Asghar Farhadi poses for photographers upon arrival at the Women in Motion Awards during the 75th international film festival,…
Asghar Farhadi poses for photographers upon arrival at the Women in Motion Awards during the 75th international film festival, Cannes, southern France, Sunday, May 22, 2022. (Photo by Vianney Le Caer/Invision/AP)

فرضت السينما الإيرانية حضورها على المهرجانات الدولية في العقود الأخيرة. على الرغم من القيود الكثيرة التي وضعها النظام الإيراني على حرية الإبداع والتعبير تمكن صنّاع الأفلام من حصد الكثير من الجوائز الرفيعة المستوى في شتى أنحاء العالم. نسلط الضوء في هذا المقال على ثلاثة من أهم المخرجين السينمائيين الإيرانيين في الفترة الأخيرة لنرى كيف تمكنت السينما الإيرانية من التحليق عالياً من خلال معالجتها لعدد من الموضوعات المتفردة وغير المطروقة.

 

عباس كيارستمي.. رائد الرمزية الشاعرية

 

ولد عباس كيارستمي في العاصمة الإيرانية طهران في سنة 1940م. وتوفي في سنة 2016م في العاصمة الفرنسية باريس عن عمر ناهز السادسة والسبعين عاماً. أخرج كيارستمي ما يزيد عن 40 فيلماً، كما شارك بكتابة السيناريو والحوار للكثير من تلك الأعمال. تميزت أعمال عباس كيارستمي بالميل إلى الرمزية والشاعرية وتسليط الضوء على الريف الإيراني البسيط، كما اهتمت أعماله بمقاربة القضايا الفلسفية من خلال الحوارات الطويلة بين الشخصيات.

المخرج عباس كيارستمي خلال عرض فيلمه "شيرين" في الدورة 65 لمهرجان البندقية السينمائي في إيطاليا، في 28 أغسطس 2008.

تُعدّ ثلاثية كوكر من أشهر الأعمال التي قام كيارستمي بإخراجها. تتكون تلك الثلاثية من ثلاثة أفلام شهيرة، وهي "أين منزل صديقي؟" في سنة 1987م، و"تستمر الحياة" في سنة 1992م، و"تحت شجر الزيتون" في سنة 1994م. نُسبت الأفلام الثلاثة إلى قرية كوكر الريفية الواقعة في شمال إيران والتي وقع فيها واحد من أشهر الزلازل المدمرة في إيران في نهايات القرن العشرين.

في فيلم "أين منزل صديقي؟" يسلط كيارستمي الضوء على معاني القيمة والمسؤولية والولاء من خلال قصة بسيطة للغاية. طفلان فقيران في مدرسة فقيرة بكوكر. ينسى أحدهما كتابه في حقيبة الآخر. وعندما يجد الطفل الكتاب في حقيبته يخشى أن يتعرض زميله للعقاب من قِبل المعلم في الغد عندما يجد أنه لم يؤدِّ واجباته المدرسية. عندها يبدأ الطفل في رحلة شاقة وصعبة للوصول إلى منزل صديقه. يُطلعنا كيارستمي في تلك الرحلة على البؤس الذي يعيش فيه الإيرانيون. وفي النهاية لم يتمكن الطفل الصغير من العثور على المنزل. فيختار أن يؤدي الواجب المدرسي لنفسه ولزميله حتى ينقذه من العقاب. تلقى هذا الفيلم الإشادة من قِبل جماعة النقاد السينمائيين وقتها، وفاز بجائزة النمر البرونزي في مهرجان لوكارنو السينمائي في سنة 1989م.

