في هذه الصورة التي تعود إلى سنة 2000، تظهر النجمة السينمائية الإيرانية فاطمة معتمدآريا، إلى اليمين، مع ممثلات أخريات أثناء تصوير فيلمها "خلف النظارات الشمسية" للمخرج محمد حسين لطيفي. في الخلفية، تظهر صورة الخميني أول مرشد للجمهورية في إيران، والذي ما زال رجاله يقودون حملة تضييق شديدة على الفنانين وقطاع السينما.
في هذه الصورة التي تعود إلى سنة 2000، تظهر النجمة السينمائية الإيرانية فاطمة معتمدآريا، إلى اليمين، مع ممثلات أخريات أثناء تصوير فيلمها "خلف النظارات الشمسية" للمخرج محمد حسين لطيفي. في الخلفية، تظهر صورة الخميني أول مرشد للجمهورية في إيران، والذي ما زال

تتمتع السينما الإيرانية بقدر كبير من الجاذبية في شتى أنحاء العالم. تمكن الكثير من المخرجين الإيرانيين من تيار "السينما المستقلة" من تجاوز القيود المفروضة عليهم من قِبل السلطات الحاكمة. ووصلت أفلامهم إلى منصات التتويج في مهرجانات كان وبرلين والبندقية وغيرها من المهرجانات العالمية. كيف بدأت السينما الإيرانية خطواتها الأولى في مطلع القرن العشرين؟ وما هي القيود التي فرضها النظام الحاكم على السينمائيين الإيرانيين؟ وكيف تعرض بعض السينمائيين للعقوبة في سبيل نشر أعمالهم؟

 

السينما الإيرانية قبل الثورة

 

ترجع البدايات الأولى للسينما الإيرانية إلى سنة 1900م. في تلك السنة، زار الشاه الإيراني مظفر الدين شاه بعض الدول الأوروبية. وشاهد هناك إحدى الكاميرات فرجع إلى بلاده ومعه واحدة من آلات التصوير السينمائي. بعد أربع سنوات فحسب، اُفتتحت أولى قاعات السينما في إيران، وسرعان ما انتشرت قاعات أخرى في شتى أنحاء العاصمة طهران. وكانت تلك القاعات تقوم بعرض الأفلام الأجنبية.

في سنة 1930م، تم إنتاج أول فيلم إيراني صامت بعنوان "آبي ورابي" من إخراج المخرج الإيراني- الأميركي أفانيس أوهانيان. وفي سنة 1940م تم عرض أول فيلم ناطق في السينما الإيرانية وهو فيلم "دخترلر" -الفتاة اللرية Lor Girl - من إخراج عبد الحسين سابنتا، وكانت قصته مستوحاة من رواية شعبية تُعرف باسم جعفر وجلنار.

اتجه صنّاع السينما الإيرانية في الفترة اللاحقة لتقليد الأفلام الهندية والأفلام الأميركية. وتساهلت الرقابة مع الكثير من الأعمال التي احتوت على لقطات جريئة. ظل الوضع كذلك حتى نهاية ستينات القرن العشرين، ظهرت بعض الأعمال التي حاولت أن تسلط الضوء على المشكلات التي يعاني منها معظم الإيرانيين. كان فيلم "البقرة" الذي عُرض في سنة 1969م واحداً من أهم تلك الأعمال. حكى الفيلم الذي أخرجه داريوش مهرجوئي عن مزارع فقير يعيش في قرية إيرانية بسيطة، وتموت بقرته الوحيدة ليعاني بعدها من الحزن. مُنع الفيلم من العرض في إيران ولكن تمكن صنّاعه من إرسال إحدى النسخ إلى مهرجان البندقية في سنة 1971م. وحظي الفيلم ببعض الجوائز كما نال الإشادة والاستحسان من النقاد.

تأثرت السينما الإيرانية كثيراً بالأحداث التي وقعت قُبيل انتصار "الثورة الإسلامية". في التاسع عشر من أغسطس سنة 1978، اندلع حريق كبير في سينما ركس بمدينة عبادان، ووقع على إثره 400 قتيل تقريباً. اتهم السافاك -منظمة المخابرات والأمن القومي- بتدبير هذا الحريق. وفي اليوم التالي لوقوع الحادث، تجمع الآلاف من أهالي الضحايا وخرجوا في مظاهرات غاضبة. ونادوا بإسقاط نظام الشاه الحاكم.

