صباح السهل
صورة لصباح السهل منتشرة على محركات البحث

من كلمات عريان السيد خلف وألحان محمد جواد أموري، غنى صباح السهل أغنية "بلاية وداع" في سبعينات القرن الماضي، ولاقت نجاحاً كبيراً لدى الجمهور العراقي.

فيها يقول "يا رخص العشق من ينشرى وينباع"، وكأنه كان يتحدث عمّا سيحدث له لاحقاً بسبب عشقه لزوجته الثانية، التي وثق بها وأوقعت به وسجّلت له في جلسات خاصة أحاديث يتعرض فيها "لسلوك عدي صدّام حسين النزق وعلاقاته الجنسية المشبوهة، وتربيته الفاسدة على يد والده صدّام".

وقال في التسجيلات كلاماً سياسياً معارضاً لصدّام ونظامه، وأعطت هذه التسجيلات للاستخبارات العراقية، فاعتقل على أساسها بتهمة "التهجم على شخص السيد الرئيس وعائلته"، وأجريت له محاكمة سريعة خلال 42 يوماً قبل أن يُعدم شنقاً.  

وكان السهل فناناً معروفاً إلى حد كبير، ولا تزال أغنياته تسمع حتى اليوم. على يوتيوب واحدة من نسخ "بلاية وداع" حصدت أكثر من مليون ونصف مليون مشاهدة، حتى بعد أكثر من ثلاثين عاماً على إعدام صاحب الأغنية.

في لقاء عبر يوتيوب مع ابن صباح السهل، يتذكر خالد أنه كان بعمر ٢١ سنة حين أعدم والده، الذي اعتقل لدى أحد أجهزة الاستخبارات، من دون إعلام العائلة سبب الاعتقال.

وكان أحد المحامين يتابع القضية، وقال للعائلة إنه يعمل على الحصول لوالدهم على حكم مخفف لا يتجاوز ١٥ سنة سجناً.

يتابع خالد، أنه في أحد الأيام تلقت العائلة اتصالاً من إدارة سجن في أبو غريب تطلب منهم إحضار ملابس وطعام لوالده، وحين ذهبوا "فوجئوا" بسلطات السجن تسلّمهم جثة صباح السهل بعد إعدامه شنقاً!

ويؤكد في نفس المقابلة، أن جثة أبيه كانت تحمل آثار ضرب وتعذيب وصعق بالكهرباء. وبحسب خالد أيضاً "أوقعت زوجة صباح السهل الثانية به بعد أن سجلت له حديثاً له في جلسة خاصة في غرفة النوم وهو تحت تأثير الكحول. ويبدو أن دوافعها الانتقام لأنه رفض أن يكتب البيت الذي يملكونه باسمها".

وللمفارقة أن عائلة صباح السهل لم تكن تعرف أن سبب إلقاء القبض عليه وإعدامه كان زوجته الثانية، حتى أنها كانت متواجدة أثناء استلام جثته ومراسم الدفن السريعة التي قامت بها العائلة في منطقة أبو غريب، لأن إدارة السجن ألزمتهم بدفنه هناك ولم تسمح بنقل الجثة إلى مقبرة النجف.

وظل سبب الاعتقال والإعدام مجهولا بالنسبة لعائلة السهل، إلى ما بعد سقوط النظام البعثي عام 2003، حين نشرت إحدى الصحف القصة، وضمّنتها وثيقة أمنية من التحقيق معه، تستند إلى تسجيلات صوتية (مفرّغة) أعطتها زوجته الثانية للاستخبارات العراقية، وفيها أكثر من ثلاثين ورقة من تفريغ التسجيلات.

هكذا إذاً، في زمن صدّام حسين كان يمكن لتسجيل صوتي خاص مسرّب من غرفة النوم أن يودي بصاحبه إلى حبل المشنقة حتى لو كان فناناً معروفاً.