أيضاً، يُعدّ فيلم "طعم الكرز" الذي عُرض في سنة 1997م واحداً من أهم التجارب السينمائية لكيارستمي. يحكي الفيلم عن رجل يريد الانتحار. ويعتزم أن يتناول جرعة كبيرة من الحبوب المنومة ثم يستلقي بعدها في حفرة في مكان منعزل. كانت مشكلة الرجل أنه يريد العثور على شخص يقوم بدفنه بعد الوفاة. يتجول الرجل بسيارته في المدينة بحثاً عن هذا الشخص. ويلتقي بثلاثة رجال مختلفين. ويعرض على كل منهم أن يضطلع بمهمة دفنه. وفي كل مرة يخوض نقاشاً وجدالاً حول معاني الموت والحياة. احتفى النقاد كثيراً بهذا العمل. وفاز كيارستمي بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي في سنة 1997م. بشكل عام، اُعتبر عباس كيارستمي واحداً من أهم السينمائيين الذين ظهروا في النصف الثاني من القرن العشرين. وعبّر المخرج الفرنسي-السويسري الكبير جان لوك غودار عن هذا المعنى في مقولته الشهيرة: "السينما تبدأ بدي دبليو غريفيث وتنتهي عند عباس كيارستمي".

 

مجيد مجيدي.. أن ترى العالم من منظور الأطفال!

 

ولد مجيد مجيدي في طهران في سنة 1959م في أسرة من الطبقة المتوسطة. اهتم مجيدي بالتمثيل والإخراج منذ فترة مبكرة من عمره. ودرس في معهد الفنون المسرحية في طهران.

فرض مجيدي أسمه على الساحة السينمائية في إيران من خلال إخراجه للعشرات من الأفلام المهمة، ومن أهمها كل من "أطفال السماء" في سنة 1997م، و"لون الفردوس" في سنة 1999م، و"باران" في سنة 2001م، و"أغنية العصافير" في سنة 2008م، و"محمد رسول الله" في سنة 2015م، و"خورشيد" في سنة 2020م.

المخرج ماجد مجيدي يقف أمام المصورين خلال الدورة 77 لمهرجان البندقية السينمائي في إيطاليا، في 6 سبتمبر 2020.

يقدم مجيد مجيدي عالمه السينمائي الفريد معتمداً -بالمقام الأول- على تسليط الضوء على الأطفال. اختار مجيدي أن يمنح الصغار البطولة المطلقة، وأن ينظر إلى العالم من خلال عيونهم الحالمة والتعيسة. حينما  سُئل مجيد مجيدي في بعض اللقاءات عن سبب تفضيله لمراقبة العالم من منظور الأطفال في أفلامه قال: "عالم الأطفال هو عالم النقاء والإخلاص، إنهم يؤمنون بكل ما تقوله لهم"، كما أضاف في مقابلة أخرى "إن براءة الأطفال لها أثر علينا، وهذا ما أرغب دائماً في التعبير عنه".

حكي مجيدي في فيلمه "أطفال السماء" قصة شقيقين لأسرة فقيرة. يضيع حذاء الأخت الصغيرة أثناء الإصلاح. ويتحمل الأخ المسؤولية عندها. يتبادل حذاءه الشخصي مع أخته. فينتظر في منزله حتى عودتها ثم يأخذ منها الحذاء وينطلق إلى مدرسته. تظهر فرصة لإنهاء المعاناة اليومية عندما يعرف الأخ أن هناك مسابقة للجري، وأن الفائز بالمركز الثالث سوف يحصل على حذاء رياضي. يدخل الأخ السباق ممنياً نفسه بالحصول على الحذاء. ولكنه يحصل على المركز الأول في السباق ويحصل على جائزة تكريمية أخرى. ويُحرم من الحذاء المنشود لتستمر المعاناة في أجواء يسودها الفقر والبؤس والتعاسة. نال الفيلم استحسان النقاد. ورُشح لجائزة مهرجان كان، كما كان أول فيلم إيراني يتم ترشيحه في القائمة النهائية لجائزة أوسكار أفضل فيلم بلغة أجنبية.

تزيد جرعة المرارة في فيلمه "لون الفردوس". يطرح مجيدي عدداً من الأسئلة الفلسفية العميقة في هذا الفيلم من خلال قصة طفل صغير كفيف يعيش في إحدى المدارس الداخلية. ماتت أم هذا الطفل منذ سنين وتركت الطفل لأبيه الفقير الذي لا يريد أن يتحمل مسؤولية إعالة طفل عاجز. لا يريد الأب أن يذهب لاصطحاب ابنه عندما تنتهي الدراسة. ويفعل ذلك مُجبراً تحت ضغط من أمه العجوز. في الطريق إلى القرية يتساءل الأب عن حظه العاثر، وعن حكمة الله من أن يهبه طفلاً مريضاً لا أمل في شفائه.

