مسلسل "ابتسم أيها الجنرال" من بطولة مكسيم خليل وعبد الحكيم قطيفان
مسلسل "ابتسم أيها الجنرال" من بطولة مكسيم خليل وعبد الحكيم قطيفان

ينجذب السوريون في كل رمضان، إلى لون درامي مميز قد يكون تاريخياً أو معاصراً أو يتطرق للأزمة السياسية والأمنية المستمرة منذ 12 سنة، والأخيرة غالباً ما تتصف بالخجل من التأشير على الأسباب أو الشخصيات المحورية فيها.

ولكن هذا العام، برز مسلسل "ابتسم أيها الجنرال"، للكاتب سامر رضوان الذي كتب أيضاً المسلسل الشهير "الولادة من الخاصرة" قبل سنوات، لكونه أجرأ على نحو ما، من مسلسلات أخرى عبرت عن الأزمة السورية.

المسلسل الذي حظي بإنتاج خارجي وجمع نخبة من فنانين سوريين معارضين للنظام، واجه الانتقادات أيضاً، بسبب إخفاء الأسماء الحقيقية ورسم بعض الشخصيات على نحو مختلف عن القناعات السائدة، وتقزيم أو تضخيم بعض الأحداث.

وعلى موقع يوتيوب، حاز المسلسل الذي يُبث كاملاً مجاناً، على ملايين المشاهدات.

مسلسل "ابتسم أيها الجنرال" من بطولة مكسيم خليل وعبد الحكيم قطيفان
"هداك المسلسل".. معارضون سوريون يحتفون "بجرأة ابتسم أيها الجنرال"
لا أحد من السوريين داخل سوريا يجرؤ على أن يقول إنه يتابع مسلسل "ابتسم أيها الجنرال"، لأنه بصورة ما، يلمّح لخفايا نظام بشار الأسد وعائلته الحاكمة، وما يحدث داخل القصر الجمهوري، بحسب ما تداول متابعوه على مواقع التواصل، على الرغم من أن الشركة المنتجة قالت إن جميع أحداث المسلسل وشخصياته من "وحي الخيال، ولا تقصد بها أي جهة معينة، وأي تشابه بينها وبين شخصيات حقيقية هو من قبيل المصادفة".

وعلى العموم فإن الكاتب والعمل حاول تبرير بعض التساؤلات كإخفاء الأسماء حيث تم التنويه في العمل بأن "جميع شخصيات المسلسل وأحداثه من وحي الخيال، وإن أي تشابه بينها وبين شخصيات حقيقية هو من قبيل المصادقة"، كما برزت عدة تساؤلات وجدليات بشأن المسلسل السوري اللبناني المشترك "النار بالنار"، ويبدو أن المسلسلين تصدرا اهتمام المتابعين المهتمين بالقضية السورية.

في هذا المقال، نحاور الناقد الفني السوري محمد منصور، والكاتب والمخرج السوري أيهم سلمان، بخصوص مسلسلي "ابتسم أيها الجنرال" و"النار بالنار".

ابتسم أيها الجنرال: تأليف سامر رضوان، وإخراج عروة محمد. بطولة مكسيم خليل، وعبد الحكيم قطيفان وعزة البحرة. 
النار بالنار: تأليف رامي كوسا، وإخراج محمد عبد العزيز. بطولة عابد فهد، وجورج خباز، وكاريس بشار.

 

"ابتسم أيه الجنرال"، هل يمكن وصفه بأنه "جريء وخارج عن المألوف"؟ وهل استثمر خروجه عن رقابة النظام السوري جيداً؟ "إلى حد ما"، يقول الكاتب والناقد الفني السوري محمد منصور، لـ"ارفع صوتك".

ويوضح: "لكن المسلسل لم يستثمر تحرره من سيف الرقيب جيدا، ولم يوثق الحقيقة السورية المتمثلة بجرائم النظام التاريخية داخل سوريا وخارجها، وإن سعى لملامسة هذا التاريخ الأسود ضمن بنية درامية مواربة، آثرت ألا تسمي الأشياء بمسمياتها، وفضلت المحاكاة المموهة على التصريح، فتم تقزيم حدث اغتيال الحريري وجعله على سبيل المحاكاة اغتيالا لمدير محطة تلفزيونية بثت شريطا شكل فضيحة شخصية للنظام، دون أي مبرر برأيي لهذا الهروب، وهناك العديد من الأمثلة على هذا التمويه والمحاكاة التي قزمت جرائم كبرى للنظام".

