تتمتع السينما الإيرانية بقدر كبير من الجاذبية في شتى أنحاء العالم. تمكن الكثير من المخرجين الإيرانيين من تيار "السينما المستقلة" من تجاوز القيود المفروضة عليهم من قِبل السلطات الحاكمة. ووصلت أفلامهم إلى منصات التتويج في مهرجانات كان وبرلين والبندقية وغيرها من المهرجانات العالمية. كيف بدأت السينما الإيرانية خطواتها الأولى في مطلع القرن العشرين؟ وما هي القيود التي فرضها النظام الحاكم على السينمائيين الإيرانيين؟ وكيف تعرض بعض السينمائيين للعقوبة في سبيل نشر أعمالهم؟
السينما الإيرانية قبل الثورة
ترجع البدايات الأولى للسينما الإيرانية إلى سنة 1900م. في تلك السنة، زار الشاه الإيراني مظفر الدين شاه بعض الدول الأوروبية. وشاهد هناك إحدى الكاميرات فرجع إلى بلاده ومعه واحدة من آلات التصوير السينمائي. بعد أربع سنوات فحسب، اُفتتحت أولى قاعات السينما في إيران، وسرعان ما انتشرت قاعات أخرى في شتى أنحاء العاصمة طهران. وكانت تلك القاعات تقوم بعرض الأفلام الأجنبية.
في سنة 1930م، تم إنتاج أول فيلم إيراني صامت بعنوان "آبي ورابي" من إخراج المخرج الإيراني- الأميركي أفانيس أوهانيان. وفي سنة 1940م تم عرض أول فيلم ناطق في السينما الإيرانية وهو فيلم "دخترلر" -الفتاة اللرية Lor Girl - من إخراج عبد الحسين سابنتا، وكانت قصته مستوحاة من رواية شعبية تُعرف باسم جعفر وجلنار.
اتجه صنّاع السينما الإيرانية في الفترة اللاحقة لتقليد الأفلام الهندية والأفلام الأميركية. وتساهلت الرقابة مع الكثير من الأعمال التي احتوت على لقطات جريئة. ظل الوضع كذلك حتى نهاية ستينات القرن العشرين، ظهرت بعض الأعمال التي حاولت أن تسلط الضوء على المشكلات التي يعاني منها معظم الإيرانيين. كان فيلم "البقرة" الذي عُرض في سنة 1969م واحداً من أهم تلك الأعمال. حكى الفيلم الذي أخرجه داريوش مهرجوئي عن مزارع فقير يعيش في قرية إيرانية بسيطة، وتموت بقرته الوحيدة ليعاني بعدها من الحزن. مُنع الفيلم من العرض في إيران ولكن تمكن صنّاعه من إرسال إحدى النسخ إلى مهرجان البندقية في سنة 1971م. وحظي الفيلم ببعض الجوائز كما نال الإشادة والاستحسان من النقاد.
تأثرت السينما الإيرانية كثيراً بالأحداث التي وقعت قُبيل انتصار "الثورة الإسلامية". في التاسع عشر من أغسطس سنة 1978، اندلع حريق كبير في سينما ركس بمدينة عبادان، ووقع على إثره 400 قتيل تقريباً. اتهم السافاك -منظمة المخابرات والأمن القومي- بتدبير هذا الحريق. وفي اليوم التالي لوقوع الحادث، تجمع الآلاف من أهالي الضحايا وخرجوا في مظاهرات غاضبة. ونادوا بإسقاط نظام الشاه الحاكم.
ماذا فعلت الثورة بالسينما الإيرانية؟
اندلعت الثورة في إيران في سنة 1979م. وتمكن الثوار من السيطرة على مقاليد الحكم والسلطة عقب وصول الخميني إلى طهران في شهر فبراير من تلك السنة. في البداية نظر الثوار للسينما بشكل سلبي إلى حد بعيد، وذلك لأنها كانت إحدى الوسائل الإعلامية التي استخدمها النظام السابق في الترويج لرؤيته التحديثية المقلدة للغرب. في هذا السياق تم إحراق العشرات من قاعات السينما في مختلف أنحاء إيران، كما تم إلغاء العديد من مشاريع الأفلام السينمائية التي كانت قيد التحضير والإعداد.