تميز الفيلم بنزعة فلسفية واضحة "لم يخلُ من الجرأة في الحوارات، حينما يناقش الولد قدرة الله في محبة كل البشر، ويتساءل: لماذا خلقني الله أعمى؟ ويأتي مشهد الذروة حين يسير الأب وخلفه الابن يهتدي بخطاه، راكباً الخيل، فوق جسر متهالك على مجرى النهر، ليتعرض الابن للغرق، وفي لحظة ما بين الشك واليقين، وربما دعوة للخلاص الروحي من الإعاقة الداخلية التي تخنق أحلامه، يظهر الاب، وقد انتفض ليلقي بنفسه في النهر بحثاً عن ابنه…". حصد الفيلم الجائزة الذهبية لأفضل فيلم في مهرجان مونتريال السينمائي الدولي، واُعتبر واحداً من أهم الأفلام الإيرانية التي تم عرضها في العقد الأخير من القرن العشرين.

 

أصغر فرهادي.. الإبداع وهموم الطبقة الوسطى

 

ولد أصغر فرهادي في سنة 1972م في أصفهان. حصل على شهادة البكالوريوس في الفنون الجميلة، ثم تحصل على شهادة الماجيستير في التخصص نفسه. اهتم بالعمل السينمائي منذ فترة مبكرة. ويُعدّ أحد أهم رموز السينما المستقلة في إيران. قام فرهادي بإخراج وكتابة السيناريو والحوار للعديد من الأعمال السينمائية المتميزة، ومنها كل من "بخصوص إيلي" في سنة 1999م، و"انفصال نادر وسيمين" في سنة 2011م، و"الماضي" في سنة 2013م، و"البائع" في سنة 2016م، و"الجميع يعرف" في سنة 2018م، و"بطل" في سنة 2021م.

تعتمد رؤية أصغر فرهادي السينمائية على التطرق لبعض الحوادث الاجتماعية الاعتيادية التي لا تبدو مثيرة للوهلة الأولى. بعين الناقد الخبير يستعرض فرهادي أبعاد تلك الحوادث، ويفككها أمام المشاهد ليوضح عدداً من القضايا المهمة التي يعاني منها المجتمع الإيراني.

أصغر فرهادي يقف أمام المصورين عند وصوله إلى حفل توزيع جوائز مهرجان "كان" الدولي بفرنسا في دورته الخامسة والسبعين، في 22 مايو 2022.

على سبيل المثال تدور قصة فيلم "انفصال نادر وسيمين" حول شخصيتين رئيسيتين وهما الزوجان نادر وسيمين. ينتمي الزوجان للطبقة الوسطى. ويتعرضان لظروف الحياة الشاقة. تطلب الزوجة الطلاق لكونها لم تعد تتحمل الحياة مع زوجها وأبيه المسن الذي يحتاج للرعاية. يسلط فرهادي الضوء على رحلة الزوجين للطلاق. ومن خلال حكاية كل منهما يوضح أن الأزمة ليست أزمة شخصية مرتبطة بتلك العائلة. ولكنها أزمة عامة يعيش فيها الملايين من الإيرانيين الذين يعانون الضغوط الاقتصادية. فاز الفيلم بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية في سنة 2012م، كما حصد جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الدولي.

في فيلمه "بطل" سلط فرهادي الضوء على بعض المشكلات الاجتماعية الكبرى في إيران عندما حكى قصة سجين تحول إلى بطل بين ليلة وضحاها. عثر هذا السجين عند إطلاق سراحه المؤقت على مبلغ من المال ووضع بعض اللافتات في الشوارع للإعلان عن هذا المبلغ. تواصلت معه إحدى النساء وأبلغته أنها صاحبة المال فأعطاها المبلغ. عرفت إدارة السجن هذا الأمر وتسرب بعدها للصحافة فانتشر الخبر وسارعت وسائل الإعلام بتناقله وأضحى السجين بطلاً في عيون المجتمع. وسرعان ما دُشنت حملة واسعة لجمع التبرعات لإنقاذه من السجن وتحويل سراحه المؤقت إلى نهائي. بعد أيام تتضح الحقيقة: كان السجين يريد أن يستفيد من المال لإنقاذ نفسه، ولكن المبلغ لم يكف لذلك، كما إن خطيبته هي التي عثرت على المال وليس هو. تغيرت صورة السجين مرة أخرى في عيون الناس. وانفض الجميع من حوله. يثير الفيلم عدداً من الأسئلة الإشكالية حول قدرة المجتمع على تمييز الصواب والخطأ، وحول دور الإعلام في تغيير الحقائق. فاز الفيلم بالجائزة الكبرى لمهرجان "كان"، واستحوذ على اهتمام وإعجاب النقاد.

