ولد نزار قباني في 21 آذار 1923، لأسرة عريقة تهتم الأدب والفن، وتنتمي إلى طبقة التجار والأعيان.

عندما سُئل الشاعر العراقي، بدر شاكر السياب، عن توقعه لمستقبل أشعار نزار قباني، أجاب مستبعداً إمكانية صمودها في وجه التاريخ.

وقال حينها إن " شعر نزار أشبه بالشيكولاته تحسه ما دام في فمك، إلا أن طعمه يزول عندما تنتهي من وضعه. وأنا شخصياً لا أشجع انتشار هذا النوع من الشعر. وإن كان شعر نزار لوناً يحتاج الشعر العربي إليه، فإن نزار وحده كافٍ. فحاجة المرء إلى الشيكولاته ليست كحاجته إلى الماء والخبز، وشعر نزار شيكولاته"!

ما ذهب إليه السياب، تقاسمه العديد من الشعراء والمثقفين حينها تجاه الشاعر الذي تحل هذه الأيام الذكرى المئوية لولادته، وما يزال واحداً من أكثر الشعراء شهرة وإثارة للجدل حتى بعد مضي نحو 25 عاماً على وفاته.

ولد نزار بن توفيق القباني في 21  مارس 1923، بالعاصمة دمشق، لأسرة عريقة تهتم الأدب والفن، وتنتمي إلى طبقة التجار والأعيان. في تلك البيئة، بدأ نزار يكتب الشعر وهو ابن 16 عاماً، وطبع أول دواوينه عام 1944، على نفقته الخاصة بعنوان" قالت لي السمراء". حينها كان ما يزال طالباً في كلية الحقوق.

الجدل الذي ما يزال يحيط بالشاعر حتى الآن، يعود إلى الجرأة التي أصبحت سمَة لأشعاره سواء في مرحلة الاحتفاء بالحب والمرأة، أو مرحلة الشعر السياسي ونقد الحالة العربية.

نازل الملائكة وبدر شاكر السياب، صور أرشيفية
نازك والسيّاب.. حين فجّر العراق ثورة الشعر الحر في الأدب العربي
خلّفت الحرب العالمية الثانية آثارًا اجتماعية كُبرى في الشرق الأوسط، بعدما بشّرت بظهور عالمٍ جديد حلمت فيه الشعوب العربية بأن تنال استقلالها، تلو عقودٍ من الاحتلال، لذا اشتعلت روح القومية والثورة في نفوس الكثير من أبناء الشرق.

بمعزل عن انقسام المواقف تجاه الشاعر، سواء في موقفه تجاه قضية المرأة، أو فلسفته للحب، وصولاً إلى مواقفه الوطنية والقومية، نسلط الضوء في هذا المقال على محطات "الموت" و"الهزيمة" التي عاشها الشاعر، وشكلت منعطفات فارقة في مسيرته الشعرية.

 

انتحار وصال.. انتفاضة في القصيدة 

 

في عام 1938، كان عمر نزار قباني خمسة عشر عاماً، عندما انتحرت شقيقته وصال.

حادثة شكلت الصدمة الأكبر في حياة الأخ والشاعر. ويبدو انتحار وصال حاضراً في مذكراته التي نشرتها تحت عنون "قصتي مع الشعر"، وعنها يقول: "في تاريخ أسرتنا حادثة استشهاد سببها العشق، الشهيدة هي أختي الكبرى (وصال) قتلت نفسها بكل بساطة وشاعرية منقطعة النظير لأنها لم تستطع أن تتزوج بحبيبها. صورة أختي وهي تموت من أجل الحب محفورة في لحمي، ولازلت أذكر وجهها الملائكي، وقسماتها النورانية، وابتسامتها الجميلة وهي تموت، كانت في ميتتها أجمل من رابعة العدوية، وأروع من كليوباترا المصرية. حين مشيت في جنازة أختي، وأنا في الخامسة عشرة، كان الحب يمشي إلى جانبي في الجنازة، ويشد على ذراعي ويبكي، وحين زرعوا أختي في التراب، وعدنا في اليوم التالي لنزورها، لم نجد القبر، وإنما وجدنا في مكانه وردة!".

وجد انتحار وصال صداه في قصائد الشاعر، فراح يدافع عن قضية الحب في أشعاره، وحق المرأة في الاختيار، وهو الدفاع الذي يرى منتقدوه أنه حمل في بعض مراحله إساءة لصورة المرأة، والتعامل معها على اعتبارها جسداً وغريزة فقط.

