أثارت الأعمال الدرامية التاريخية الجدل دائما، سواء فيما يتعلق بتجسيد الشخصيات الدينية أو مدى التزامها بالوقائع التاريخية.
أثارت الأعمال الدرامية التاريخية الجدل دائما، سواء فيما يتعلق بتجسيد الشخصيات الدينية أو مدى التزامها بالوقائع التاريخية.

مع كل إعلان عن قرب صدور عمل درامي تاريخي، يتجدد السجال حول مضامين العمل ومدى إخلاصه للوقائع التاريخية.

ويتخذ السجال طابعا عقديا، تغذيه الحساسيات الطائفية، إذا تمحور العمل حول شخصية تاريخية يكتنفها الجدل، كما هو حاصل اليوم مع مسلسل "معاوية بن أبي سفيان" المزمع عرضه في رمضان القادم.

 

تجسيد الشخصيات الدينية

 

ظل تجسيد الشخصيات التاريخية والدينية مثار نقاش حاد لم يهدأ منذ سبعينات القرن الماضي إلى اليوم. ووضعت المؤسسات الدينية الرسمية وغير الرسمية حظرا على تقمص الشخصيات الدينية، واعتبرت ذلك مسا بمكانتها وقدسيتها.

في مارس 1972، أصدر مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر في مصر فتوى حرم بموجبها تمثيل الصحابة وآل البيت و"الخلفاء الراشدين" والعشرة المبشرين بالجنة في المسلسلات التلفزيونية. وتبعتها على مدار العقود الماضية مؤسسات دينية أخرى بينها اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية والمجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي الذي شدد في فتاويه على حرمة تجسيد شخصيات الأنبياء ورجال صدر الإسلام الأول و"تحريم إنتاج هذه الأفلام والمسلسلات، وترويجها والدعاية لها واقتنائها ومشاهدتها والإسهام فيها وعرضها في القنوات، لأن ذلك قد يكون مدعاة إلى انتقاصهم والحط من قدرهم وكرامتهم، وذريعة إلى السخرية منهم، والاستهزاء بهم".

كان مسلسلا "يوسف الصديق" و"عمر" من أكثر الإنتاجات متابعة وإثارة للجدل في السنوات الأخيرة.
الأنبياء والأئمة والصحابة.. كيف ظهرت الشخصيات الدينية في السينما والتلفزيون؟
تعود فكرة تجسيد الأنبياء والشخصيات المقدسة بشكل درامي لفترة مبكرة من عمر الصناعة السينمائية في البلاد العربية. في سنة 1926م، عُرض على الممثل المصري يوسف بك وهبي تمثيل شخصية النبي محمد من قِبل شركة إنتاج ألمانية-تركية. وافق وهبي في البداية. وانتشر الخبر في الصحف ليخرج بعدها الأزهر ويهاجم مشروع الفيلم.

وطوال العقود الماضية، لجأ المخرجون إلى الاحتيال بواسطة مجموعة من التقنيات والمؤثرات البصرية لتعويض غياب بعض الشخصيات الرئيسية في أعمالهم. وتكون العملية بالغة التعقيد إذا كان العمل يتمحور حول شخصية أو عدة شخصيات لا يمكن تجسيدها بمقتضى فتاوى الحظر. فيتم تعويضها مثلا بمقاطع موسيقية وحركات الكاميرا كما فعل مصطفى العقاد في فيلم "الرسالة"، أو هالة من نور كما هو الحال في أعمال أخرى.

مع الوقت، خفت صرامة منع التجسيد وانحسر المنع من حرمة تجسيد جميع الصحابة إلى حرمة تجسيد العشرة المبشرين بالجنة مع السماح بمن سواهم، ثم استقر الحظر على الخلفاء الراشدين الأربعة فقط ثم راجت مواقف وفتاوى لا ترى بأسا في تجسيد ما سوى الرسول محمد.

وكان مسلسل "عمر" أضخم إنتاج درامي تم فيه تجسيد شخصية صحابي وخليفة راشد، وهو من إنتاج مشترك بين مركز تلفزيون الشرق الأوسط (MBC) وبين مؤسسة قطر للإعلام وعرض لأول مرة في 2012.

ورغم المؤاخذات التي أبداها التيار الإسلامي المحافظ بخصوص تجسيد شخصية عمر بن الخطاب إلا كثيرا من رموزه أعربوا عن إعجابهم بالعمل لأنه كرس الرؤية السنية لهذه الشخصية الإسلامية البارزة عندما "وضح المسلسل بجلاء مقصود العلاقة الحميمة بين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وبين علي وآل البيت"، كما كتب رجل الدين علوي السقاف في موقع الدرر السنية. أي أن ما رآه السقاف من "إيجابيات" في العمل، حسب رأيه، تغطي على ما يمكن أن يكون انتقاصا لمكانة عمر عبر تقمص شخصيته.