فيما يرى الكاتب والمخرج أيهم سلمان، أنه "وفي ظل الوضع الأمني والسياسي المعقد، يتحاشى الكتاب الدراميون تناول هذا النوع من القصص، خاصة مع التطورات الأخيرة ومحاولات إعادة استصلاح الأنظمة السياسية في المنطقة".

"لذلك فإن العمل كفكرة هو سباحة بعكس التيار، ولهذا أهمية كبيرة، إذ إن أثر الدراما في تغيير المزاج العام أمر لا يستهان به. لكن في نفس الوقت لا يمكن القول أن ما يقدمه بمثابة توثيق للحقيقة، بل محاكاة لها. صحيح أن الكاتب استوحى الكثير من أحداث يعتقد الكثيرون أنها حقيقة، لكنه نسجها في رواية افتراضية موازية للحقيقة"، يبيّن سلمان لـ"ارفع صوتك".

هل  شخصية مكسيم خليل هي شخصية بشار الأسد فعلا؟ يجيب منصور: "مكسيم خليل سعى لرسم شخصية متماسكة لديكتاتور يواجه سلسلة من الأزمات في محيطه العائلي والسلطوي، وتتجاوز شخصية بشار الأسد الموسومة بالغباء والسطحية والفذلكة الفارغة التي تتبدى في خطاباته وحواراته، وفي الانطباعات التي كتبها عنه إعلاميون أجانب التقوا به".

ويضيف: "كانت الشخصية التي قدمها مكسيم خليل أهم من شخصية بشار في الواقع، وربما جعل هذا الكثير ممن يرون في بشار الأسد قاتلا ومجرما، يتعاطفون معه ومع ما يواجهه من أزمات".

بينما يؤكد سلمان أن "الكاتب لا يحدد هنا شخصية سياسية بعينها رغم التقاطع الكبير مع ما يُروى عن الأسد، لكنه يقدم نموذجاً عن ديكتاتورية شرق أوسطية، تتقاطع مع كثير من الشخصيات في المرحلة الحالية وفي مراحل سابقة داخل سوريا وربما دول أخرى".

ويتابع أن "الكاتب جمع خصائص ولامس بعض السرديات المعروفة عن شخصيات دكتاتورية عدة وقدمها في شخصية واحدة".

هل يبرر للقائمين على العمل عدم ذكر الشخصيات وترك الموضوع خارج إطار التوثيق؟ يقول سلمان: "ليس من الوارد تسمية الأشخاص في هذا النوع من الأعمال، لأنه بالنهاية ليس عملاً توثيقياً. هي دراما افتراضية تستقي بعض أحداثها من الواقع، مع إضافة لمسة الكاتب التي تكمل الدوائر الناقصة في الروايات أو السرديات الحقيقية".

"حتى في الولايات المتحدة الأميركية ودول أخرى يحظى مبدعوها بمساحة واسعة من حرية التعبير، نجد هذا النوع من الأعمال الذي يقدم روايات افتراضية تحاكي الواقع، ولا تدّعي أنها تنقله كما هو"، يضيف سلمان.

من جهته، يقول منصور، إن هذا "خيار فني يمكن أن يلجأ إليه الكاتب في مقاربة السيرة الذاتية لعائلة الأسد في الحكم، ويحق له أن يحاكي سيرتها ويموه الأسماء الحقيقية، شرط أن يمضي في هذا الخيار إلى النهاية".

ويستدرك، أن "صناع العمل أوحوا وسربوا قبل عرضه أنه يتناول سيرة عائلة الأسد ثم راحوا يتقلبون بين النفي والتأكد"، مردفاً "وهذا في الحقيقة أمر غير مشروع فنياً لأنه يحول الدراما إلى سلسلة من الشائعات والتأويلات المتضاربة".

ما الإشكاليات المطروحة في مسلسل "النار بالنار"؟ يشرح منصور " مسلسل النار بالنار سعى للحديث عن المحنة السورية واللجوء القسري الي لبنان  ولعل هذا المقاربة تحسب له، لكن الطامة الكبرى أنه قلب الحقائق فصور العنصرية ضد السوريين أنها تصرف فردي لشخص اعتقل السوريون أباه أثناء الوجود السوري في لبنان... في حين يعلم اللبنانيون أنفسهم أن هذا كذب وأن العنصرية في لبنان متفشية بينهم وليست تصرفا فرديا، كذلك زور العمل كل الصورة اللتي انتجت محنة اللجوء السوري فرغم أن بطلته نازحة من ريف دمشق الا أنه لم يذكر مجازر الكيماوي ولا قصف النظام وحصاره للغوطة وتجويع أهلها على مدى اكثر من خمس سنوات، ولا ننسى ان الشركة المنتجة لهذا العمل (شركة الصباح) شركة لبنانية مقربة من حزب الله ومن النظام السوري