فيما بعد، عرف النظام الجديد أهمية السينما في الترويج لرؤيته الخاصة. فتم إعادة فتح قاعات السينما وأُنتجت عشرات الأفلام الجديدة. "ومن بين هذه الأفلام ما يمجد الثورة... وقد وصل عدد هذه الأفلام إلى مائة وثلاثين فيلماً، يتم عرضها سنوياً، وتلعب دوراً اجتماعياً في المقام حسب المسؤولين، أو صناع هذه الأفلام، وهي أعمال موجهة أسوة بما كان ينتج في الاتحاد السوفييتي وفى الصين إبان الثورة الثقافية".
في السياق نفسه، وضعت أجهزة الرقابة ضوابط صارمة لتنفيذ الأعمال السينمائية الجديدة، فمُنع ظهور المرأة بدون حجاب، كما مُنع وقوع أي اتصال جسدي بين الممثلين والممثلات. يشرح الناقد الإيراني حامد رضا، في كتابه "السينما الإيرانية... تاريخ سياسي"، الفلسفة التي انتهجتها الرقابة الإيرانية بعد الثورة، فيقول: "اتخذت الرقابة على السينما في إيران طابعاً سياسياً ودينياً وأخلاقياً. والأفلام الروائية في إيران كانت سبباً لفرض الرقابة بشكل مباشر على القصص والروايات، فلا يتم فقط حذف فقرات كاملة فقط، لكنها تغير في مجرى أحداث العمل لتحديد بعض الصفات والآراء والسلوكيات للأبطال، فقد يضيف الرقيب فقرة تجعل شخصين غير متزوجين في رواية ما في حالة الزواج لكي تكون علاقتهما متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية".
في ظل تلك القيود، لجأ العديد من السينمائيين الإيرانيين إلى بعض التقنيات الفنية التي تبعدهم عن الصدام مع السلطة. من ذلك ما أشار له المخرج عباس كيارستمي عندما قال إنه: "يحاول عادة أن يختار قصصاً لا تحتم عليه أن يظهر الزوج والزوجة في منزلهما بمفردهما، لأنه وقتها لن يتمكن من تقديم مشهد واقعي". بشكل عام، طال مقص الرقيب جميع الأفلام التي أعلنت معارضتها للنظام. وصارت الأعمال السينمائية المعروضة في إيران خاضعة للمعايير الأخلاقية والدينية التي ترتضيها الحكومة.
السينما المستقلة.. إبداع رغم القيود
تسببت القيود التي فرضتها السلطة الإيرانية على السينمائيين في ظهور جيل جديد من المبدعين المستقلين. ركز أبناء هذا الجيل على إنتاج أفلام منخفضة الميزانية، وعملوا على مقاربة المشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية من خلال معالجات رمزية استعارية في أغلب الأحيان. عانى أبناء هذا الجيل من التضييق الأمني، رغم حصول أفلامهم على عدد كبير من الجوائز الدولية في العقود السابقة.
يُعدّ المخرج جعفر بناهي واحداً من أهم السينمائيين الإيرانيين المستقلين الذين تعرضوا للتضييق من قِبل السلطة الحاكمة. حصد بناهي العديد من الجوائز الرفيعة المستوى. من أهمها جائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية عام 2000 عن فيلمه "الدائرة"، وجائزة الدب الذهبي في برلين عن فيلم "تاكسي طهران" في سنة 2015، فضلاً عن فوزه بجائزة أفضل سيناريو في مهرجان كان السينمائي عن فيلم "ثلاثة وجوه" في سنة 2018.