مواضيع ذات صلة:

هالا غوراني مع غلاف كتابها - من حسابها على فايسبوك
هالا غوراني مع غلاف كتابها - من حسابها على فايسبوك

كان اسمها هالا إبراهيم باشا. وكانت في العشرين من عمرها، تعيش في باريس في تسعينات القرن الماضي، وقد تخرّجت للتو من إحدى الجامعات المهمة في فرنسا، ولديها خبرة عامين، وتحاول التقدم إلى عمل. جمعت سيرتها الذاتية ورتّبتها، كان اسمها مذكوراً في الأعلى: هالا باشا، وكانت اللغة العربية من ضمن اللغات التي تتحدثها بطلاقة، فوضعت ذلك في السيرة الذاتية كعنصر يفترض أن يكون معزّزاً لفرصها في نيل وظيفة. لكن الأمر كان معاكساً. لم تتلق هالا أي ردّ على سيرتها الذاتية، ولم يصلها أي عرض عمل. حينذاك، أحد أصدقائها نصحها بإزالة اللغة العربية من السيرة الذاتية. قال لها: "فرنسا مجتمع توجد فيه عنصرية مؤسسية وبالتأكيد تمييز ضد العرب، وهذا ما تم إثباته في العديد من التجارب، حيث يتم ارسال السيرة الذاتية الوهمية باسم عربي مقابل اسم غربي، والاسم العربي يحصل على قدر أقل بكثير من الاهتمام".

لهذا، قررت هالا أن تزيل اللغة العربية من سيرتها الذاتية، وأضافت صورتها بشعر أشقر وعيون زرقاء، تبدو فيها أجنية، وقررت أن تغيّر اسم عائلتها، وتعتمد اسم عائلة والدتها بدلاً من والدها، ويصير اسمها الكامل: هالا غوراني، وهو اسم كما تقول له وقع غربي. وهكذا صارت الإعلاميةَ المعروفة أميركياً وعالمياً بسبب عملها في قناة "سي أن أن" وتقديمها برنامجاً حمل اسمها على القناة الأميركية المشهورة.

"لكن لا يبدو عليك أنك عربية"، هذه هي العبارة التي سمعتها هالا مراراً وتكراراً، جعلتها عنوان كتابها الصادر حديثاً باللغة الإنجليزية. وهو عبارة عن سيرة ذاتية تخوض في تفاصيل حياة غوراني المهنية وتاريخ عائلتها المركّب.

تعتمد الإعلامية في سردها على الدمج بين حياتها الشخصية وبين حياتها المهنية. فهي من جهة ابنة مهاجرين سوريين، وهي في الآن عينه المراسلة المعروفة التي سافرت إلى مختلف أنحاء العالم، لتغطية الأحداث والنزاعات والحروب. تصيغ حياتها كانعكاس لجذورها من جهة، ولانتمائها إلى مهنة الصحافة التي تتحول إلى وطن في غياب الهوية الواضحة.

استطاعت هالا، من خلال تجاربها أن تجد مكانها في جميع الأماكن التي شعرت فيها بأنها "الآخر"، كما في حلب، سوريا، موطن والديها؛ وفي سياتل، واشنطن، حيث ولدت؛ وفي باريس، فرنسا، حيث نشأت. وأيضاً في لندن، إنجلترا، حيث بدأت رحلتها الصحفية، وفي العاصمة الأميركية واشنطن حيث أمضت معظم حياتها المهنية. 