 

ماذا فعلت الثورة بالسينما الإيرانية؟

 

اندلعت الثورة في إيران في سنة 1979م. وتمكن الثوار من السيطرة على مقاليد الحكم والسلطة عقب وصول الخميني إلى طهران في شهر فبراير من تلك السنة. في البداية نظر الثوار للسينما بشكل سلبي إلى حد بعيد، وذلك لأنها كانت إحدى الوسائل الإعلامية التي استخدمها النظام السابق في الترويج لرؤيته التحديثية المقلدة للغرب. في هذا السياق تم إحراق العشرات من قاعات السينما في مختلف أنحاء إيران، كما تم إلغاء العديد من مشاريع الأفلام السينمائية التي كانت قيد التحضير والإعداد.

فيما بعد، عرف النظام الجديد أهمية السينما في الترويج لرؤيته الخاصة. فتم إعادة فتح قاعات السينما وأُنتجت عشرات الأفلام الجديدة. "ومن بين هذه الأفلام ما يمجد الثورة... وقد وصل عدد هذه الأفلام إلى مائة وثلاثين فيلماً، يتم عرضها سنوياً، وتلعب دوراً اجتماعياً في المقام حسب المسؤولين، أو صناع هذه الأفلام، وهي أعمال موجهة أسوة بما كان ينتج في الاتحاد السوفييتي وفى الصين إبان الثورة الثقافية".

في السياق نفسه، وضعت أجهزة الرقابة ضوابط صارمة لتنفيذ الأعمال السينمائية الجديدة، فمُنع ظهور المرأة بدون حجاب، كما مُنع وقوع أي اتصال جسدي بين الممثلين والممثلات. يشرح الناقد الإيراني حامد رضا، في كتابه "السينما الإيرانية... تاريخ سياسي"، الفلسفة التي انتهجتها الرقابة الإيرانية بعد الثورة، فيقول: "اتخذت الرقابة على السينما في إيران طابعاً سياسياً ودينياً وأخلاقياً. والأفلام الروائية في إيران كانت سبباً لفرض الرقابة بشكل مباشر على القصص والروايات، فلا يتم فقط حذف فقرات كاملة فقط، لكنها تغير في مجرى أحداث العمل لتحديد بعض الصفات والآراء والسلوكيات للأبطال، فقد يضيف الرقيب فقرة تجعل شخصين غير متزوجين في رواية ما في حالة الزواج لكي تكون علاقتهما متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية".

في ظل تلك القيود، لجأ العديد من السينمائيين الإيرانيين إلى بعض التقنيات الفنية التي تبعدهم عن الصدام مع السلطة. من ذلك ما أشار له المخرج عباس كيارستمي عندما قال إنه: "يحاول عادة أن يختار قصصاً لا تحتم عليه أن يظهر الزوج والزوجة في منزلهما بمفردهما، لأنه وقتها لن يتمكن من تقديم مشهد واقعي". بشكل عام، طال مقص الرقيب جميع الأفلام التي أعلنت معارضتها للنظام. وصارت الأعمال السينمائية المعروضة في إيران خاضعة للمعايير الأخلاقية والدينية التي ترتضيها الحكومة.

 

السينما المستقلة.. إبداع رغم القيود

 

تسببت القيود التي فرضتها السلطة الإيرانية على السينمائيين في ظهور جيل جديد من المبدعين المستقلين. ركز أبناء هذا الجيل على إنتاج أفلام منخفضة الميزانية، وعملوا على مقاربة المشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية من خلال معالجات رمزية استعارية في أغلب الأحيان. عانى أبناء هذا الجيل من التضييق الأمني، رغم حصول أفلامهم على عدد كبير من الجوائز الدولية في العقود السابقة.

يُعدّ المخرج جعفر بناهي واحداً من أهم السينمائيين الإيرانيين المستقلين الذين تعرضوا للتضييق من قِبل السلطة الحاكمة. حصد بناهي العديد من الجوائز الرفيعة المستوى. من أهمها جائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية عام 2000 عن فيلمه "الدائرة"، وجائزة الدب الذهبي في برلين عن فيلم "تاكسي طهران" في سنة 2015، فضلاً عن فوزه بجائزة أفضل سيناريو في مهرجان كان السينمائي عن فيلم "ثلاثة وجوه" في سنة 2018.