 

تاريخ أم خيال

 

هل الرواية التاريخية أو الدراما التاريخية توثيق أمين لأحداث الماضي أم إعادة خلق لها من جديد عبر خيال المبدع ومعالجاته الفنية؟

طبع هذا السؤال الأدب التاريخي أولا وانتقل منه إلى الدراما التاريخية. واليوم، يعود جانب من السجال الذي يدور حول المسلسلات التاريخية العربية إلى هذا السؤال بالضبط، إذ يتوقع قطاع عريض من المشاهدين أن تكون الأعمال سردا بصريا أمينا للوقائع والشخصيات التاريخية التي تتناولها، بينما يرى المبدعون وصناع الدراما أن مهمتهم ليست توثيقية أو تأريخية وإنما ينسجون عوالمهم استنادا إلى الخيال ممزوجا بالمادة التاريخية المتاحة أمامهم.

يقول وليد سيف كاتب عدد من المسلسلات التاريخية، بينها مسلسل "عمر" و"صقر قريش" و"صلاح الدين الأيوبي" وغيرها: "ليست غاية الدراما التاريخية أن تقدم سجلا مدرسيا مصورا لوقائع التاريخ المدون. في المقابل، لا يصح في نظري أن تضحي المعالجة الدرامية والفكرية بنسق الوقائع التاريخية".

ويضيف أنه رغم وجود المادة التاريخية إلا أنه "يبقى للكاتب مساحات فارغة معتبرة تملؤها مخيلته فيبتدع فيها مادة سردية شائقة من شخصيات ووقائع ومواقف لا تجدها في المدونة التاريخية".

ويرى المخرجون والفنانون أن للمعالجة الدرامية شروطها ومقوماتها وضروراتها أيضا، فقد تأخذ سطرا واحدا من نص تاريخي وتحوله إلى حبكة تستغرق ساعات طويلة من السرد البصري، كما فعل وليد سيف في مسلسله "صقر قريش" الذي تناول سيرة عبد الرحمن الداخل الأمير الأموي الذي هرب إلى الأندلس بعد سيطرة العباسيين على السلطة، وأسس هناك دولة امتدت لثلاثة قرون.

فالمراجع التاريخية لا تذكر مساهمة خادمه ورفيقه المسمى "بدر" في إنجاح مهمته في الأندلس، وربما اكتفت بعض المصادر بالعبارة التالية "وكان معه خادمه بدر" و أكثرها لا تورد سوى فقرات مقتضبة جدا عنه، لكن وليد سيف أعاد الاعتبار لبدر وجعل منه شخصية رئيسية في مسلسله.

ويعد مزج الواقع بالخيال تقليدا دارجا في الأدب والدراما التاريخيين، فقد كَتب جورجي زيدان منذ القرن التاسع عشر رواياته التاريخية اعتمادا على الخيال مع الحفاظ على الخطوط العريضة للوقائع التاريخية التي تناولتها، وفعل أمين معلوف الشيء نفسه في بعض أعماله التاريخية، وكذلك نجيب محفوظ في رواياته الفرعونية الأولى.

لكن ذلك لا يعني أن تجنح الدراما التاريخية الى التزييف والتحريف، حسب صناع السينما أنفسهم، بل على كاتبها "أن يتصرف مع المادة التاريخية المدونة وفقا لمقتضيات الفن الدرامي من جهة ووفقا لرؤيته الفكرية وأسئلته الإنسانية دون أن يخل بالحقائق التاريخية أو يتعسف في استقراء المادة التاريخية على نحو فج خدمة لمنظور أيديولوجي مسبق"، كما يحذر وليد سيف في سيرته "الشاهد والمشهود".

وفي ذات السياق، نبه الناقد السينمائي العراقي فراس الشاروط بأن صانع الدراما "وإن كان غير مطالب بالخضوع كليا لحقائق التاريخ فهو مطالب بعدم مناقضتها أو تجاهلها".

 

شخصيات جدلية

 

تجد الدراما التاريخية دوما نفسها في مرمى النقد، بسبب أنها غالبا ما تتناول شخصيات تاريخية مثيرة للجدل والانقسامات.

مسلسل "معاوية بن أبي سفيان" ليس استثناء في هذا الإطار، بل سبقته أعمال أخرى مثل "الحسن والحسين" و"خالد بن الوليد" و"صلاح الدين الأيوبي" و "عمر الفاروق" و"سليمان القانوني.. حريم السلطان" و"هارون الرشيد" وغيرها من الأعمال التي جسدت شخصيات مركبة عاشت حياة حافلة، وعاصرت أحداثا ظلت إلى اليوم محل خلاف بين المؤرخين والتيارات الدينية والمذهبية.