وعن تلك الفترة يكتب الباحث أحمد الواصل في كتابه "ما بعد الأغنية: دراسة في مشروعية الغناء العربي"، أن "الترهيب الأيديولوجي كان يعلو في العراق، ما دفع الحناجر اليسارية نحو الهجرة، مثل، فؤاد سالم وشوقية العطار، وفرقة الطريق وشموع، أو تجنح إلى الصمت قسراً، وأخرى تتبنى الحياد الأيديولوجي وتتعثّر حتى هاجرت لاحقاً، مثل، كاظم الساهر ومحمود أنور وعلي العيساوي وفريدة محمد علي".

ويتطرق الواصل سريعاً إلى إعدام السهل، كجزء من هذا "الترهيب الأيديولوجي".

وبحسب هاديا سعيد في كتابها "سنوات من الخوف العراقي"، كان نظام صدام حسين، يتحكّم بـ"بمنع أو فك المنع عن أغنية"، وتعطي أمثلة عن "منع أغنيات صباح لأنها غنت مع إنريكو ماسياس ذي الميول الصهيونية ومنعت أغنيات محمد عبد الوهاب بعد تأييده لرحلة السادات إلى القدس.. وغير ذلك الكثير".

وتروي: "فجأة، كان يسطع نجم أو نجمة وتبث أغنياته أو أغنياتها في الإذاعة وعلى التلفزيون، كأنها تنافس نشرات الأخبار التي تكرر بث أخبار زيارات الرئاسة والبرقيات التي تلقاها أو أرسلها القصر الجمهوري أو الرئاسي (الأب القائد، والسيد النائب) ولم يكن المزاج عراقياً دائماً، بل كان أعجمياً وعربياً أحياناً، إذ حطت فجأة أغنيات المطربة الإيرانية كوكوش، وأغنية ليالي الأنس في فيينا بصوت وصورة مطربة معتزلة، ضيفة دائمة على أسماعنا، في الإذاعة والتلفزيون، وكثيراً ما قطع علينا فيلم الليلة أو المسلسل أو أي برنامج رياضي أو وثائقي لتطل مطربة مغربية بنظارتيها الشهيرتين تفرض علينا مشاركة مزاج الأب القائد، إذ انتشرت همسات تقول إنه كان يهاتف مدير التلفزيون لعرض الأغنية التي يحبها جداً، في أي وقت يحلو له".

مواضيع ذات صلة:

Models are dressed in traditional Iraqi costumes during a fashion show at the Iraqi National Museum during the holy month of…
من عرض أزياء للملابس العراقية التقليدية في المتحف الوطني في بغداد- تعبيرية

"يكاد يكون (كتاب ألف ليلة وليلة) عَلَماً ثانياً على بغداد، لأن آثار حضارتها المادية ألح عليها طغيان الدهر حتى محاها، أما هي في هذا الكتاب فلا يزال سناها باهياً لم يخُب وصداها مدوياً لم ينقطع"، يكتب أحمد حسن الزيّات في كتابه "في أصول الأدب"، الذي أفرد فيه فصلاً كاملاً للحديث عن تاريخ الحكايات العربية التي جمعت في كتابٍ اشتهر بِاسم "ألف ليلة وليلة".

يرى الزيّات أن لهذه الحكايات فضل كبير على بغداد بعدما حفظت للتاريخ حضارتها الغابرة وخلّدتها بين الناس كـ"متحف للأعاجيب" مؤدية في ذلك دوراً مناظراً لما فعلته النقوش التي خلّفها الفراعنة على جدران معابدهم ومقابرهم.

ورغم أن أحداث القصص تدور في كثير من مدن العراق مثل البصرة والموصل والأنبار وواسط إلا أن بغداد استأثرت بالاهتمام الأكبر باعتبارها مدينة مركزية للسياسة والعلم والمعرفة والترف، كما يقول محمد عبدالرحمن يونس في بحثه "القاهرة في حكايات ألف ليلة وليلة".

بحسب يونس فإن الحكايات منحت بغداد أفضلية على مدن عربية كبيرة أخرى كالقاهرة ودمشق ليس فقط من حيث عدد الحكايات وإنما على مستويات عديدة مثل تعدد القصص وتشعّب الملامح الاجتماعية والسياسية والثقافية للمدينة وقتها بسبب قُدرة بغداد المنفتحة حضارياً على استيعاب الجنسيات المختلفة.

