من بوسترات مسلسل "النار بالنار"، الذي يشارك في الموسم الرمضاني بنخبة من ممصلي سوريا ولبنان
من بوسترات مسلسل "النار بالنار"، الذي يشارك في الموسم الرمضاني بنخبة من ممثلي سوريا ولبنان

"قد لا نستطيع مداواة جروح الماضي لكن بمقدورنا أن نعترف على الأقل بالخلل في ذهنياتنا الاجتماعية، والتصالح مع الماضي من خلال الاستمرار بالفن والنضال بالثقافة"، يقول الفنان اللبناني جورج خباز، أحد أبطال المسلسل الرمضاني "النار بالنار".

ويضيف خباز لـ"ارفع صوتك": "نحن بأمس الحاجة لهذا النضال الراقي. الفن ليس مجرد وسيلة للتعبير والتفاعل إنما هو حياة. والحياة تتوقف حين يتوقف الفن". 

و"النار بالنار"، مسلسل سوري لبناني، حرك الكثير من التفاعلات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إذ تقع أحداثه في أحد الأحياء الشعبية الفقيرة في الفترة الحالية، حيث ساهم لجوء السوريين هربا من الحرب بتغيير الطابع الديمغرافي.

وهذا ما يفسر التزاوج بين اللهجات في المسلسل وتوزيع الأدوار (حتى الحلقات التي عرضت حتى الساعة، بين اللبنانيين والسوريين). أما القصة فتعكس الحقيقة بلا تكلف: علاقات معقدة بين اللبنانيين والسوريين، تشوبها الكثير من العنصرية والانتقام من ماض طبعت فيه ممارسات قوى الردع السورية أذهان وحياة اللبنانيين. 

وخلف حكاية المدرّسة السورية التي تبحث في الداخل اللبناني عن العون لتسافر لألمانيا بعد فقدان أوراقها، مجموعة من القصص التي تنساب بسلاسة لتعكس مظلة من الظواهر والمشاكل الاجتماعية: تهريب السوريين عبر البحر، وزواج القاصرات والتمييز ضد النساء ("جنس عاطل" في الحلقة 3)، وقضية المخطوفين في لبنان والمفقودين في سوريا والأوضاع داخل الزنازين اللبنانية، والتدخل في العدالة وصولا لأبسط التفاصيل مثل الأخطاء اللغوية الشائعة على اليافطات (مثل:"يمنع تجول السوريون" في الحلقة 5)، التي تشكل مناسبة لمحادثة بين بطلين يلعب دورهما الفنان اللبناني جورج خباز والفنانة السورية كاريس بشار.

 

 

وعلى الرغم من التفاعل الإيجابي الكبير والإطراء الذي تلقاه المسلسل عبر منصات التواصل الاجتماعي، لم يسلم من الهجوم، والاتهامات بالانحياز للنظام السوري.

من تفاعل الجمهور- فيسبوك

 

من تفاعل الجمهور- فيسبوك

 

 

من تفاعل الجمهور- فيسبوك

التناقضات في كل التفاصيل 

تنسحب التناقضات بين الشخصيات في الحلقات التي عرضت حتى كتابة هذا المقال، على التناقضات على مستوى الديكور والرسائل التي يمررها العمل ليترجم الفجوة بين الأحلام والواقع، فأستاذ الموسيقى يفقد فعليا أداة عمله (البيانو) بسبب عدم دفعه رهناً مترتباً عليه، واختلاف اللهجات يذكر بهامش سوء الفهم المحتمل بين الشعبين المجبرين على الإقامة في المساحة ذاتها (مثلا، عندهم/عنا أو "شو يعني نسبعها؟" بالسوري يعني نكب عليها سبع مرات مي لنطهرها).

وقد نجد هذا التناقض في تسمية الأدوار نفسها، كأن نقع على "دكتورة" لا تشبه الطبيب ولا الأستاذ إنما تذكرنا ببائعة الهوى. ولعل أكثر ما يختصر التناقضات، الأغنية الافتتاحية (تتر المسلسل)، التي تظهر البعد بين السعيد والحزين، الكلام والصمت وسعة الكون والضيق (شخص راضي شخص زعلان/حكي فاضي صمت مليان/ وسع الكون ما بدنا بدنا حضن ضيق ع قدنا). 