كانت الدراما التاريخية المصرية في البداية، كما يوضح المخرج حاتم علي (توفي في 2020)، تتناول شخصيات أقل إثارة للجدل مثل "الإمام الترمذي" و"الإمام الشافعي" و"عمر بن عبد العزيز". وكانت المعالجة الفنية لسيرهم يغلب عليها الطابع الوعظي المباشر. لكن مع انتقال مشعل الدراما، إلى سوريا بدأ الاهتمام يتجه نحو الشخصيات الجدلية في التاريخ الإسلامي.

وتطرح المعالجة الدرامية لسيرة هذه الشخصيات المثيرة للجدل الكثير من الصعوبات، خاصة  إذا كانت رمزا من رموز الانقسام الطائفي والمذهبي. هنا، ينبغي أن تكون كل قطعة حوار أو مشهد أو حتى لقطة محسوبة بعناية فائقة. وقد شبه المخرج حاتم علي عمله على مسلسل "عمر" بالسير على حقل من الألغام، وكان وزملاؤه يطلبون استشارات دينية على مدار فترة العمل على الفيلم.

أثار مسلسل "معاوية" وفيلم "أبو لؤلؤة" جدلا حادا في العراق، وتعرض لانتقادات شديدة.
"أبو لؤلؤة" و"معاوية".. هل ينهي منع البث الجدل؟
أعلنت قناة الشعائر الفضائية منذ أيام نيتها إنتاج فيلم سينمائي بعنوان "شجاعة أبو لؤلؤة"، فيما يبدو كرد عن استعداد قناة "إم بي سي" عرض مسلسل عن معاوية بن أبي سفيان. كما هو متوقع، أثار هذا الخبر عاصفة من الجدل والنقاش داخل العراق وخارجه.

يعترف حاتم علي أن "التداخل بين التاريخ والدين هي إحدى المعضلات التي تواجهنا كصناع عمل فني"، لذلك نجد أن معظم المسلسلات التاريخية قد شكلت لجانا من علماء الدين لمراجعة سيناريوهاتها قبل الدفع بها إلى التنفيذ.

ورغم موقف الأزهر المناهض للدراما التي تجسد شخصيات من صدر الإسلام الأول، إلا أن لجانا منه تقوم بتمحيص نصوص بعض الأعمال الدرامية قبل الموافقة على إخراجها.

وقد ألقت اليوم الصراعات السياسية والأيديولوجية بضلالها على الأعمال الدرامية التاريخية. وتقوم عدد من الدول برصد ميزانيات ضخمة لصناعة دراما تاريخية تعزز مكانتها ورؤيتها لصراعات الحاضر. كان ذلك واضحا في الدراما التاريخية التركية التي مجدت التاريخ العثماني، مقابل أعمال مصرية مجدت "المماليك" الذين خاضوا معارك ضارية ضد العثمانيين.

وفي إطار التأويل الطائفي للأعمال الدرامية، أعلنت قناة "الشعائر" العراقية عن رصدها ميزانية ضخمة لإنتاج مسلسل تاريخي بعنوان " شجاعة أبي لؤلؤة"، وذلك ردا فيما يبدو على مسلسل "معاوية بن أبي سفيان" الذي ستبثه "إم بي سي" في رمضان.

وأبو لؤلؤة فيروز هو الرجل الذي اغتال عمر بن الخطاب. وقالت القناة في منشور على صفحتها في فيسبوك بأن العمل سيكون أكبر إنتاج إسلامي.

مواضيع ذات صلة:

توماج صالحي في صورة من حسابه على انستغرام
توماج صالحي في صورة من حسابه على انستغرام

"نحن صوت الغضب الشعبي الذي جرى إسكاته، لا تنعتنا بالمتمردين، نحن الثوار". "كانت جريمة شخص ما أن شعرها كان يتدفق في مهب الريح. كانت جريمتها أنها كانت شجاعة وصريحة".

هذا نموذج من كلمات أغاني مغي الراب الإيراني الشهير توماج صالحي التي قد تكّلفه حياته.

بسبب هذه الكلمات وغيرها، حكم القضاء الإيراني على توماج بعقوبة الإعدام، بعد إدانته باتهامات تتعلق بالاضطرابات التي شهدتها إيران في عامي 2022 و2023 على خلفية مقتل الشابة مهسا أميني في أحد فروع الشرطة، بعد إلقاء القبض عليها لاتهامها بارتداء حجاب "غير لائق".

في أعقاب نجاح "الثورة الإسلامية" في إيران في العام 1979 جرى حظر جميع أنواع الموسيقى في البداية.