على مدار السنوات السابقة تعرض بناهي للكثير من العقوبات، ووجهت له العديد من التهم كالتواطؤ على السلطة ومناهضتها، وتهديد الأمن القومي. وصدرت بحقه العديد من مذكرات التوقيف والحبس، كما مُنع من إخراج الأفلام لمدة 20 عاماً، وتم سحب جواز سفره. في يوليو 2022، تم توقيف بناهي مرة أخرى، وكان من المفترض أن يقضي عقوبة السجن لمدة ست سنوات. ولكن بعد سبعة شهور من الاعتقال بدأ المخرج الإيراني في إضرابه عن الطعام، وقال بناهي في بيان نشرته زوجته في فبراير 2023م: "اليوم، على غرار الكثير من الأشخاص العالقين في إيران، لا أملك خياراً غير التظاهر ضد هذا السلوك غير الإنساني مستخدماً أعز ما أملك: حياتي... سأبقى في هذا الوضع حتى الإفراج عن جثتي من السجن". على إثر ذلك تم الإفراج عن بناهي، وعاد إلى منزله.
لم يكن جعفر بناهي المخرج الوحيد الذي تعرض للاستهداف من قِبل السلطة الإيرانية في السنوات الأخيرة. في شهر يوليو سنة 2022م، تم توقيف المخرج محمد رسول آف الحائز على جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين في سنة 2020 "بعد تأييده تظاهرات شهدتها مدن إيرانية عدّة في أعقاب انهيار مبنى يقع جنوب غربي إيران"، قبل أن يتم الإفراج عنه -بشكل مؤقت- في يناير 2023م.
طالت العقوبات أيضاً المخرج كيوان كريمي. حُكم على كريمي بالسجن لست سنوات في أكتوبر سنة 2015م وذلك على خلفية "إهانة القيم المقدسة" و"الدعاية ضد النظام" في فيلمه الوثائقي "الكتابة على المدينة". والذي ركز فيه كريمي على الكتابة السياسية على الجدران في طهران، خلال الثورة الإسلامية في سنة 1979م، وفي أعقاب الانتخابات الرئاسية في سنة 2009م.
نال الممثلون الإيرانيون أيضا حظهم من الاستهداف الأمني. على سبيل المثال أوقفت الممثلة هنغامه قاضياني في نوفمبر سنة 2022م عقب مشاركتها في الاحتجاجات التي اندلعت بسبب وفاة الشابة الإيرانية الكردية مهسا أميني بعد توقيفها من قبل شرطة الأخلاق في طهران. ووجهت لقاضياني تهمة التشجيع على "أعمال شغب" والتواصل مع وسائل إعلام تابعة للمعارضة. مما يُذكر أن قاضياني فازت بجائزة أفضل ممثلة مرتين في مهرجان فجر السينمائي في طهران في سنتي 2008م و2012م.
اعتقلت قوات الأمن الإيرانية، الأحد، الممثلة الإيرانية كتايون رياحي بعدما خلع حجابها على الملأ دعما لحركة الاحتجاج التي اندلعت في إيران إثر وفاة الشابة مهسا أميني خلال اعتقالها، حسبما أفادت وسائل إعلام رسمية. pic.twitter.com/IdkENDqNIr
— IrfaaSawtak ارفع صوتك (@IrfaaSawtak) November 21, 2022
من جهة أخرى، من المُلاحظ أن قبضة الرقيب الإيراني خفت بعض الشيء في السنوات الأخيرة بالتزامن مع تصاعد وتيرة الاحتجاجات الشعبية ضد النظام الحاكم. في هذا السياق، سُمح لبعض الأعمال بتوجيه الانتقاد للأجهزة الأمنية والحكومة. على سبيل المثال عُرض في سنة 2022م فيلم "ما وراء الجدار" للمخرج وحيد جليلفاند. أثار الفيلم إعجاب النقاد لمّا احتوى عليه من مشاهد تسلط الضوء على القمع الذي تمارسه الأجهزة الأمنية الإيرانية ضد المتظاهرين.