رغبة الشاعر بالانتقام من أجل شقيقته، عبر تدمير العادات والأعراف السائدة، يكشف عنها في مذكراته، فيقول: "هل كان موت أختي في سبيل الحب أحد العوامل النفسية التي جعلتني أتوفر لشعر الحب بكل طاقاتي، وأهبه أجمل كلماتي، هل كانت كتاباتي عن الحب، تعويضاً لما حرمت منه أختي، وانتقاماً لها من مجتمع يرفض الحب، ويطارده بالفؤوس والبنادق؟"

 

مقتل بلقيس.. المرأة في السياق السياسي

 

معاناة الشاعر الناتجة عن موت المرأة تجدّدت بشكل صادم في عام 1981، عندما قتلت زوجته، بلقيس الرواي، في تفجير السفارة العراقية في بيروت. بلقيس كانت قصة حب عاصفة في حياة الشاعر الذي تزوجها بعد 7 سنوات من التعارف.

الصدمة التي عاشها الشاعر بمقتل زوجته بلقيس، كانت مختلفة عن صدمته بانتحار شقيقته وصال.

فالأولى (الانتحار)، شكلت انتفاضة عاطفية في القصيدة باتجاه تدمير البنية الاجتماعية السائدة تجاه المرأة وحقها في الحب والاختيار، فيما انعكست الصدمة الثانية ثورة غضب موجهة ضد النظام العربي.

الرثاء الذي ضمنه تفاصيل الحبّ الكبير الذي حمله لزوجته، وحزنه الشديد على مقتلها، لم يخلُ من نقد سياسي حاد لحالة التناحر السياسي بين الأنظمة العربية، وهو ما يتضح في مقاطع متفرقة من قصيدته "بلقيس":

ها أنتِ تحترقينَ .. في حربِ العشيرةِ والعشيرَةْ

إنَّ قَضَاءَنَا العربيَّ أن يغتالَنا عَرَبٌ ..

ويأكُلَ لَحْمَنَا عَرَبٌ ..

ويبقُرَ بطْنَنَا عَرَبٌ ..

ويَفْتَحَ قَبْرَنَا عَرَبٌ ..

فكيف نفُرُّ من هذا القَضَاءْ؟

كلُّ اللصوص من الخليجِ إلى المحيطِ ..

يُدَمِّرُونَ .. ويُحْرِقُونَ ..

ويَنْهَبُونَ .. ويَرْتَشُونَ ..

ويَعْتَدُونَ على النساءِ ..

كما يُرِيدُ أبو لَهَبْ ..

لا قَمْحَةٌ في الأرض ..

تَنْبُتُ دونَ رأي أبي لَهَبْ

لا طفلَ يُوْلَدُ عندنا

إلا وزارتْ أُمُّهُ يوماً ..

فِراشَ أبي لَهَبْ!!...

لا سِجْنَ يُفْتَحُ ..

دونَ رأي أبي لَهَبْ ..

لا رأسَ يُقْطَعُ

دونَ أَمْر أبي لَهَبْ ..

موت بلقيس، والغضب من الحالة العربية لاحق الشاعر حتى وفاته، وحملت العديد من قصائده ذات المضامين السياسية التي وردت في قصيدة "بلقيس". فكان يثأر لها بالقصيدة ساخطاً، منتقداً وشاتماً للنظام العربي الذي حمله مسؤولية قتلها.

 

هزيمة حزيران.. غضب مختلف

 

حتى حزيران 1967، كان نزار قباني غارقاً في قضية الحبّ والمرأة في الشعر، لم تخرج قصائدة عن تلك المضامين، ولم "يتورط" في السياسية بالمعنى الحقيقي رغم عمله الدبلوماسي في الخارجية السورية. لكن الهزيمة أيقظت في الشاعر وعياً جديداً، ومثلت انعطافة حادة في شكل القصيدة.

من رحم الهزيمة، جاءت قصيدة "هوامش على دفتر النكسة"، والتي يحمل فيها النظام العربي المسؤولية عن الهزيمة.

ورغم الانتشار الواسع الذي لاقته القصيدة، تعرض الشاعر لموجة من الانتقاد، فكتب غسان كنفاني مقالاً يقلّل فيه من انعطافة الشاعر، منتقداً أن الشاعر "استحلى السّبّ والشّتم كطراز سهل من البطولة"، وهو النقد الذي لازم الشاعر في مرحلته الجديدة.