على مدار السنوات السابقة تعرض بناهي للكثير من العقوبات، ووجهت له العديد من التهم كالتواطؤ على السلطة ومناهضتها، وتهديد الأمن القومي. وصدرت بحقه العديد من مذكرات التوقيف والحبس، كما مُنع من إخراج الأفلام لمدة 20 عاماً، وتم سحب جواز سفره. في يوليو 2022، تم توقيف بناهي مرة أخرى، وكان من المفترض أن يقضي عقوبة السجن لمدة ست سنوات. ولكن بعد سبعة شهور من الاعتقال بدأ المخرج الإيراني في إضرابه عن الطعام، وقال بناهي في بيان نشرته زوجته في فبراير 2023م: "اليوم، على غرار الكثير من الأشخاص العالقين في إيران، لا أملك خياراً غير التظاهر ضد هذا السلوك غير الإنساني مستخدماً أعز ما أملك: حياتي... سأبقى في هذا الوضع حتى الإفراج عن جثتي من السجن". على إثر ذلك تم الإفراج عن بناهي، وعاد إلى منزله.

لم يكن جعفر بناهي المخرج الوحيد الذي تعرض للاستهداف من قِبل السلطة الإيرانية في السنوات الأخيرة. في شهر يوليو سنة 2022م، تم توقيف المخرج محمد رسول آف الحائز على جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين في سنة 2020 "بعد تأييده تظاهرات شهدتها مدن إيرانية عدّة في أعقاب انهيار مبنى يقع جنوب غربي إيران"، قبل أن يتم الإفراج عنه -بشكل مؤقت- في يناير 2023م.

كان مسلسلا "يوسف الصديق" و"عمر" من أكثر الإنتاجات متابعة وإثارة للجدل في السنوات الأخيرة.
الأنبياء والأئمة والصحابة.. كيف ظهرت الشخصيات الدينية في السينما والتلفزيون؟
تعود فكرة تجسيد الأنبياء والشخصيات المقدسة بشكل درامي لفترة مبكرة من عمر الصناعة السينمائية في البلاد العربية. في سنة 1926م، عُرض على الممثل المصري يوسف بك وهبي تمثيل شخصية النبي محمد من قِبل شركة إنتاج ألمانية-تركية. وافق وهبي في البداية. وانتشر الخبر في الصحف ليخرج بعدها الأزهر ويهاجم مشروع الفيلم.

طالت العقوبات أيضاً المخرج كيوان كريمي. حُكم على كريمي بالسجن لست سنوات في أكتوبر سنة 2015م وذلك على خلفية "إهانة القيم المقدسة" و"الدعاية ضد النظام" في فيلمه الوثائقي "الكتابة على المدينة". والذي ركز فيه كريمي على الكتابة السياسية على الجدران في طهران، خلال الثورة الإسلامية في سنة 1979م، وفي أعقاب الانتخابات الرئاسية في سنة 2009م.

نال الممثلون الإيرانيون أيضا حظهم من الاستهداف الأمني. على سبيل المثال أوقفت الممثلة هنغامه قاضياني في نوفمبر سنة 2022م عقب مشاركتها في الاحتجاجات التي اندلعت بسبب وفاة الشابة الإيرانية الكردية مهسا أميني بعد توقيفها من قبل شرطة الأخلاق في طهران. ووجهت لقاضياني تهمة التشجيع على "أعمال شغب" والتواصل مع وسائل إعلام تابعة للمعارضة. مما يُذكر أن قاضياني فازت بجائزة أفضل ممثلة مرتين في مهرجان فجر السينمائي في طهران في سنتي 2008م و2012م.

من جهة أخرى، من المُلاحظ أن قبضة الرقيب الإيراني خفت بعض الشيء في السنوات الأخيرة بالتزامن مع تصاعد وتيرة الاحتجاجات الشعبية ضد النظام الحاكم. في هذا السياق، سُمح لبعض الأعمال بتوجيه الانتقاد للأجهزة الأمنية والحكومة. على سبيل المثال عُرض في سنة 2022م فيلم "ما وراء الجدار" للمخرج وحيد جليلفاند. أثار الفيلم إعجاب النقاد لمّا احتوى عليه من مشاهد تسلط الضوء على القمع الذي تمارسه الأجهزة الأمنية الإيرانية ضد المتظاهرين.

مواضيع ذات صلة:

Models are dressed in traditional Iraqi costumes during a fashion show at the Iraqi National Museum during the holy month of…
من عرض أزياء للملابس العراقية التقليدية في المتحف الوطني في بغداد- تعبيرية

"يكاد يكون (كتاب ألف ليلة وليلة) عَلَماً ثانياً على بغداد، لأن آثار حضارتها المادية ألح عليها طغيان الدهر حتى محاها، أما هي في هذا الكتاب فلا يزال سناها باهياً لم يخُب وصداها مدوياً لم ينقطع"، يكتب أحمد حسن الزيّات في كتابه "في أصول الأدب"، الذي أفرد فيه فصلاً كاملاً للحديث عن تاريخ الحكايات العربية التي جمعت في كتابٍ اشتهر بِاسم "ألف ليلة وليلة".