كقطع "البازل" تمكنت غوراني من تجميع حياتها ومسيرتها المهنية من خلال إجراء مقابلات مع عائلتها، وتدوين الملاحظات على مدى عقود، والتحدث إلى زملائها، والاعتماد على ذكرياتها، لكي تصل في النهاية إلى معرفة ذاتها، وفهم هويتها المركّبة، وما عانته طوال رحلتها الشخصية والمهنية، كمهاجرة، من تنميط مارسته هي نفسها مع نفسها، لمحاولة "النجاة"، وتحقيق الطموح والارتقاء في السلم الوظيفي. وحينما حققت غوراني ذاتها مهنياً، راحت عبر الكتاب تبحث عن تاريخها وهويتها وانتمائها. 

باستخدام ذكرياتها عن الماضي والسياسة تتنقل بين شبابها وحياتها المهنية، بين الوظائف والمناصب، والبلدان والمهمات، والأحداث الشخصية والمهنية، مما يساعدها على ترسيخ أقدامها في السعي لاكتشاف نفسها. تعرّج على الأماكن التي زارتها كمراسلة، وتجعل منها محطات في تماسها مع جذورها المشتتة حول العالم. تعود إلى حلب، موطن والديها الأصلي، وتشعر بجراح المدينة التي لم تندمل منذ العام 2011.

عن هذا الجرح تقول في مقابلة مع شبكة "سي أن أن" التي عملت فيها لسنوات طوال: "للأسف لم يلتئم الجرح فهو لا يزال موجوداً لأنه ما زال يجعلني اشعر بالعاطفة وكل التجارب السابقة التي مررت بها، سوريا، موت سوريا التي أعرفها لا يزال الشيء الذي يحزنني".

تحكي غوراني بأسلوب السيرة الذاتية، سيراً مختلفة لأمكنة وبلدان، وتغوص في سيرة النزوح والهجرة واضطراب الهويات: "أردت أن أروي هذه القصة العالمية للنزوح، للهجرة. كانت عائلتي عائلة عربية سورية تعيش في الغرب الأوسط الأميركي. في وقتٍ مبكرٍ جداً تدرك أن اسمك مختلف وتدرك أن والديك يتحدثان لغة أخرى ويأكلان طعاماً مختلفاً. وليس العرب الذين يعيشون في الولايات المتحدة هم فقط الذين يشعرون بهذه الطريقة يمكن أن يكونوا لاتينيين أو أشخاصاً من دين أو عرق مختلف، عندما تنتمي إلى أقلية كما كتبت في كتابي، فأنت تنتمي أحياناً إلى قبيلة مكونة من شخص واحد لإنك الطفل الوحيد من تلك الخلفية والوحيد الذي يختلف بلد والديه الأصلي تماماً عن المكان الذي انتهى بهما الأمر إلى الاستقرار فيه".

يبدو الكتاب كمحاولة لتصحيح تلك السيرة الذاتية التي أخضعتها غوراني لنوع من "التزوير الأبيض" بغرض تفادي التنميط وعدم خسارة فرص بسبب الممارسات العنصرية أو النبذ الاجتماعي. في الكتاب تفصح غوراني عن هويتها في معرض البحث عنها، لتكتشف أنها هوية مركّبة وغير مستقرة. هي الهوية التي تجمع ما بين عدم الإنتماء إلى أي بلد والانتماء في الوقت نفسه إلى مجموعة كبيرة من البلدان. ولهذا فإنها في نهاية كتابها تصل إلى خلاصة أن الوطن، هو في الحقيقة هذه التجربة كلها التي عاشتها ودوّنتها. الوطن يصير هو الكتاب.

غلاف الكتاب

على الغلاف الخلفي للكتاب، الصادر في فبراير من العام 2024، عن دار "هاتشيت" في نيويورك، مراجعة قصيرة كتبها الكوميدي المصري باسم يوسف، يقول فيها: "لكن لا يبدو عليكِ أنك عربية"، يمكن أن يكون "لا يبدو عليك أنك مسلمة، مسيحية، يهودية، أميركية.. هذا الكتاب يخاطب كل من شعر بالحاجة للظهور بشكل معين، أو ليتكيف مع وضع معين، أو التأقلم مع توقعات الآخرين عنه". ويضيف يوسف: "هذا الكتاب يجب أن يضاف إلى طلبات الهجرة التي نقدّمها".