وفقاً للكتاب فإن بغداد امتلكت سوراً عظيماً كان يُغلق عند الغروب مخافة تسلل الأعداء إليها ليلاً، وحفلت دروبها وأسواقها بمغامرات كبار التجار بيعاً وشراءً، وكثيراً ما شهدت الجولات السرية للخليفة العباسي هارون الرشيد لرصد أحوال الرعية.

بشكلٍ غير مباشر انتقدت حكايات "ألف ليلة وليلة" بشدة حالة الطبقية التي تردّى إليها المجتمع البغدادي والذي انقسم إلى "سباع تفترس كل شيء؛ المال والنساء وأموال الخراج وإلى كلاب مذعورة لا يحقُّ لها الاقتراب من مكامن السباع المفترسة"، وفقاً لما أورده دكتور محمد يونس في دراسته "ملامح شخصيّة الخليفة هارون الرشيد في حكايا ألف ليلة وليلة".

فيروز وأم كلثوم
بغداد في الأغاني.. أم كلثوم وفيروز وعبد الوهاب وكاظم الساهر وآخرون
من جيل المغنين والمغنيات الجدد، أطلقت الفنانة الأردنية ديانا كرزون في العام 2016 أغنية بعنوان "ودّيني على بغداد/ روحي مشتاقة لبغداد" من كلمات أحمد هندي وألحان علي بدر، وقد حصدت ملايين المشاهدات عبر موقع "يوتيوب". كما غنت الفنانة السورية فايا يونان في العام 2018 قصيدة للشاعر اللبناني زاهي وهبي وألحان حازم شاهين مطلعها "بغداد بين النهرين كتبها الله قصيدة/ بغداد بين الشفتين تعويذة عذراء".

أشهر قصص بغداد

يروي أنس داود في كتابه "الأسطورة في الشعر العربي الحديث" أن شوارع بغداد شهدت العديد من حكايات "ألف ليلة وليلة" مثل قصة علاء الدين التاجر الثري الذي سافر من مصر إلى بغداد وهاجمه الأعراب في الطريق ونهبوا تجارته فخسر كل أمواله لكنه ينجح في الوصول إلى بغداد ويلتقي بالمغنيّة "زبيدة العوديّة" التي يتزوجها. ذات ليل يمرَّ هارون الرشيد متنكراً في زي الدراويش بمنزلها ويستمع إلى قصة التاجر فيأمر بمساعدته وإنقاذه من محنته.

أيضاً عرفت بغداد قصة سندباد الذي خاض العديد من المغامرات البحرية ثم بنى لنفسه داراً فسيحة في بغداد كانت مليئة بالجواري والعبيد وأقام مجالساً يروي فيها طرائف رحلاته، وغير ذلك من الحكايات التي كشفت كثيراً من جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية داخل عاصمة العباسيين في ذلك الوقت.

وفي هذا السياق، تقول سهير القلماوي في كتابها "ألف ليلة وليلة"، إن هناك حكايات أخرى حملت تأثيراً بابلياً مثل قصة بلوقيا وقصة مدينة النحاس وقصة عبدالله بن فاضل وإخواته، وتتابع أن بعض القصص التي دارت حول الخلفاء وبلاطهم منحتنا صورة اجتماعية مميزة عن حجم الثراء والبذخ الذي تنعّموا فيه في ذلك الوقت.

 

هارون وزبيدة

لعب معظم الخلفاء العباسيون دوراً هامشياً في أغلب الحكايات العربية مثلما جرى مع المستنصر بالله بن المرتضى والمنتصر والمستعين، باستثناء الخليفة هارون الرشيد الذي نال أهمية كبيرة في هذا الكتاب بعدما تركّزت عدة حكايات عليه وعلى بلاطه، وربما كان لذيوع هذه الحكايات دوراً أساسياً في الشهرة الكبيرة التي نالها الرشيد في العصور الحالية شرقاً وغرباً.

تعتبر القلماوي، أن قصص هارون الرشيد وطريقته في التعامل مع الحكم مثّلت ركناً أساسياً من حصة بغداد من الحكايات.