بغد 5 حزيران، مضى نزار قباني في طريق القصيدة السياسية دون عودة، ولم يحمل معه من المرحلة السابقة إلا الجرأة، فتجاوز النقد العام للنظام الرسمي العربي، إلى نقد الحكام أنفسهم، وتشريح واقع الظلم والاستبداد الذي يعانيه الإنسان العربي على يد الحكام وأجهزة القمع. فكتب قصيدة "المرهلون" و" خطاب دكتاتور مُنتخب" و"الديك"، وغيرها.

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لفرقة لبنانية مختصة بالموسيقى والغناء الصوفي- ا ف ب
صورة أرشيفية لفرقة لبنانية مختصة بالموسيقى والغناء الصوفي- تعبيرية

عرفت الحضارة العربية الإسلامية تنوعاً فريداً من نوعه، إذ حظي معظم الفنون برعاية السلاطين والأمراء في شتى أنحاء العالم الإسلامي، وأثبتت الموسيقى حضورها كأحد الفنون المهمة في بلاطات الحكام والأوساط الشعبية على السواء.

وتمكن الموسيقيون -رغم النظرة الفقهية السائدة المحرمة للموسيقى- من ممارسة فنهم أغلب الأحيان. فعلى ماذا استند الفقهاء في تحريمهم للموسيقى والغناء؟ وكيف انتشرت الموسيقى رغم ذلك؟ وما أبرز الفتاوى التي أباحت الموسيقى قديماً وحديثاً؟

 

التحريم والمنع

وقف أغلب الفقهاء المسلمين موقفاً متشدداً من الموسيقى والغناء، مستندين إلى مجموعة من الأدلة والشواهد، منها "الآية السادسة من سورة لقمان" ونصها "...وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ...".

قال بعض الصحابة -منهم عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن العباس- إن "لهو الحديث الوارد في الآية هو الغناء" كما ذكر محمد بن جرير الطبري في تفسيره.

أيضاً، استند الفقهاء لبعض الأحاديث والآثار التي رفضت إجازة الغناء والألحان، من ذلك ما ورد في "صحيح البخاري" منسوباً للرسول محمد "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر (الزنا) والحرير والخمر والمعازف"، و"صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمة، ورنة عن مصيبة". فضلاً عن الأثر المنسوب لعبد الله بن مسعود "الغناءُ ينبتُ النفاقَ في القلبِ كما ينبتُ الماءُ البقل".

اعتماداً على تلك الأدلة، ذهب عدد كبير من الفقهاء إلى تحريم الموسيقى والغناء بشكل قاطع، أمثال شمس الدين القرطبي، وابن الصلاح، وابن القيم الجوزية، وابن رجب الحنبلي، وابن حجر الهيثمي وابن تيمية.

كما ذكر محمد ناصر الدين الألباني في كتابه "سلسلة الأحاديث الصحيحة" أن المذاهب الفقهية السنية الأربعة "اتفقت على تحريم آلات الطرب كلها".

لم يقتصر هذا التحريم على علماء أهل السنة والجماعة وحدهم، بل شاركهم فيه أغلب الفقهاء المنتمين إلى المذهب الشيعي الإمامي. على سبيل المثال، أجاب السيد علي السيستاني، المرجع الشيعي الأعلى في العراق على سؤال حول حكم الغناء بأن "...الغناء حرام كله وهو الكلام اللهوي الذي يؤدي بالألحان المتعارفة عند أهل اللهو واللعب، بل يحرم أيضاً علي الأحوط الكلام غير اللهوي الذي يؤدي بتلك الألحان...".

 

أسباب الانتشار

عرفت الموسيقى والأغاني طريقها إلى مختلف أنحاء دولة الخلافة الإسلامية، وتمكنت من الانتشار بين العامة والخاصة على السواء، كما وثق المؤرخون.

بدأ هذا الانتشار في بدايات الحضارة الإسلامية. يذكر الإمام محمد بن علي الشوكاني في كتابه "الفتح الرباني" أن المؤرخين نقلوا العديد من الروايات التي تثبت أن بعض الصحابة سمعوا الغناء والموسيقى ولم يجدوا فيهما بأساً على الإطلاق. من هؤلاء  عبد الله بن الزبير الذي "كان له جوار عوادات".