يرى الزيّات أن لهذه الحكايات فضل كبير على بغداد بعدما حفظت للتاريخ حضارتها الغابرة وخلّدتها بين الناس كـ"متحف للأعاجيب" مؤدية في ذلك دوراً مناظراً لما فعلته النقوش التي خلّفها الفراعنة على جدران معابدهم ومقابرهم.

ورغم أن أحداث القصص تدور في كثير من مدن العراق مثل البصرة والموصل والأنبار وواسط إلا أن بغداد استأثرت بالاهتمام الأكبر باعتبارها مدينة مركزية للسياسة والعلم والمعرفة والترف، كما يقول محمد عبدالرحمن يونس في بحثه "القاهرة في حكايات ألف ليلة وليلة".

بحسب يونس فإن الحكايات منحت بغداد أفضلية على مدن عربية كبيرة أخرى كالقاهرة ودمشق ليس فقط من حيث عدد الحكايات وإنما على مستويات عديدة مثل تعدد القصص وتشعّب الملامح الاجتماعية والسياسية والثقافية للمدينة وقتها بسبب قُدرة بغداد المنفتحة حضارياً على استيعاب الجنسيات المختلفة.

وفقاً للكتاب فإن بغداد امتلكت سوراً عظيماً كان يُغلق عند الغروب مخافة تسلل الأعداء إليها ليلاً، وحفلت دروبها وأسواقها بمغامرات كبار التجار بيعاً وشراءً، وكثيراً ما شهدت الجولات السرية للخليفة العباسي هارون الرشيد لرصد أحوال الرعية.

بشكلٍ غير مباشر انتقدت حكايات "ألف ليلة وليلة" بشدة حالة الطبقية التي تردّى إليها المجتمع البغدادي والذي انقسم إلى "سباع تفترس كل شيء؛ المال والنساء وأموال الخراج وإلى كلاب مذعورة لا يحقُّ لها الاقتراب من مكامن السباع المفترسة"، وفقاً لما أورده دكتور محمد يونس في دراسته "ملامح شخصيّة الخليفة هارون الرشيد في حكايا ألف ليلة وليلة".

فيروز وأم كلثوم
بغداد في الأغاني.. أم كلثوم وفيروز وعبد الوهاب وكاظم الساهر وآخرون
من جيل المغنين والمغنيات الجدد، أطلقت الفنانة الأردنية ديانا كرزون في العام 2016 أغنية بعنوان "ودّيني على بغداد/ روحي مشتاقة لبغداد" من كلمات أحمد هندي وألحان علي بدر، وقد حصدت ملايين المشاهدات عبر موقع "يوتيوب". كما غنت الفنانة السورية فايا يونان في العام 2018 قصيدة للشاعر اللبناني زاهي وهبي وألحان حازم شاهين مطلعها "بغداد بين النهرين كتبها الله قصيدة/ بغداد بين الشفتين تعويذة عذراء".

أشهر قصص بغداد

يروي أنس داود في كتابه "الأسطورة في الشعر العربي الحديث" أن شوارع بغداد شهدت العديد من حكايات "ألف ليلة وليلة" مثل قصة علاء الدين التاجر الثري الذي سافر من مصر إلى بغداد وهاجمه الأعراب في الطريق ونهبوا تجارته فخسر كل أمواله لكنه ينجح في الوصول إلى بغداد ويلتقي بالمغنيّة "زبيدة العوديّة" التي يتزوجها. ذات ليل يمرَّ هارون الرشيد متنكراً في زي الدراويش بمنزلها ويستمع إلى قصة التاجر فيأمر بمساعدته وإنقاذه من محنته.

أيضاً عرفت بغداد قصة سندباد الذي خاض العديد من المغامرات البحرية ثم بنى لنفسه داراً فسيحة في بغداد كانت مليئة بالجواري والعبيد وأقام مجالساً يروي فيها طرائف رحلاته، وغير ذلك من الحكايات التي كشفت كثيراً من جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية داخل عاصمة العباسيين في ذلك الوقت.

وفي هذا السياق، تقول سهير القلماوي في كتابها "ألف ليلة وليلة"، إن هناك حكايات أخرى حملت تأثيراً بابلياً مثل قصة بلوقيا وقصة مدينة النحاس وقصة عبدالله بن فاضل وإخواته، وتتابع أن بعض القصص التي دارت حول الخلفاء وبلاطهم منحتنا صورة اجتماعية مميزة عن حجم الثراء والبذخ الذي تنعّموا فيه في ذلك الوقت.