بدوره يرى المخرج والكاتب أيهم سلمان أن العمل جريء بالفعل، من حيث الحوارات التي تتضمنه، وهي منتقاة من حوارات الشارع وما يدور بين السوريين واللبنانيين من أحاديث على سبيل المثال، يضاف إلى ذلك أن العمل أشار إلى قضية المختفين اللبنانيين منذ الحرب الأهلية اللبنانية، والتي لم يتم تناولها سابقاً بهذا الوضوح في عمل درامي، لكن بالتأكيد ليس هذا العمل الوحيد الذي تناول بعض جوانب معاناة السوريين في الداخل والخارج، سواء في هذا الموسم أو مواسم سابقة، لكن ما يميزه هو الجرأة في الحوارات وتسمية الأمور بمسمياتها، في محاولة لفتح هذا النقاش وبحث جوهر مسألة العنصرية وخلفياتها.

ما اللافت في باقي الأعمال السورية الرمضانية وكيف تناولت المحنة السورية؟ يرى منصور، أن الدراما السورية "ما زالت مرهونة برغبات نظام الأسد، تهرب من أي حديث عميق وجديّ عن المحنة السورية وأسبابها العميقة بنزاهة وموضوعية وتحاول ملامسة بعض النتائج دون أن تجرؤ على تشخيص الأسباب الحقيقية".

بالنسبة لسلمان، فإن الأعمال السورية عموماً "لم تخرج من دوامة تكرار القضايا ذاتها، سواء الوضع الاقتصادي أو أحوال اللاجئين، رغم معالجة بعض الأعمال لها من زوايا جديدة، أو بمستوى أعلى من الجرأة. لكن يمكننا أن نجد للمسلسلات نماذج مشابهة من سنوات سابقة".

مواضيع ذات صلة:

هالا غوراني مع غلاف كتابها - من حسابها على فايسبوك
هالا غوراني مع غلاف كتابها - من حسابها على فايسبوك

كان اسمها هالا إبراهيم باشا. وكانت في العشرين من عمرها، تعيش في باريس في تسعينات القرن الماضي، وقد تخرّجت للتو من إحدى الجامعات المهمة في فرنسا، ولديها خبرة عامين، وتحاول التقدم إلى عمل. جمعت سيرتها الذاتية ورتّبتها، كان اسمها مذكوراً في الأعلى: هالا باشا، وكانت اللغة العربية من ضمن اللغات التي تتحدثها بطلاقة، فوضعت ذلك في السيرة الذاتية كعنصر يفترض أن يكون معزّزاً لفرصها في نيل وظيفة. لكن الأمر كان معاكساً. لم تتلق هالا أي ردّ على سيرتها الذاتية، ولم يصلها أي عرض عمل. حينذاك، أحد أصدقائها نصحها بإزالة اللغة العربية من السيرة الذاتية. قال لها: "فرنسا مجتمع توجد فيه عنصرية مؤسسية وبالتأكيد تمييز ضد العرب، وهذا ما تم إثباته في العديد من التجارب، حيث يتم ارسال السيرة الذاتية الوهمية باسم عربي مقابل اسم غربي، والاسم العربي يحصل على قدر أقل بكثير من الاهتمام".

لهذا، قررت هالا أن تزيل اللغة العربية من سيرتها الذاتية، وأضافت صورتها بشعر أشقر وعيون زرقاء، تبدو فيها أجنية، وقررت أن تغيّر اسم عائلتها، وتعتمد اسم عائلة والدتها بدلاً من والدها، ويصير اسمها الكامل: هالا غوراني، وهو اسم كما تقول له وقع غربي. وهكذا صارت الإعلاميةَ المعروفة أميركياً وعالمياً بسبب عملها في قناة "سي أن أن" وتقديمها برنامجاً حمل اسمها على القناة الأميركية المشهورة.

"لكن لا يبدو عليك أنك عربية"، هذه هي العبارة التي سمعتها هالا مراراً وتكراراً، جعلتها عنوان كتابها الصادر حديثاً باللغة الإنجليزية. وهو عبارة عن سيرة ذاتية تخوض في تفاصيل حياة غوراني المهنية وتاريخ عائلتها المركّب.