 

العلاقة المعقدة بالماضي 

على الرغم من أن المسلسل لا يزال في بدايته، يتضح جليا أن للشخصيات علاقات معقدة مع ماضيها. فمنذ افتتاح الحلقة الأولى بمشهد لقاء بطلين من أبطال العمل، عزيز وعامر، (اللبناني جورج خباز والسوري عابد فهد)، يمكن ملاحظة نظرات الكره والتوتر.

ويمكن أن نسمع بالفعل عن هذا "الكره" في أغنية المسلسل التي تصف الدنيا بـ"ساحة حرب"، وفي العنوان المختار الذي يركز على الانتقام "النار بالنار"، على شاكلة "العين بالعين".

ومن الأمثلة على الكره العنصري، قول عزيز اللبناني أن "الحبس (أي السجن) هو المكان الطبيعي للسوريين. فهم إما من العمال أو من النازحين أو من قوات الردع"، أو حتى قول عامر السوري "أنا بدي ربيه والتربية صنعة!". 

أما مصدر هذا الكره، فيتجلى في عدد من المشاهد، إما من خلال طيف والد عزيز الراحل الذي يرافقه من وقت لآخر، وإما من خلال سطور عزيز نفسه الذي يذكر بقوات الردع السورية وممارساتها في لبنان.

وتجدر الإشارة إلى أن 12 ألف جندي سوري نظامي دخلوا إلى لبنان في إطار ما عرف بقوات الردع عام 1976، بعد عام من اندلاع الحرب الأهلية.

في هذا السياق، يقول محمد علي، الباحث في الشؤون الاجتماعية، أن "الحلقات التي عرضت تظهر بالفعل المخاض الذي يعيشه المجتمع اللبناني بين التصالح مع ماضيه، ومع الواقع الجديد للوجود السوري منذ سنوات، وللتغير الديمغرافي الذي بدأ ينعكس على كل مفاصل الحياة".

"وهذا يظهر في التفاعلات على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يصفق كثر للتعاطي بصراحة مع هذا الموضوع الشائك. العنصرية موجودة وهي تمارس من قبل الطرفين، وفي نفس الوقت التعميم مرفوض وهذا ما أظهره المسلسل أيضا"، يضيف علي، لـ"ارفع صوتك".

ويتابع: "أعتقد أنه لا بد من طرح هذه المسألة كما هي دون الخوف من إثارة الحساسيات، خصوصا أن مجرى الأحداث قد يقودنا إلى مفاجآت. من يعلم؟ من خلال المسلسل، أقله ينفس غضب من يشعرون بأنهم مظلومين وربما يتعظ الظالمون ويعيدون قراءة الماضي بحسابات مستنيرة". 

 

رسائل مبطنة وصورة "البحر" الجامعة

لا يمكن للمشاهد إلا أن يلمس بعض الرسائل المبطنة مثلاً حول التدخل في العدالة، يقول أحدهم "هيدا البلد محكوم من الحيتان" في معرض محاولة إخراج "عزيز" من السجن. ولكن هذه الرسائل ليست سلبية دائما، الأمر الذي يعد ربما بأحداث أكثر إيجابية. 

يحمل المسلسل صوت الاعتدال، مثل شخصية جميل، الذي ظهر بصورة الوسيط الذي يحل المشاكل، فيقف بين عزيز وعمران ليذكر بأن "الدنيا يسر وليس عسر"، أو ليكرر على مسامع عزيز الذي يعتبر أن "السجن هو مكان السوريين الطبيعي"،  "لماذا تعمم؟ هناك الكثير من السوريين من المثقفين وكثير من الأغاني التي تعزفها لحنها سوريون"، وأمثلة أخرى. 

ومن الأمثلة أيضا، استخدام استعارة البحر لتبيين أن معاناة اللبنانيين والسوريين واحدة. يقول أحد السجناء السوريين لعزيز اللبناني عند دخوله للزنزانة "البحر غدار وبحرنا وبحركم واحد"، في إشارة للمراكب التي تغرق، في أكثر الصور إنسانية في المسلسل. 

 

جورج خباز: الفن دواء العنصرية

في حديثه مع "ارفع صوتك"، يؤكد الفنان اللبناني جورج خباز، أحد أبطال المسلسل (عزيز)، في على الطابع  الإنساني للمسلسل وعلى رسالته، حيث "يتوخى إحداث فارق إيجابي في العالم والدفع باتجاه وضع حد للعنصرية، من خلال إظهار العلاقة الشائكة بين اللبناني والسوري والدعوة لعدم التعميم". 

