توفي الشيخ عثمان الموصلي سنة 1923 عن عمر 69 عاما. [صورة  الشيخ الموصلي من موقع "الوتر السابع"]
توفي الشيخ عثمان الموصلي سنة 1923 عن عمر 69 عاما. [صورة الشيخ الموصلي من موقع "الوتر السابع"]

تحل هذا العام الذكرى المئوية لوفاة الشيخ عثمان الموصلي الشهير باسم "ملا عثمان"، وهو واحد من الرموز الوطنية للعراق الحديث، وأحد أهم مطوري الموسيقى العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين. فنان أدمن الترحال، تاركاً في كل مكان يزوره نغمات خالدة لا يزال يرددها مطربو العرب من المحيط إلى الخليج. بل إن تأثيرات هذا العبقري العراقي وصلت إلى الموسيقى التركية ذاتها في الفترة الطويلة التي سكن فيها إسطنبول.

 

ابن الموصل الضرير

 

ولد الشيخ عثمان في مدينة الموصل لعائلة عربية ذات جذور قبلية عام 1854. توفي والده السقاء حين بلغ السابعة من عمره، وشاء القدر أن يصاب بالجدري في السنة نفسها فيفقد بصره، ولكن أحد أثرياء المدينة، وهو أحمد عزت باشا العمري (1828-1892)، ألحقه بأولاده بعد لمس ملامح العبقرية في سلوك هذا الطفل المعجرة، فخصص له من يحفّظه القرآن، ومقامات التلاوة، والأحاديث النبوية؛ وعين له مدرساً خاصاً بالأنغام والمقامات بعد أن لمس روعة صوته.

بعد أن أنهى الفتى عثمان دروسه، توجه إلى بغداد فحل في بيت مربيه الباشا العمري، وسرعان ما أصبح فاكهة المجالس البغدادية، لما اشتهر به من نظم القصائد، وغناء الموشحات والمقامات، والعزف على أكثر من آلة موسيقية، حتى غدا حديث الناس. وفي خلال تلك الفترة، لم يقصر اهتمامه على الغناء فحسب، بل حفظ صحيح البخاري على الشيخين داود وبهاء الحق الهندي المدرس الثاني في الحضرة العلوية، إضافة إلى أنه كان أفضل قارئ للمولد النبوي في وقته، حيث كان يحصل في بعض المرات على مكافآت تبلغ خمسين ليرة ذهبية لقاء قراءته، وهو مبلغ كبير في تلك الأيام، ولكنه كان ينفق كل ما يصل ليديه على أصحابه الفقراء والمعوزين من الفنانين.

وبعد سنوات أمضاها في بغداد، قرر العودة إلى الموصل لإتمام القراءات السبع على يد الشيخ محمد السيد الحاج حسن. وفي هذه المرحلة، انتظم في الطريقة الصوفية القادرية، وأدى فريضة الحج قبل أن ينتقل إلى عاصمة السلطنة بحثاُ عن آفاق أوسع من تلك التي عاشها في بغداد والموصل.

 

في إسطنبول

 

في إسطنبول نزل الشيخ الموصلي في جامع "نور العثمانية" الكائن بحي شنبرلي طاش، وبدأ يقرأ في جامع أيا صوفيا أجزاءً من القرآن بصوته العذب الشجي، حتى أثار انتباه أدباء وفناني الأتراك، فهرعوا إليه يستطلعون أمره. وسرعان من وصل خبره للمنتديات الأدبية والفنية التركية، إذ كان يجيد نظم الشعر والغناء بالتركية أيضاً، حتى أصبح له تلاميذ ومريدون. وفي هذه المرحلة استدعى عائلته إلى إسطنبول، واستأجر داراً صغيرة بجوار جامع "نور العثمانية"، وقربه كبراء العراق المقيمون في عاصمة السلطنة كنواب في مجلس المبعوثين، أمثال محمد وشاكر وعلاء الدين الألوسي (من عائلة واحدة)، والشـيخ يوسف السويدي، وغيرهم، وأصبحوا يصطحبونه في رحلة سنوية إلى بغداد أطلق عليها اسم رحلة الشتاء والصيف.

