عندما سُئل الشاعر العراقي، بدر شاكر السياب، عن توقعه لمستقبل أشعار نزار قباني، أجاب مستبعداً إمكانية صمودها في وجه التاريخ.
وقال حينها إن " شعر نزار أشبه بالشيكولاته تحسه ما دام في فمك، إلا أن طعمه يزول عندما تنتهي من وضعه. وأنا شخصياً لا أشجع انتشار هذا النوع من الشعر. وإن كان شعر نزار لوناً يحتاج الشعر العربي إليه، فإن نزار وحده كافٍ. فحاجة المرء إلى الشيكولاته ليست كحاجته إلى الماء والخبز، وشعر نزار شيكولاته"!
ما ذهب إليه السياب، تقاسمه العديد من الشعراء والمثقفين حينها تجاه الشاعر الذي تحل هذه الأيام الذكرى المئوية لولادته، وما يزال واحداً من أكثر الشعراء شهرة وإثارة للجدل حتى بعد مضي نحو 25 عاماً على وفاته.
في مئوية ميلاده، لو كان للشعر العربي في العصر الحديث اسم لكان #نزار_قباني. pic.twitter.com/7l4CJrwfeU
— ٮعڡوٮ الٮاصر (@yxqxb) March 22, 2023
ولد نزار بن توفيق القباني في 21 مارس 1923، بالعاصمة دمشق، لأسرة عريقة تهتم الأدب والفن، وتنتمي إلى طبقة التجار والأعيان. في تلك البيئة، بدأ نزار يكتب الشعر وهو ابن 16 عاماً، وطبع أول دواوينه عام 1944، على نفقته الخاصة بعنوان" قالت لي السمراء". حينها كان ما يزال طالباً في كلية الحقوق.
الجدل الذي ما يزال يحيط بالشاعر حتى الآن، يعود إلى الجرأة التي أصبحت سمَة لأشعاره سواء في مرحلة الاحتفاء بالحب والمرأة، أو مرحلة الشعر السياسي ونقد الحالة العربية.
بمعزل عن انقسام المواقف تجاه الشاعر، سواء في موقفه تجاه قضية المرأة، أو فلسفته للحب، وصولاً إلى مواقفه الوطنية والقومية، نسلط الضوء في هذا المقال على محطات "الموت" و"الهزيمة" التي عاشها الشاعر، وشكلت منعطفات فارقة في مسيرته الشعرية.
انتحار وصال.. انتفاضة في القصيدة
في عام 1938، كان عمر نزار قباني خمسة عشر عاماً، عندما انتحرت شقيقته وصال.
حادثة شكلت الصدمة الأكبر في حياة الأخ والشاعر. ويبدو انتحار وصال حاضراً في مذكراته التي نشرتها تحت عنون "قصتي مع الشعر"، وعنها يقول: "في تاريخ أسرتنا حادثة استشهاد سببها العشق، الشهيدة هي أختي الكبرى (وصال) قتلت نفسها بكل بساطة وشاعرية منقطعة النظير لأنها لم تستطع أن تتزوج بحبيبها. صورة أختي وهي تموت من أجل الحب محفورة في لحمي، ولازلت أذكر وجهها الملائكي، وقسماتها النورانية، وابتسامتها الجميلة وهي تموت، كانت في ميتتها أجمل من رابعة العدوية، وأروع من كليوباترا المصرية. حين مشيت في جنازة أختي، وأنا في الخامسة عشرة، كان الحب يمشي إلى جانبي في الجنازة، ويشد على ذراعي ويبكي، وحين زرعوا أختي في التراب، وعدنا في اليوم التالي لنزورها، لم نجد القبر، وإنما وجدنا في مكانه وردة!".
ويقال أن سبب دفاعه وحبه للمرأة بهذا الشكل هو حادث وقع في أسرته وأثر في حياته كلها وهو حادث انتحار أخته الكبرى وصال وبالرغم من إخفائه لقصة أخته حيث أخبر الجميع أنها ماتت بسبب داء في القلب إلا أنه كتب في مذكراته الخاصة تلك المقولة التي كشفت السر الدفين بحياة نزار قباني : pic.twitter.com/iBoMf7gR8D
— جُلَّنار | فُصحى🎙️ (@oxew_) December 1, 2022
وجد انتحار وصال صداه في قصائد الشاعر، فراح يدافع عن قضية الحب في أشعاره، وحق المرأة في الاختيار، وهو الدفاع الذي يرى منتقدوه أنه حمل في بعض مراحله إساءة لصورة المرأة، والتعامل معها على اعتبارها جسداً وغريزة فقط.