وهذا ما تمثله شخصية عزيز "المتناقضة"، إذ "يعيش تاريخا أليما تسبب لديه بحقد كبير وبخوف دفين (لباب بيته ثلاثة أقفال)، على الرغم من أنه شخص يتمتع بحساسية مفرطة يؤكد عليها دوره كأستاذ موسيقى تصطدم أحلامه بواقعه"، بحسب خباز.

واختبر خباز هذا التناقض عن قرب، خصوصا أن شخصية عزيز لا تشبه حقيقته بشيء. يوضح: "اختبرت في هذا المسلسل قصصا لم أتخيلها من قبل، مثل درجة القسوة والجفاف في التعاطي مع الآخرين أو حتى كمية التعقيد في علاقة الحب الشائكة".

وقد نلمس هذه القسوة في مشاهد مثل في (الحلقة 3)، حين يرفض عزيز إلقاء نظرة وداع على جثمان والدته السورية، لأنها أوصت بدفنها في الشام.  

وعن تجربته، يقول خباز إنها "ممتازة"، مردفاً "لأنها جمعت بينه وبين فريق من المحترفين على كل المستويات، إن كان لناحية الزملاء الممثلين والممثلات أو الكتاب أو المنتجين أو كل من شارك في هذا العمل".

ويعبّر عن سروره "بعمل يجمع بين الهويات اللبنانية والسورية بشكل مبرر ومنطقي"، على حد تعبيره، مضيفاً أن "النار بالنار، عمل يجمع بين مدارس متعددة ضمن وحدة واحدة تمنحه رونقا خاصا على أمل أن يلمع بهويته المتواضعة ضمن مسلسلات هذا الشهر".

ويتمنى خباز "أن يحرك هذا المسلسل تغييرا إيجابيا وتختفي العنصرية، دون أن يعني ذلك أن ننكر التاريخ. وأن تختفي العنصرية من كل مكان في العالم لأنها السبب وراء الحروب والدمار. وأحيانا جل ما يتطلبه الأمر هو قول الأشياء بصوت مرتفع".

مواضيع ذات صلة:

 البرنامج الأكثر شهرة وشعبية لها كان "ستوديو عشرة" الذي لا يزال يُقدم حتى اليوم منذ نحو 30 عاماً.
البرنامج الأكثر شهرة وشعبية لها كان "ستوديو عشرة" الذي لا يزال يُقدم حتى اليوم منذ نحو 30 عاماً.

حين دخلت أمل المدرس مبنى الإذاعة والتلفزيون لأول مرة لم تكن تعي حقيقة امتلاكها صوتاً إذاعياً "فريداً" له القدرة على التأثير في قلوب العراقيين، حتى التقط نبرة صوتها مدير الإذاعة عبد الجبار ولي، ليقول جازماً بعد اختبار جرى بمحض الصدفة "أمل أنت مذيعة".

خلال مسيرتها الممتدة لأكثر من 60 عاماً من العمل، قدمت أمل المدرس العديد من البرامج المهمة، منها برنامجها التلفزيوني الشهير "عشر دقائق" الذي استمر أكثر من 35 عاماً رغم قصر وقته وعرضه يوم الجمعة أسبوعياً.

وقدمت العديد من البرامج الإذاعية منها "نادي الإذاعة" و"من حياتي" الذي كان تتم كتابته بالاقتباس من رسائل المستمعين، لتتحول إلى تمثيليات قصيرة تروي المدرس من خلالها حكايات الجمهور ومشاكله.

أما البرنامج الأكثر شهرة وشعبية فكان "ستوديو عشرة" الذي لا يزال يُقدم حتى اليوم منذ نحو 30 عاماً.

حازت المدرس على العديد من الألقاب خلال مسيرتها المهنية، منها "كروان الإذاعة" و"مذيعة القرن" في استفتاء شعبي لقناة الشباب عام 2000. كما تم تكريمها من قبل منظمة "امرأة العام البريطانية" في عامي 2004 و2017، وكرمتها الجامعة العربية كأفضل إعلامية عراقية عام 2017، وكُرمت من قبل اتحاد الإذاعات العربية في تونس وحصلت على لقب "سيدة الأثير".

 

تدريب مكثف

ولدت أمل المدرس عام 1947، في محافظة الديوانية جنوب العراق، قبل أن تنتقل مع عائلتها إلى بغداد، وهي بعمر العشر سنوات فقط، وتغيرت حياتها تماماً حين توجهت وهي بعمر 15 عاماً إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون عام 1962، برفقة صديقتها فوزية عارف التي كانت على موعد لاختبار التمثيل.