كان عزف عثمان الموصلي على آلة القانون من أكثر الأشياء لفتاً للأنظار في تلك المرحلة، كما يقول المؤرخ أدهم الجندي، الذي ذكر في ترجمته له ما يلي: "لقد صدق المثل القائل: كل ذي عاهة جبار، فقد تعلق هذا النابغة الضرير بالفن الموسيقي، فتعلم من تلقاء نفسه العزف على آله القانون، وهي كثيرة الأوتار صعبة المنال في ضبط مقاماتها، ثم تعلم العزف على الناي، فأتى بغرائب الإعجاز، فكان لا يستعمل في قانونه العربات التي تستعمل عادة لإخراج أنصاف الأرباع، بل كان يتلاعب بأنامله وأطراف أظافره، فيخرج النغمات سليمة شجية مما لم يسبق لغيره أن أتى بمثله، وتطاولت عبقريته على فناني الأتراك اللامعين، فكانوا يرون أنفسهم لا شيء بالنسبة لفنون هذا الضرير الجبارة، ويتسابقون لزيارته ويستقون من ورده الصافي أعذب الموشحات والألحان، ويشهدون بأنه تحفة عجيبة وهبها الدهر للناس لينعم بعبقريته البشر. ولما كان الفقيد النابغة شاعراً ضليعاً باللغتين التركية والفارسية فقد شهد له شعراء الأتراك والعجم بأنه أعجوبة الدهر".

 

إلى القاهرة وحلب

 

كان الدهر يخبئ لملا عثمان مصيبة أذهلت عقله، فقد توفي نجله الوحيد يونس في عاصمة السلطنة، وهو في ريعان شبابه، فرثاه بالمراثي الحزينة المبكية، ومنذ تلك المرحلة باتت ألحانه تجنح نحو الشجن. وبعد أن استبد به الحزن، دعاه صديقه المطرب المصري الكبير عبده الحمولي للذهاب معه إلى مصر، كي يرفه عن نفسه، ويلتقي أساطين النغم العربي، فيأخذ عنهم ويعطيهم ما عنده. وقد أعجبته الفكرة والتحق بحلقة الفنان السوري الكبير الشيخ أبو خليل القباني الفنية، ونشأت بينهما علاقة وشيجة، كتب عنها الممثل والمخرج المصري عمر وصفي (1874- 1945) في مذكراته.

وتشير بعض صحف تلك الفترة إلى نشاط كبير للشيخ عثمان الموصلي في القاهرة، إذ كان كثيراً من يُقرِّضُ بعض العروض المسرحية التي يحضرها، رغم أنه ضرير، بقصائد تنتقل على ألسن الناس. ومن القاهرة تنقل الشيخ الموصلي بعد وفاة صديقيه بين بيروت ودمشق وحلب السورية التي أمضى فيها وقتاً أطول حتى عده البعض حلبياً، فأخذ عن الموسيقيين الحلبيين وأعطاهم.

 

تأثيره على الأتراك

 

أثر الشيخ عثمان الموصلي تأثيرات عميقة في الموسيقى الشرقية، فكان تأثيره على الأتراك لا يقل عن تأثيره على العرب. وفي ذلك يقول المؤرخ الجندي: "لقد أكد الذين عاشروا هذا الجبار المارد في الأستانة أن الوسط الفني فيها كان أوج عظمته في عهده، وقد تطاول هذا الضرير الغريب بعبقريته على فطاحل الفنانين الأتراك.. وكانت آيات صوته الشجي الرخيم وبلاغة نظمه وقوة ألحانه وبراعة إنشاده وعزفه على القانون والناي مضرب الأمثال. وقد التف حوله مشاهير الفنانين الأتراك، وفي طليعتهم سامي بك، صاحب أكبر جوقة تركية شهيرة في وقته، والمغنية الذائعة الصيت بصوتها وفنها المسماة نصيب، وأخذوا عنه الكثير من الموشحات والغزل التركي، وافتتن الأتراك بفنونه، فدانت لعبقريته المواهب. وقد رأيت للذكرى والتاريخ إثبات بعض موشحاته وألحانه التركية ليطلع عليها عشاق الفن، وهي أشهر من أن تذكر، ويكفي الاستدلال على عظمة فنونه أن أبا خليل القباني الفنان الشرقي الأعظم والفنان المصري عبده الحمولي أخذا عنه الموشحات والنغمات التركية في استنبول، ومزجاها بالموشحات والأدوار العربية، فقد كانت نغمات الحجازكار والنهاوند وفروعهما مجهولة في مصر والبلاد العربية".

 

مع سيد درويش

 

من أشهر تلاميذ الشيخ عثمان الموصلي الموسيقار المصري المجدد سيد درويش (1892 - 1923)، والذي تعرف على شيخنا أثناء إقامته في حلب، عام 1912. وكان سيد درويش قد قصد المدينة صحبة فرقة الأخوين عطا الله، ولكنه حين تعرف إلى الشيخ عثمان الموصلي قرر أن يبقى في حلب ليأخذ عنه أصول النغم العراقي والشامي والتركي، فلازمه عامين حتى عام 1914، وقد اقتبس درويش بعض ألحان أستاذه فيما بعد، ووضع لها كلمات مصرية مناسبة.