رغبة الشاعر بالانتقام من أجل شقيقته، عبر تدمير العادات والأعراف السائدة، يكشف عنها في مذكراته، فيقول: "هل كان موت أختي في سبيل الحب أحد العوامل النفسية التي جعلتني أتوفر لشعر الحب بكل طاقاتي، وأهبه أجمل كلماتي، هل كانت كتاباتي عن الحب، تعويضاً لما حرمت منه أختي، وانتقاماً لها من مجتمع يرفض الحب، ويطارده بالفؤوس والبنادق؟"
مقتل بلقيس.. المرأة في السياق السياسي
معاناة الشاعر الناتجة عن موت المرأة تجدّدت بشكل صادم في عام 1981، عندما قتلت زوجته، بلقيس الرواي، في تفجير السفارة العراقية في بيروت. بلقيس كانت قصة حب عاصفة في حياة الشاعر الذي تزوجها بعد 7 سنوات من التعارف.
الصدمة التي عاشها الشاعر بمقتل زوجته بلقيس، كانت مختلفة عن صدمته بانتحار شقيقته وصال.
فالأولى (الانتحار)، شكلت انتفاضة عاطفية في القصيدة باتجاه تدمير البنية الاجتماعية السائدة تجاه المرأة وحقها في الحب والاختيار، فيما انعكست الصدمة الثانية ثورة غضب موجهة ضد النظام العربي.
"عن نجمة سقطت ،، وعن جسد تناثر كالمرايا"
— صالح أبو عمره (@Abuamrh) November 2, 2015
عظيمة هالكلمات من قصيدة بلقيس 👌🏻#نزار_قباني pic.twitter.com/5qfs0JHsnq
الرثاء الذي ضمنه تفاصيل الحبّ الكبير الذي حمله لزوجته، وحزنه الشديد على مقتلها، لم يخلُ من نقد سياسي حاد لحالة التناحر السياسي بين الأنظمة العربية، وهو ما يتضح في مقاطع متفرقة من قصيدته "بلقيس":
ها أنتِ تحترقينَ .. في حربِ العشيرةِ والعشيرَةْ
إنَّ قَضَاءَنَا العربيَّ أن يغتالَنا عَرَبٌ ..
ويأكُلَ لَحْمَنَا عَرَبٌ ..
ويبقُرَ بطْنَنَا عَرَبٌ ..
ويَفْتَحَ قَبْرَنَا عَرَبٌ ..
فكيف نفُرُّ من هذا القَضَاءْ؟
كلُّ اللصوص من الخليجِ إلى المحيطِ ..
يُدَمِّرُونَ .. ويُحْرِقُونَ ..
ويَنْهَبُونَ .. ويَرْتَشُونَ ..
ويَعْتَدُونَ على النساءِ ..
كما يُرِيدُ أبو لَهَبْ ..
لا قَمْحَةٌ في الأرض ..
تَنْبُتُ دونَ رأي أبي لَهَبْ
لا طفلَ يُوْلَدُ عندنا
إلا وزارتْ أُمُّهُ يوماً ..
فِراشَ أبي لَهَبْ!!...
لا سِجْنَ يُفْتَحُ ..
دونَ رأي أبي لَهَبْ ..
لا رأسَ يُقْطَعُ
دونَ أَمْر أبي لَهَبْ ..
موت بلقيس، والغضب من الحالة العربية لاحق الشاعر حتى وفاته، وحملت العديد من قصائده ذات المضامين السياسية التي وردت في قصيدة "بلقيس". فكان يثأر لها بالقصيدة ساخطاً، منتقداً وشاتماً للنظام العربي الذي حمله مسؤولية قتلها.
هزيمة حزيران.. غضب مختلف
حتى حزيران 1967، كان نزار قباني غارقاً في قضية الحبّ والمرأة في الشعر، لم تخرج قصائدة عن تلك المضامين، ولم "يتورط" في السياسية بالمعنى الحقيقي رغم عمله الدبلوماسي في الخارجية السورية. لكن الهزيمة أيقظت في الشاعر وعياً جديداً، ومثلت انعطافة حادة في شكل القصيدة.
من رحم الهزيمة، جاءت قصيدة "هوامش على دفتر النكسة"، والتي يحمل فيها النظام العربي المسؤولية عن الهزيمة.
ورغم الانتشار الواسع الذي لاقته القصيدة، تعرض الشاعر لموجة من الانتقاد، فكتب غسان كنفاني مقالاً يقلّل فيه من انعطافة الشاعر، منتقداً أن الشاعر "استحلى السّبّ والشّتم كطراز سهل من البطولة"، وهو النقد الذي لازم الشاعر في مرحلته الجديدة.
بغد 5 حزيران، مضى نزار قباني في طريق القصيدة السياسية دون عودة، ولم يحمل معه من المرحلة السابقة إلا الجرأة، فتجاوز النقد العام للنظام الرسمي العربي، إلى نقد الحكام أنفسهم، وتشريح واقع الظلم والاستبداد الذي يعانيه الإنسان العربي على يد الحكام وأجهزة القمع. فكتب قصيدة "المرهلون" و" خطاب دكتاتور مُنتخب" و"الديك"، وغيرها.
