "الكوليرا"، تأثرًا بالأجواء الساخنة التي عاشتها مصر بعدما وصلتها أخبار مرض الكوليرا الذي راح يحصد أرواح الآلاف بلا هوادة.

وقال محمد الكتاني في كتابه "الصراع بين القديم والجديد في الأدب العربي الحديث"، إن الحرب العالمية الثانية خلقت تطورا أيدولوجيا حاسما عند طبقة من المثقفين والشعراء، دفعتهم إلى تجاوز التقاليد والحدود المغلقة اجتماعيا وفنيا، فكانت ثورتهم على تقاليد الصناعة الفنية ثورة مرتبطة بوعي شامل ينشد التغيير الجذري للواقع العربي، لذا جاءت حركة الشعر الحر في العراق في أجواءٍ تنشد ظهور أيدولوجية اجتماعية وثقافية جديدة ملائمة للعصر، ولم يكن مجرد هواية فنية تبحث عن تقليد الشعر الأوروبي وحسب".

 

العقاد والرصافي أبرز المعارضين

انتقد معروف الرصافي الشعر الحر بشدة، فكتب قائلاً "كلما حاولتُ أن أفهم معنى صحيحا للتجدد الذي يدعون إليه لم أستطع ولم أفهم ماذا يريدون من التجديد، ثم كان قراري على ما استنتجته من أقاويلهم أن التجديد هو تقليد الغربيين في شعرهم وأدبهم، مع أن الشعر هو الوحيد الذي يستحيل فيه التقليد".

وحسبما ورد في كتاب "في الثقافة المصرية" لمحمود العالم وعبدالعظيم أنيس، فإن العقاد كان أكثر المتزعمين لحركة رفض الشعر الحر؛ فكان العقاد -وهو رئيس لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للفنون والآداب بمصر- يحوّل كل قصيدة ترد إليه من الشعر الحر إلى لجنة النثر دلالة على عدم اعترافه بها.

كذلك رفض العقاد مشاركة أصحاب الشعر الحر في مهرجان الشعر بدمشق بدعوى أنهم لا يعرفون أصول الشعر العربي، فردَّ عليه الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي بقصيدة ساخطة قال فيها:

من أي بحر عصيّ الريح تطلبه

إن كنت تبكي عليه نحن نكتبه

يا من يحدث في كل الأمور ولا

يكاد يحسن أمراً أو يقربه.

لم تفلح هذه المعارضة في إجبار الكثير من الشعراء على قرض الشعر الحر، وحقّق انتشاراً كبيراً بين الأدباء العرب، لا يزال مستمراً إلى اليوم.

مواضيع ذات صلة:

توماج صالحي في صورة من حسابه على انستغرام
توماج صالحي في صورة من حسابه على انستغرام

"نحن صوت الغضب الشعبي الذي جرى إسكاته، لا تنعتنا بالمتمردين، نحن الثوار". "كانت جريمة شخص ما أن شعرها كان يتدفق في مهب الريح. كانت جريمتها أنها كانت شجاعة وصريحة".

هذا نموذج من كلمات أغاني مغي الراب الإيراني الشهير توماج صالحي التي قد تكّلفه حياته.

بسبب هذه الكلمات وغيرها، حكم القضاء الإيراني على توماج بعقوبة الإعدام، بعد إدانته باتهامات تتعلق بالاضطرابات التي شهدتها إيران في عامي 2022 و2023 على خلفية مقتل الشابة مهسا أميني في أحد فروع الشرطة، بعد إلقاء القبض عليها لاتهامها بارتداء حجاب "غير لائق".

في أعقاب نجاح "الثورة الإسلامية" في إيران في العام 1979 جرى حظر جميع أنواع الموسيقى في البداية.

بعدها "رضخ قادة الجمهورية الإسلامية للحاجة إلى السماح ببعض الموسيقى"، كما تقول الباحثة ناهد سيامدوست في كتابها "أغنية الثورة: سياسة الموسيقى في إيران".

ومع ذلك، تتابع سيامدوست، "خنق قادة الثورة الموسيقى التي لا تخدم مصالحهم السياسية والأيديولوجية، وحظروا الموسيقى التي يرون أنها تهدد تلك المصالح، وسهلوا ظهور ثقافة موسيقية شعبية ولكنها ضحلة، في حين تزدهر ثقافة فرعية عاجزة رسميًا ولكنها مفعمة بالحيوية خارج المجال العام الرسمي".