أثار هذا الموضوع، ومازال، الكثير من الجدل، حيث تُظهر وثائق بين فترة وأخرى صحة هذا الرأي ومنها وثيقة نشرها المؤرخ العراقي سيار الجميل في إحدى دراساته حول أصل لحن الشيخ الموصلي لقصيدة "زر قبر الحبيب مرة"، والتي حولها سيد درويش إلى "زوروني كل سنة مرة". وثمة من ينسب أغنية "طلعت يا محلا نورها" أيضاً للشيخ الموصلي، ولكن الثابت أن أغنيات مثل: "عالروزنة عالروزنة"، و"آه يا حلو يا مسليني"، و"قدك المياس ياعمري"، و"فوق النخل"، و"البنت الشلبية" و"يا أم العيون السود" و"طالعة من بيت أبوها" التي اشتهر بها ناظم الغزالي، كلها من إبداعات الشيخ عثمان الموصلي.

أما موشحات الشيخ الموصلي فقد وثقها وأثبتها المؤرخ الموسيقي المصري المعروف محمد كامل الخلعي في كتبه الكثيرة عن الموسيقى الشرقية، وكذلك المؤرخ أدهم الجندي الذي وثق له أكثر من عشرين موشحاً وأغنية بالعربية والتركية. وفي المكتبة الموسيقية المسجلة اليوم عدداً من الأسطوانات بصوته.

 

مؤلفات متنوعة

 

بالإضافة إلى موسيقاه؛ كانت للشيخ عثمان مؤلفات عديدة في فنون مختلفة مثل كتاب "أبيض خواتم الحكم في التصوف"، وكتاب "نباتي"، وكتاب "الطراز المذهب في الأدب"، وديوان "الأبكار الحسان في مدح سيد الأكوان "، وديوان "المراثى الموصلية في العلماء المصرية "، ورسالة "التوجع الأكبر بحادثة الأزهر"، ورسالة "تخميس لامية الإمام البوصيري الشهيرة"، كما قام بجمع وتنقيح ديوان الشعر المسمى "الترياق الفاروقي"، وهو نظم أستاذه ومربيه عبد الباقي الفاروقي الموصلي شاعر العراق الأكبر، وكذلك "الأجوبة العراقية" لأبي الثناء الالوسي.

 

رمز وطني عراقي

 

غادر الشيخ عثمان الموصلي إسطنبول في الحرب العالمية الأولى عائداً إلى بلده العراق متحمساً للثورة العربية. وفي عام 1920 اتخذ من جامع الحيدرخانة مقراً له، وهو الجامع الذي أنطلقت منه مظاهرات ثورة العشرين، حيث كان الشيخ يبث خطبه هناك ويدعو الناس للثورة. وفي الثلاثين من نوفمبر 1923 توفي عبقري النغم العربي، فدفن في جامع الخفاقين في بغداد، وخرجت بغداد كلها لتوديعه بمأتم عظيم، ومنذ ذلك التاريخ أصبح واحداً من رموز العراق الوطنية، وأطلق اسمه على المدارس والشوارع والمرافق العامة.

وقد احتفل العراق عام 1973 احتفالات كبرى في ذكرى وفاته الخمسين، وقام النحات الشهير فوزي إسماعيل (1935-1986) بإنجاز تمثال تم نصبه في المنطقة التي حملت اسمه وتقع قبالة محطة قطار الموصل. ولكن تنظيم داعش الإرهابي حطمه حين احتل المدينة عام 2014، الأمر الذي أثار غضب العراقيين يومها، واللافت أن أول عمل قامت به بلدية الموصل بعد تحرير المدينة إعادة نحت للتمثال وتثبيته في مكانه القديم نظراً لرمزيته، كما صدر طابع بهذه المناسبة عليه صورة للشيخ عثمان الموصلي أطلق عليه اسم "المُعلم الثالث"، بعد أرسطو (384-322 ق.م)، والفارابي (874-950م).

مواضيع ذات صلة:

توماج صالحي في صورة من حسابه على انستغرام
توماج صالحي في صورة من حسابه على انستغرام

"نحن صوت الغضب الشعبي الذي جرى إسكاته، لا تنعتنا بالمتمردين، نحن الثوار". "كانت جريمة شخص ما أن شعرها كان يتدفق في مهب الريح. كانت جريمتها أنها كانت شجاعة وصريحة".

هذا نموذج من كلمات أغاني مغي الراب الإيراني الشهير توماج صالحي التي قد تكّلفه حياته.

بسبب هذه الكلمات وغيرها، حكم القضاء الإيراني على توماج بعقوبة الإعدام، بعد إدانته باتهامات تتعلق بالاضطرابات التي شهدتها إيران في عامي 2022 و2023 على خلفية مقتل الشابة مهسا أميني في أحد فروع الشرطة، بعد إلقاء القبض عليها لاتهامها بارتداء حجاب "غير لائق".

في أعقاب نجاح "الثورة الإسلامية" في إيران في العام 1979 جرى حظر جميع أنواع الموسيقى في البداية.