قدّم الكتاب الرشيد باعتباره شخصية ذات هالة أسطورية فرضت قبضة من حديد على دولته مترامية الأطراف، فكان يكفي ذِكر اسمه ليرتعد الولاة والعمّال والجُباه حتى ولو كانوا في الأصقاع البعيدة عن بغداد، حسبما يذكر يونس في بحثه.

أسطرة الليالي العربية لشخصية هارون قدمته بأشكالٍ متعددة تناقضت مع صورته الورعة التي قدّمتها كتب التاريخ التقليدية كرجل "يصلي كل يومٍ وليلة مئة ركعة"؛ فهو، بحسب "ألف ليلة وليلة" شخص طائش غاضب يتوعّد خولي بستانه الشيخ إبراهيم بالصلب إن لم تحسن جاريته الغناء، وهو نهم في شرب الخمر حتى أنه كان يتورط في القسم على أمور يندم عليها حينما يفيق من حالة السُكر ويحتاج إلى فتوى "مصطنعة" لتبرّأته منها.

وفق "ألف ليلة وليلة" فإن الرشيد كان حريصاً في أوقاتٍ كثيرة على التأكيد على شرف نسبه فكان يقسم قائلاً "وحق اتصال نسبي بالخلفاء من بني العبّاس"، وأنه كان يعامل وزيره جعفر البرمكي باحتقار غير مبرّر حتى أنه كان يخاطبه من وقتٍ لآخر بـ"كلب الوزراء"، وكان يتوعّده بالصلب لو لم يُنفذ تعليماته كما يجب.

في المقابل قدّمته حكايات أخرى كشخصٍ مغامر يقوم بجولات ليلية متنكراً بصحبة الوزير جعفر أو معاونه مسرور السيّاف ليتفقد أحوال الرعية ويرصد تصرفاتهم، وفي الصباح كان يغدق العطاء للصالحين منهم ويأمر بمعاقبة المجرمين، وفي حكاية أبي الشامات أظهر الرشيد إعجاباً بالموسيقى فهو يطلب الاستماع إلى وصلة غناء حتى "يحصل لنا انتعاش، فإن السماع لقومٍ كالغذاء ولقوم كالدواء"، حسبما ذكرت القصة على لسان الرشيد.

بحسب الحكايات فإن الرشيد ظهر عاشقاً للنساء وامتلك آلاف الجواري الحِسان أشهرهن الجارية "دنانير" التي أشعلت خلافاً كبيراً بينه وبين زوجته  زبيدة التي كان يكنّ لها الخليفة العباسي لها محبّة كبيرة أيضاً ومنحها مكانة كبيرة في دولته.

المساحة الكبيرة التي نالها هارون الرشيد حتّمت أن تظهر زوجته زبيدة في أكثر من موضع كأهم امرأة في السُلطة العباسية، وكنموذج نسائي موازٍ للرشيد فهي أيضاً تملك الجواري والعبيد والقصور وصلاحيات كبيرة تخوّل لها إصدار الأوامر لتُنفذ دون مناقشة من جميع مسؤولي الدولة، فكان يعرّفها مسرور السياف بـ"زوجة أمير المؤمنين عم النبي"، وكان على الجميع "تقبيل الأرض فور رؤيتها" إجلالاً لمكانتها.

في حكاية "هارون الرشيد مع محمد بن علي الجوهري"، تستدعي زبيدة تاجراً ثرياً يقيم في بغداد ولما حاول التملُّص من الدعوة تلقى تهديداً مبطّناً من خادمتها "يا سيدي لا تجعل السيدة زبيدة تغضب عليك وتبقى عدوتك، قُم كلّمها". في الحكاية خاف الجوهري من غضب زبيدة وما قد يجلبه عليه من نفي خارج بغداد أو مصادرة أمواله.

ومن خلال قصة أخرى يمكن تبيّن مدى غيرتها من تعلّق هارون بإحدى جواريه وتُدعى "قوت القلوب"، فتدبّر محاولة فاشلة لقتلها.