توماج صالحي ينتمي إلى هذا النوع من الموسيقى التي تغضب النظام. وهو تخصّص بموسيقى "الراب" التي تلقى قبولاً كبيراً من فئة الشباب. والراب شكل موسيقي متفرّع من الهيب هوب، وهناك خلاف حول قصة نشأة هذا الفن، إذ يقول البعض انه بدأ في أميركا فيما يشير آخرون إلى أماكن أخرى، كما يؤكد الباحث سيد عبد الحميد في كتابه "فن الشارع- حكايات عن كتابة الراب والموسيقى".
 

يخلق مغنو الراب الخاصون بكل بلد ما يناسبه من كلمات ومواضيع، بحسب عبد الحميد، وهو فنّ يعتمد على الإيقاع السريع للكلمات والموسيقى (beat)، ويصيغ المغني أكبر عدد من الأفكار في جمل قليلة جداً، تشكّل موضوع الأغنية.

هذا النوع من الغناء السريع والمكثّف والمباشر في معانيه جعل من توماج صالحي، الذي يبلغ من العمر 33 عاماً، أحد أكثر المغنين شعبية في إيران، خاصة بعد أن دعم في أغانيه الاحتجاجات التي استمرت شهوراً وجرى قمعها بالقوة.

اعتقل صالحي في أكتوبر 2022 بعد الإدلاء بتصريحات علنية داعمة للاحتجاجات على مستوى البلاد، وواجه منذ البداية تهماً خطيرة، من بينها تهمة "الإفساد في الأرض" التي تصل عقوبتها إلى الإعدام.

وفي العاشر من يوليو 2023، قضى الفرع الأول من المحكمة الثورية في أصفهان بعدم إثبات حد تهمة "الإفساد في الأرض" ضد صالحي، وحكم عليه بالسجن ست سنوات وفقاً للقانون الإسلامي.

بدا حينذاك أن "الرابر" الإيراني نجا من مصير الإعدام، ثم شهدت قضيته انفراجاً آخر في 18 نوفمبر من العام 2023، حيث أطلقت المحكمة سراحه بكفالة مالية بعد إلغاء الحكم وإعادة القضية إلى المحكمة الابتدائية.

أمضى صالحي 12 يوماً خارج السجن فقط. والتقى خلالها بالمخرجين الإيرانيين جعفر بناهي ومحمد رسولوف، الذين مرّا بتجارب السجن وقد أطلق سراحهما أيضاً بكفالة. لكن سرعان ما أعادت السلطات الإيرانية اعتقال المغني الشاب في الثلاثين من نوفمبر، وفتحت قضية جديدة ضده، بعد نشره فيديو على الإنترنت اتهم فيه المحققين بإساءة معاملته.

وفي 18 أبريل الجاري، عقد الفرع الأول للمحكمة الثورية في طهران جلسة محاكمة جديدة لصالحي، بعد إضافة تهم جديدة إلى القضية، بحسب محاميه. وحكمت المحكمة عليه بالإعدام بتهمة "الإفساد في الأرض"، كما اتهمت المحكمة الثورية صالحي بـ"التحريض على الفتنة والتجمع والتآمر والدعاية ضد النظام والدعوة إلى أعمال شغب"، بحسب المحامي.

منظمة "هيومن رايتس ووتش" وصفت الحكم ضد صالحي بأنه "اعتداء وحشي وشائن على الحريات الأساسية والحق في محاكمة عادلة". وقالت الباحثة في شؤون إيران في المنظمة تارا سبهري فر إن "الحكومة الإيرانية جعلت المحاكم الجائرة حجر أساس في قمعها الوحشي للمعارضة الشعبية".

محامي صالحي أكد أن "الحكم شابته أخطاء قانونية كبيرة، بما في ذلك تعارضه مع حكم المحكمة العليا"، مؤكداً أن موكّله عازم على الاستئناف.

فهل تنجح الضغوط على إيران من نشطاء حقوق الإنسان والمنظمات الدولية في فكّ حبل المشنقة عن رقبة توماج صالحي؟