نجحت عارف بالدخول إلى عالم الفن، وأصبحت واحدة من أهم الممثلات في العراق، وكان أشهر أعمالها "عالم الست وهيبة" الذي أثار ضجة كبيرة خلال عرضه في تسعينيات القرن الماضي، وخلال عرض جزئه الثاني رمضان الماضي، كما دخلت صديقتها أمل عالم الإذاعة حين لاحظ نبرة صوتها مدير الإذاعة آنذاك عبد الجبار ولي الذي سلمها صفحة من جريدة لتقرأ منها، وما إن قرأت الخبر حتى قال لها المدير بحزم "أمل أنت مذيعة".

ولأنها كانت تحت السن القانوني تم قبولها للعمل بالاستفادة من بند قانوني يتعلق بـ"ذوي الكفاءات والمواهب الخاصة" الذين يمكن تعيينهم حتى لو كانت أعمارهم أقل من 18 عاماً.

وخلال العامين اللاحقين عملت المدرس مذيعة ربط (تقديم الأغاني والربط بين مادة وأخرى تليها) بحسب التقاليد المتبعة في الإذاعة آنذاك، كما قالت في لقاء تلفزيوني معها إنها خاضت فترة من التدريب في الصوت والإلقاء واللغة العربية بقيادة مشرف لغوي صارم، من أجل أن تخلو البرامج من أي أخطاء لغوية، والتحقت بقسم "التمثيليات والبرامج الخاصة"، الذي كان مسؤولاً عن إصدار البرامج المنوعة والثقافية والسياسية ويعتبر مدرسة لتعليم الإلقاء الإذاعي والتلفزيوني لعدم وجود معهد تدريب إذاعي آنذاك.

وكما تقول المدرس في لقاءاتها فإنه لم يكن من السهل أن يصل المذيع إلى درجة قراءة الأخبار إلا بعد ممارسة طويلة وتدريب مكثف. إذ تطلّب الأمر عامين كاملين لتنقل إلى قسم المذيعين وتصبح "مذيعة أخبار".

 

محاولة اغتيال

في أواخر أبريل عام 2007، وفي ذروة الحرب الطائفية في العراق، تأخر سائق المدرس الذي كان مكلفاً بنقلها من منزلها إلى مقر عملها في الإذاعة، فشعرت بالقلق وتوجست خيفة، لتقرر العودة إلى منزلها وانتظاره هناك، وما إن استدارت للعودة إلى منزلها حتى تحرك شخص كان يراقبها على الجهة المقابلة من الشارع وعبره باتجاهها قبل أن يرفع مسدسه فجأة ويطلق أربع رصاصات على رأسها.

تعثر القاتل خلال لحظة الاعتداء، وأخطأت رصاصاته منطقة الرأس لتصاب المدرس إصابات بالغة في الفك والرقبة وتسقط على الأرض مضرجة بدمائها.

اعتقد الجميع أنها توفيت لعدم استجابتها وإغمائها التام، وأعلنت وكالات الأنباء عن مقتلها الذي جاء بعد ثلاثة أسابيع من اغتيال زميلتها المذيعة خمائل محسن.

أعلنت وكالات الأنباء وفاتها وسرعان ما جرى تصحيح الخطأ، بأنها مصابة ودخلت في غيبوبة استمرت تسعة أيام، لتستيقظ على ألم مبرح ورحلة علاج مؤلمة امتدت أكثر من عام تنقلت خلالها بين العراق وسوريا والأردن.

تركت المدرس بعد محاولة اغتيالها العمل الإعلامي لنحو عشر سنوات قبل أن تعود في 2018، لتقديم برنامجها الأكثر شهرة "ستوديو عشرة".

في أحد اللقاءات التلفزيونية حين سئلت عن استهدافها، قالت المدرس "لم أكن أنا المستهدفة وحدي في عملية الاغتيال، بل كان الإعلام العراقي والإعلاميون العراقيون كلهم مستهدفين معي".

 

صوت الذكريات

يقول العراقي علي الظاهر، وهو خمسيني يعمل مدرساً للرياضيات، إن صوت أمل المدرس "أجمل وأعذب صوت سمعته في الإذاعة العراقية، وكان سماعي لصوتها العذب وأنا أتوجه للعمل صباحاً يجلب لي الأمل والتفاؤل، وأعتبره بداية مبهجة ليوم عمل مرهق يتطلب التعامل مع عدد كبير من الأطفال في مادة ليست سهلة على الكثير منهم".