 

هارون وزبيدة

لعب معظم الخلفاء العباسيون دوراً هامشياً في أغلب الحكايات العربية مثلما جرى مع المستنصر بالله بن المرتضى والمنتصر والمستعين، باستثناء الخليفة هارون الرشيد الذي نال أهمية كبيرة في هذا الكتاب بعدما تركّزت عدة حكايات عليه وعلى بلاطه، وربما كان لذيوع هذه الحكايات دوراً أساسياً في الشهرة الكبيرة التي نالها الرشيد في العصور الحالية شرقاً وغرباً.

تعتبر القلماوي، أن قصص هارون الرشيد وطريقته في التعامل مع الحكم مثّلت ركناً أساسياً من حصة بغداد من الحكايات.

قدّم الكتاب الرشيد باعتباره شخصية ذات هالة أسطورية فرضت قبضة من حديد على دولته مترامية الأطراف، فكان يكفي ذِكر اسمه ليرتعد الولاة والعمّال والجُباه حتى ولو كانوا في الأصقاع البعيدة عن بغداد، حسبما يذكر يونس في بحثه.

أسطرة الليالي العربية لشخصية هارون قدمته بأشكالٍ متعددة تناقضت مع صورته الورعة التي قدّمتها كتب التاريخ التقليدية كرجل "يصلي كل يومٍ وليلة مئة ركعة"؛ فهو، بحسب "ألف ليلة وليلة" شخص طائش غاضب يتوعّد خولي بستانه الشيخ إبراهيم بالصلب إن لم تحسن جاريته الغناء، وهو نهم في شرب الخمر حتى أنه كان يتورط في القسم على أمور يندم عليها حينما يفيق من حالة السُكر ويحتاج إلى فتوى "مصطنعة" لتبرّأته منها.

وفق "ألف ليلة وليلة" فإن الرشيد كان حريصاً في أوقاتٍ كثيرة على التأكيد على شرف نسبه فكان يقسم قائلاً "وحق اتصال نسبي بالخلفاء من بني العبّاس"، وأنه كان يعامل وزيره جعفر البرمكي باحتقار غير مبرّر حتى أنه كان يخاطبه من وقتٍ لآخر بـ"كلب الوزراء"، وكان يتوعّده بالصلب لو لم يُنفذ تعليماته كما يجب.

في المقابل قدّمته حكايات أخرى كشخصٍ مغامر يقوم بجولات ليلية متنكراً بصحبة الوزير جعفر أو معاونه مسرور السيّاف ليتفقد أحوال الرعية ويرصد تصرفاتهم، وفي الصباح كان يغدق العطاء للصالحين منهم ويأمر بمعاقبة المجرمين، وفي حكاية أبي الشامات أظهر الرشيد إعجاباً بالموسيقى فهو يطلب الاستماع إلى وصلة غناء حتى "يحصل لنا انتعاش، فإن السماع لقومٍ كالغذاء ولقوم كالدواء"، حسبما ذكرت القصة على لسان الرشيد.

بحسب الحكايات فإن الرشيد ظهر عاشقاً للنساء وامتلك آلاف الجواري الحِسان أشهرهن الجارية "دنانير" التي أشعلت خلافاً كبيراً بينه وبين زوجته  زبيدة التي كان يكنّ لها الخليفة العباسي لها محبّة كبيرة أيضاً ومنحها مكانة كبيرة في دولته.

المساحة الكبيرة التي نالها هارون الرشيد حتّمت أن تظهر زوجته زبيدة في أكثر من موضع كأهم امرأة في السُلطة العباسية، وكنموذج نسائي موازٍ للرشيد فهي أيضاً تملك الجواري والعبيد والقصور وصلاحيات كبيرة تخوّل لها إصدار الأوامر لتُنفذ دون مناقشة من جميع مسؤولي الدولة، فكان يعرّفها مسرور السياف بـ"زوجة أمير المؤمنين عم النبي"، وكان على الجميع "تقبيل الأرض فور رؤيتها" إجلالاً لمكانتها.

في حكاية "هارون الرشيد مع محمد بن علي الجوهري"، تستدعي زبيدة تاجراً ثرياً يقيم في بغداد ولما حاول التملُّص من الدعوة تلقى تهديداً مبطّناً من خادمتها "يا سيدي لا تجعل السيدة زبيدة تغضب عليك وتبقى عدوتك، قُم كلّمها". في الحكاية خاف الجوهري من غضب زبيدة وما قد يجلبه عليه من نفي خارج بغداد أو مصادرة أمواله.

ومن خلال قصة أخرى يمكن تبيّن مدى غيرتها من تعلّق هارون بإحدى جواريه وتُدعى "قوت القلوب"، فتدبّر محاولة فاشلة لقتلها.