بعدها "رضخ قادة الجمهورية الإسلامية للحاجة إلى السماح ببعض الموسيقى"، كما تقول الباحثة ناهد سيامدوست في كتابها "أغنية الثورة: سياسة الموسيقى في إيران".

ومع ذلك، تتابع سيامدوست، "خنق قادة الثورة الموسيقى التي لا تخدم مصالحهم السياسية والأيديولوجية، وحظروا الموسيقى التي يرون أنها تهدد تلك المصالح، وسهلوا ظهور ثقافة موسيقية شعبية ولكنها ضحلة، في حين تزدهر ثقافة فرعية عاجزة رسميًا ولكنها مفعمة بالحيوية خارج المجال العام الرسمي".

توماج صالحي ينتمي إلى هذا النوع من الموسيقى التي تغضب النظام. وهو تخصّص بموسيقى "الراب" التي تلقى قبولاً كبيراً من فئة الشباب. والراب شكل موسيقي متفرّع من الهيب هوب، وهناك خلاف حول قصة نشأة هذا الفن، إذ يقول البعض انه بدأ في أميركا فيما يشير آخرون إلى أماكن أخرى، كما يؤكد الباحث سيد عبد الحميد في كتابه "فن الشارع- حكايات عن كتابة الراب والموسيقى".
 

يخلق مغنو الراب الخاصون بكل بلد ما يناسبه من كلمات ومواضيع، بحسب عبد الحميد، وهو فنّ يعتمد على الإيقاع السريع للكلمات والموسيقى (beat)، ويصيغ المغني أكبر عدد من الأفكار في جمل قليلة جداً، تشكّل موضوع الأغنية.

هذا النوع من الغناء السريع والمكثّف والمباشر في معانيه جعل من توماج صالحي، الذي يبلغ من العمر 33 عاماً، أحد أكثر المغنين شعبية في إيران، خاصة بعد أن دعم في أغانيه الاحتجاجات التي استمرت شهوراً وجرى قمعها بالقوة.

اعتقل صالحي في أكتوبر 2022 بعد الإدلاء بتصريحات علنية داعمة للاحتجاجات على مستوى البلاد، وواجه منذ البداية تهماً خطيرة، من بينها تهمة "الإفساد في الأرض" التي تصل عقوبتها إلى الإعدام.

وفي العاشر من يوليو 2023، قضى الفرع الأول من المحكمة الثورية في أصفهان بعدم إثبات حد تهمة "الإفساد في الأرض" ضد صالحي، وحكم عليه بالسجن ست سنوات وفقاً للقانون الإسلامي.

بدا حينذاك أن "الرابر" الإيراني نجا من مصير الإعدام، ثم شهدت قضيته انفراجاً آخر في 18 نوفمبر من العام 2023، حيث أطلقت المحكمة سراحه بكفالة مالية بعد إلغاء الحكم وإعادة القضية إلى المحكمة الابتدائية.

أمضى صالحي 12 يوماً خارج السجن فقط. والتقى خلالها بالمخرجين الإيرانيين جعفر بناهي ومحمد رسولوف، الذين مرّا بتجارب السجن وقد أطلق سراحهما أيضاً بكفالة. لكن سرعان ما أعادت السلطات الإيرانية اعتقال المغني الشاب في الثلاثين من نوفمبر، وفتحت قضية جديدة ضده، بعد نشره فيديو على الإنترنت اتهم فيه المحققين بإساءة معاملته.

وفي 18 أبريل الجاري، عقد الفرع الأول للمحكمة الثورية في طهران جلسة محاكمة جديدة لصالحي، بعد إضافة تهم جديدة إلى القضية، بحسب محاميه. وحكمت المحكمة عليه بالإعدام بتهمة "الإفساد في الأرض"، كما اتهمت المحكمة الثورية صالحي بـ"التحريض على الفتنة والتجمع والتآمر والدعاية ضد النظام والدعوة إلى أعمال شغب"، بحسب المحامي.

منظمة "هيومن رايتس ووتش" وصفت الحكم ضد صالحي بأنه "اعتداء وحشي وشائن على الحريات الأساسية والحق في محاكمة عادلة". وقالت الباحثة في شؤون إيران في المنظمة تارا سبهري فر إن "الحكومة الإيرانية جعلت المحاكم الجائرة حجر أساس في قمعها الوحشي للمعارضة الشعبية".

محامي صالحي أكد أن "الحكم شابته أخطاء قانونية كبيرة، بما في ذلك تعارضه مع حكم المحكمة العليا"، مؤكداً أن موكّله عازم على الاستئناف.

فهل تنجح الضغوط على إيران من نشطاء حقوق الإنسان والمنظمات الدولية في فكّ حبل المشنقة عن رقبة توماج صالحي؟