بعدها "رضخ قادة الجمهورية الإسلامية للحاجة إلى السماح ببعض الموسيقى"، كما تقول الباحثة ناهد سيامدوست في كتابها "أغنية الثورة: سياسة الموسيقى في إيران".

ومع ذلك، تتابع سيامدوست، "خنق قادة الثورة الموسيقى التي لا تخدم مصالحهم السياسية والأيديولوجية، وحظروا الموسيقى التي يرون أنها تهدد تلك المصالح، وسهلوا ظهور ثقافة موسيقية شعبية ولكنها ضحلة، في حين تزدهر ثقافة فرعية عاجزة رسميًا ولكنها مفعمة بالحيوية خارج المجال العام الرسمي".

توماج صالحي ينتمي إلى هذا النوع من الموسيقى التي تغضب النظام. وهو تخصّص بموسيقى "الراب" التي تلقى قبولاً كبيراً من فئة الشباب. والراب شكل موسيقي متفرّع من الهيب هوب، وهناك خلاف حول قصة نشأة هذا الفن، إذ يقول البعض انه بدأ في أميركا فيما يشير آخرون إلى أماكن أخرى، كما يؤكد الباحث سيد عبد الحميد في كتابه "فن الشارع- حكايات عن كتابة الراب والموسيقى".
 

يخلق مغنو الراب الخاصون بكل بلد ما يناسبه من كلمات ومواضيع، بحسب عبد الحميد، وهو فنّ يعتمد على الإيقاع السريع للكلمات والموسيقى (beat)، ويصيغ المغني أكبر عدد من الأفكار في جمل قليلة جداً، تشكّل موضوع الأغنية.

هذا النوع من الغناء السريع والمكثّف والمباشر في معانيه جعل من توماج صالحي، الذي يبلغ من العمر 33 عاماً، أحد أكثر المغنين شعبية في إيران، خاصة بعد أن دعم في أغانيه الاحتجاجات التي استمرت شهوراً وجرى قمعها بالقوة.

اعتقل صالحي في أكتوبر 2022 بعد الإدلاء بتصريحات علنية داعمة للاحتجاجات على مستوى البلاد، وواجه منذ البداية تهماً خطيرة، من بينها تهمة "الإفساد في الأرض" التي تصل عقوبتها إلى الإعدام.

وفي العاشر من يوليو 2023، قضى الفرع الأول من المحكمة الثورية في أصفهان بعدم إثبات حد تهمة "الإفساد في الأرض" ضد صالحي، وحكم عليه بالسجن ست سنوات وفقاً للقانون الإسلامي.

بدا حينذاك أن "الرابر" الإيراني نجا من مصير الإعدام، ثم شهدت قضيته انفراجاً آخر في 18 نوفمبر من العام 2023، حيث أطلقت المحكمة سراحه بكفالة مالية بعد إلغاء الحكم وإعادة القضية إلى المحكمة الابتدائية.

أمضى صالحي 12 يوماً خارج السجن فقط. والتقى خلالها بالمخرجين الإيرانيين جعفر بناهي ومحمد رسولوف، الذين مرّا بتجارب السجن وقد أطلق سراحهما أيضاً بكفالة. لكن سرعان ما أعادت السلطات الإيرانية اعتقال المغني الشاب في الثلاثين من نوفمبر، وفتحت قضية جديدة ضده، بعد نشره فيديو على الإنترنت اتهم فيه المحققين بإساءة معاملته.

وفي 18 أبريل الجاري، عقد الفرع الأول للمحكمة الثورية في طهران جلسة محاكمة جديدة لصالحي، بعد إضافة تهم جديدة إلى القضية، بحسب محاميه. وحكمت المحكمة عليه بالإعدام بتهمة "الإفساد في الأرض"، كما اتهمت المحكمة الثورية صالحي بـ"التحريض على الفتنة والتجمع والتآمر والدعاية ضد النظام والدعوة إلى أعمال شغب"، بحسب المحامي.

منظمة "هيومن رايتس ووتش" وصفت الحكم ضد صالحي بأنه "اعتداء وحشي وشائن على الحريات الأساسية والحق في محاكمة عادلة". وقالت الباحثة في شؤون إيران في المنظمة تارا سبهري فر إن "الحكومة الإيرانية جعلت المحاكم الجائرة حجر أساس في قمعها الوحشي للمعارضة الشعبية".

محامي صالحي أكد أن "الحكم شابته أخطاء قانونية كبيرة، بما في ذلك تعارضه مع حكم المحكمة العليا"، مؤكداً أن موكّله عازم على الاستئناف.

فهل تنجح الضغوط على إيران من نشطاء حقوق الإنسان والمنظمات الدولية في فكّ حبل المشنقة عن رقبة توماج صالحي؟