وأورد الشوكاني أن "عبد الله بن عمر بن الخطاب دخل على ابن الزبير وكان بجواره عود، فقال له (ما هذا يا صاحب رسول الله؟) فناوله إياه، فتأمله ابن عمر، وقال (هذا ميزان شامي)، فرد ابن الزبير (توزن به العقول)".

وأضاف أن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب كان من المشهورين بسماع الموسيقى، وأن عبد الله بن عمر لما وجد رجلاً يريد أن يبيع جارية تضرب على العود، نصح الرجل بعرضها على ابن جعفر، فنفذ الرجل مشورته، وباع الجارية.

في السياق نفسه، أكد الشوكاني أن معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص سمعا الغناء، وأن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز كان معتاداً على سماع الموسيقى قبل أن يصل لكرسي الخلافة.

بشكل عام، تتعدد الأمثلة على انتشار الموسيقى والغناء في الدولة الإسلامية، وكثيراً ما عُرف الموسيقيون بممارسة العلوم الشرعية. في أواخر القرن الثاني الهجري اشتهر آمر مفتي المدينة، يوسف بن الماجشون، ويذكر المزي في كتابه "تهذيب الكمال" أنه "كان مولعاً بسماع الغناء ارتجالاً وغير ارتجال..."، كما يُنقل عن المحدث المشهور يحي بن معين أنه كان يذهب ليوسف ليسمع منه الحديث "وجواريه في بيت آخر يَضربْنَ بالمِعْزفة، يقصد آلة العزف...".

في القرن الثالث الهجري، وبالتزامن مع حالة الترف التي عرفها المسلمون تحت لواء الدولة العباسية، ظهر الموسيقي الشهير أبو إسحاق الموصلي الذي كان مقرباً بشكل كبير من الخليفة هارون الرشيد. وقد وصفه شمس الدين الذهبي في كتابه "سيّر اعلام النبلاء" بأنه "ذو الفنون... صاحب الموسيقى، والشعر الرائق...".

كما ظهر تلميذه أبو الحسن علي بن نافع الموصلي، المعروف باسم زرياب. بذل زرياب جهوداً كبيرة لنقل الموسيقى المشرقية للغرب بعدما غادر بغداد وسافر إلى الأندلس، لينضوي تحت لواء الدولة الأموية في قرطبة.

من جهة أخرى، لعب زرياب دوراً مؤثراً في تطوير التقنيات الموسيقية عندما أضاف وتراً خامساً للعود، وأدخل على الموسيقى مقامات لم تكن معروفة قبله، أما أعظم أعماله فكان إشرافه على "دار المدنيات" التي اُفتتحت زمن الخليفة عبد الرحمن الأوسط وضمت العشرات من المغنيات البارعات في فنون الغناء والعزف.

في القرن الرابع الهجري، ازداد انتشار فن الموسيقى في جنبات العالم الإسلامي حتى قام أبو الفرج الأصفهاني بتأليف كتابه الشهير "الأغاني"، وهو موسوعة أدبية، جمع فيها الاصفهاني الأغاني والألحان المتميزة في عصره والعصور السابقة عليه مع ذكر الطرق المختلفة للغناء.

 

إباحة الموسيقى

بدأ الاتجاه الفقهي المُجيز للموسيقى يزداد قوة في الأندلس في القرن الخامس الهجري على يد الفقيه الظاهري الشهير أبو محمد علي بن حزم القرطبي.

في كتابه "المُحلى"، شكك ابن حزم في جميع الأحاديث التي ذكرت تحريم الغناء والموسيقى، وقال "لا يصح في هذا الباب -يقصد باب تحريم الموسيقى والغناء- شيء أبداً، وكل ما فيه موضوع، ووالله لو أسند جميعه أو واحد منه فأكثر من طريق الثقات إلى رسول الله لما ترددنا في الأخذ به...".

في الوقت نفسه تقريباً، كان حجة الإسلام أبو حامد الغزالي يقود حملة روحانية صوفية لتذكية النفس في المشرق الإسلامي، فأباح الغناء والسماع باعتباره وسيلة لخلاص الروح وتحريرها.

مما قاله الغزالي في ذلك "مَن لم يحرّكه الربيعُ وأزهاره، والعودُ وأوتاره، فهو فاسدُ المزاج ليس له علاج".