فيما يُذكر صوتها المدرس كرار كاظم بوالدته التي رحلت قبل خمسة أعوام، يقول لـ"ارفع صوتك": "كانت والدتي ربة بيت بسيطة لها علاقة قوية مع البرامج الإذاعية، تشغلها خلال أعمالها في المنزل وتترقب بشكل خاص برنامج ستوديو عشرة الذي تقدمه أمل المدرس وكانت خلاله تستقبل مكالمات المواطنين وتتحدث معهم".

يضيف: "كنت أستمتع مع والدتي بهذا البرنامج وكنا نعلق على حكايات المتصلين واستجابة المذيعة معهم. اليوم أنا أعشق صوت أمل المدرس لأنه أصبح جزءا كبيرا من ذكرياتي مع والدتي خلال طفولتي. ليت تلك الأيام تعود".

بالنسبة لعلي كامل الخالدي، فإن سر حب العراقيين لأمل المدرس أنها "شخصية متزنة مثقفة وواعية ولا يمكن أن تجد اثنين من العراقيين يختلفون على شخصيتها أو صوتها أو أسلوبها"، على حدّ تعبيره.

يعود ذلك كما يقول علي لـ"ارفع صوتك"، إلى "خامة الصوت الرائعة وسلامة اللغة العربية وضبط مخارج الحروف، إضافة إلى جمال هيبتها وهندامها، فتشعر عند الاستماع إليها أو رؤيتها بالألفة، وكأنها جزء من عائلتك، وهو أمر بتنا نفتقده مع مقدمي البرامج حالياً مع الأسف".

أم حسين وهي موظفة متقاعدة، تعتبر  أن صوت أمل المدرس "مستحيل أن يتكرر ولم أجد شبيها أو قريبا منه في الوقت الحالي، فهو يرتبط بالكثير من الذكريات الجميلة قبل أن تشغلنا التكنولوجيا والهواتف الذكية عن الإذاعة التي كانت تقدم مسلسلات وبرامج ثقافية متنوعة".

 

"امرأة قدوة"

حكاية مديرة المتحف الإعلامي العراقي مينا أمير الحلو، مع صوت  أمل المدرس كما ترويها لـ"ارفع صوتك"، بدأت حين كانت في الصف الأول الابتدائي، وكانت تشاغب مع بقية الأطفال بالاتصال عبر الهاتف الأرضي على رقم مخصص لمعرفة التوقيت.

أعجبت مينا الطفلة بصوت المرأة الجميل وهي تقول "عند الإشارة تكون الساعة" وتكمل لتعطي التوقيت بالضبط.

تضيف: "ولأني أحببت صوتها، كنت بكل طفولة أتصل من جديد وأتحدث معها لكنها لم تكن تجيب عن أسألتي فكنت أسألها (خالة تسمعيني؟ ليش ما تحجين (تتكلمين) وياي (معي)".

غضبت الطفلة من المرأة على الجانب الآخر من الهاتف، تتابع الحلو بابتسامة واسعة "فذهبت لأشكوها عند والدتي التي ضحكت كثيراً، وفهمت منها أنه صوت مسجل وأن الصوت يعود للمذيعة أمل المدرس".

أنهت الحلو دراستها في معهد الفنون الجميلة وتشاء الأقدار أن تسعى للعمل في الإذاعة والتلفزيون، وحين جرى تأسيس متحف شبكة الإعلام العراقي "كنا بحاجة إلى صوت مسجل للترحيب بالضيوف، فعُدت إلى مرحلة الطفولة حين كان صوتها (المدرس) يبعث فيّ الاطمئنان والراحة والرغبة بأن تكون صديقة لي فبدأت البحث عنها من جديد".

حين عرفت أمل المدرس بالقصة، تقول الحلو "تبرعت بتقديم التسجيل بصوتها وبأعداد من المجلات العراقية القديمة، وعندما حضرت إلى المتحف رغم ظروف انتشار فيروس كورونا فوجئت بأسلوبها الذي يلخص أسباب استمرارها في العمل حتى اليوم، فهي متفانية وتتدرب كثيرا قبل قراءة أي نص مهما كان بسيطاً رغم سنوات عملها الطويلة وخبرتها".

وتؤكد "باختصار شديد نحن نقف أمام إنسانة راقية مثقفة محترمة هادئة مثل نسمة، ومريحة في بساطتها التي تأتي من شخصية متفانية وناجحة. وإذا أردنا اختصار الحديث عنها فيمكننا القول إن أمل المدرس امرأة قدوة".