في العصر الحديث، تزايدت الفتاوى المُجيزة للغناء والموسيقى بشكل ملحوظ، ففي كتابه "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث" تعرض الشيخ المصري محمد الغزالي لتلك المسألة الجدلية، قائلاً "النبي مدح صوت الصحابي أبي موسى الأشعري عندما سمعه يتغنى بالقرآن. وقال له (لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود)". يعلق الغزالي على تلك القصة "لو كان المزمار آلة رديئة ما قال له ذلك. وقد سمع رسول الله الدف والمزمار دون تحرج، ولا أدري من أين حرم البعض الموسيقى ونفر في سماعها؟".

ذهب رجل العالم السنّي يوسف القرضاوي إلى المعنى نفسه، عندما ناقش حكم الغناء في بحث منشور على موقعه الإلكتروني، قال في خاتمته "...والذي نفتي به ونطمئن إليه من بين تلك الأقوال إن الغناء -في ذاته- حلال فالأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص صحيح بحرمتها، وكل ما ورد في تحريم الغناء إما صريح غير صحيح أو صحيح غير صريح...".

هذا التوجه المُجيز للغناء، سيزداد قوة عندما يرتبط ببعض المؤسسات الدينية الرسمية كالأزهر ودار الإفتاء، فضلاً عن بعض المرجعيات الشيعية القوية في العالم الإسلامي. على سبيل المثال، قال مفتي مصر الأسبق علي جمعة في فتوى رسمية "الأغاني والموسيقى منها ما هو مُبَاحٌ سماعه ومنها ما هو مُحَرَّمٌ؛ وذلك لأن الغناء كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح... فالموسيقى والغناء المباح: ما كان دينياً أو وطنياً أو كان إظهاراً للسرور والفرح في الأعياد والمناسبات...".

المعنى نفسه، ذهب إليه شيخ الازهر السابق محمد سيد طنطاوي، عندما أجاب على سؤال حول حكم اتخاذ الموسيقى مهنة ومورد رزق، حيث قال "سماع الموسيقى وحضور مجالسها وتعلمها أياً كانت آلاتها من المباحات، ما لم تكن محركةً للغرائز باعثةً على الهوى والغواية والغزل والمجون مقترنةً بالخمر والرقص والفسق والفجور واتُّخِذَت وسيلةً للمحرمات...".

الأمر ذاته، قال به المرجع الشيعي اللبناني السابق محمد حسين فضل الله، عندما اعتبر أنّ الأغاني "لا تدخل في باب المحرّمات، إذا ما لامست القيم الإنسانيّة والفكرية العميقة في مضمونها، وترافقت مع موسيقى راقية".

في السنوات الأخيرة، بدأ الموقف الفقهي المتسامح مع الموسيقى والغناء يكسب أرضاً جديدة في السعودية وباقي دول الخليج العربي، تزامن ذلك التغيير الفقهي مع تغير سياسة النظام الحاكم في السعودية عقب وصول الأمير محمد بن سلمان إلى منصب ولي العهد في سنة 2017.

وتُعدّ فتوى الشيخ السعودي عادل الكلباني، إمام الحرم المكي السابق، التي أباح فيها الغناء، من أشهر الحالات المبينة لتغير وجهة نظر بعض الفقهاء بخصوص الحكم في تلك المسألة.

أكد الكلباني في فتواه أن الغناء مباح "شريطة ألا يصحبه مجون أو سكر أو تلفظٌ بكلامٍ ماجن"، وأنه "لا يوجد نص صريح في الكتاب أو السنة ينص على تحريم الغناء"، كما ذكر أنه "يمكن تعليم الموسيقى في مدارس السعودية".

أثارت الفتوى الكثير من ردود الفعل داخل السعودية وخارجها، خصوصاً بعدما تبعتها فتوى مشابهة من الداعية الإماراتي وسيم يوسف، إذ تراجع في فتواه عن رأيه السابق في تحريم الموسيقى، وقال في برنامجه "من رحيق الإيمان"، الذي تبثه قناة "أبو ظبي" إن أدلة تحريم الموسيقى "ضعيفة. ولا يمكن التعويل عليها".

اُنتقدت  تلك الفتاوى من قِبل العديد من علماء السعودية المحافظين على النهج الوهابي السلفي. في هذا السياق، قال مفتي عام السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، إن "الدعاة الذين غيروا مواقفهم تجاه الغناء وسماع الموسيقى منتكسون عن الحق"، واستبعد أن تكون خطوة تغيير آرائهم نابعة من مراجعات فكرية حقيقية.