تعتمد الإعلامية في سردها على الدمج بين حياتها الشخصية وبين حياتها المهنية. فهي من جهة ابنة مهاجرين سوريين، وهي في الآن عينه المراسلة المعروفة التي سافرت إلى مختلف أنحاء العالم، لتغطية الأحداث والنزاعات والحروب. تصيغ حياتها كانعكاس لجذورها من جهة، ولانتمائها إلى مهنة الصحافة التي تتحول إلى وطن في غياب الهوية الواضحة.

استطاعت هالا، من خلال تجاربها أن تجد مكانها في جميع الأماكن التي شعرت فيها بأنها "الآخر"، كما في حلب، سوريا، موطن والديها؛ وفي سياتل، واشنطن، حيث ولدت؛ وفي باريس، فرنسا، حيث نشأت. وأيضاً في لندن، إنجلترا، حيث بدأت رحلتها الصحفية، وفي العاصمة الأميركية واشنطن حيث أمضت معظم حياتها المهنية. 

كقطع "البازل" تمكنت غوراني من تجميع حياتها ومسيرتها المهنية من خلال إجراء مقابلات مع عائلتها، وتدوين الملاحظات على مدى عقود، والتحدث إلى زملائها، والاعتماد على ذكرياتها، لكي تصل في النهاية إلى معرفة ذاتها، وفهم هويتها المركّبة، وما عانته طوال رحلتها الشخصية والمهنية، كمهاجرة، من تنميط مارسته هي نفسها مع نفسها، لمحاولة "النجاة"، وتحقيق الطموح والارتقاء في السلم الوظيفي. وحينما حققت غوراني ذاتها مهنياً، راحت عبر الكتاب تبحث عن تاريخها وهويتها وانتمائها. 

باستخدام ذكرياتها عن الماضي والسياسة تتنقل بين شبابها وحياتها المهنية، بين الوظائف والمناصب، والبلدان والمهمات، والأحداث الشخصية والمهنية، مما يساعدها على ترسيخ أقدامها في السعي لاكتشاف نفسها. تعرّج على الأماكن التي زارتها كمراسلة، وتجعل منها محطات في تماسها مع جذورها المشتتة حول العالم. تعود إلى حلب، موطن والديها الأصلي، وتشعر بجراح المدينة التي لم تندمل منذ العام 2011.

عن هذا الجرح تقول في مقابلة مع شبكة "سي أن أن" التي عملت فيها لسنوات طوال: "للأسف لم يلتئم الجرح فهو لا يزال موجوداً لأنه ما زال يجعلني اشعر بالعاطفة وكل التجارب السابقة التي مررت بها، سوريا، موت سوريا التي أعرفها لا يزال الشيء الذي يحزنني".

تحكي غوراني بأسلوب السيرة الذاتية، سيراً مختلفة لأمكنة وبلدان، وتغوص في سيرة النزوح والهجرة واضطراب الهويات: "أردت أن أروي هذه القصة العالمية للنزوح، للهجرة. كانت عائلتي عائلة عربية سورية تعيش في الغرب الأوسط الأميركي. في وقتٍ مبكرٍ جداً تدرك أن اسمك مختلف وتدرك أن والديك يتحدثان لغة أخرى ويأكلان طعاماً مختلفاً. وليس العرب الذين يعيشون في الولايات المتحدة هم فقط الذين يشعرون بهذه الطريقة يمكن أن يكونوا لاتينيين أو أشخاصاً من دين أو عرق مختلف، عندما تنتمي إلى أقلية كما كتبت في كتابي، فأنت تنتمي أحياناً إلى قبيلة مكونة من شخص واحد لإنك الطفل الوحيد من تلك الخلفية والوحيد الذي يختلف بلد والديه الأصلي تماماً عن المكان الذي انتهى بهما الأمر إلى الاستقرار فيه".

يبدو الكتاب كمحاولة لتصحيح تلك السيرة الذاتية التي أخضعتها غوراني لنوع من "التزوير الأبيض" بغرض تفادي التنميط وعدم خسارة فرص بسبب الممارسات العنصرية أو النبذ الاجتماعي. في الكتاب تفصح غوراني عن هويتها في معرض البحث عنها، لتكتشف أنها هوية مركّبة وغير مستقرة. هي الهوية التي تجمع ما بين عدم الإنتماء إلى أي بلد والانتماء في الوقت نفسه إلى مجموعة كبيرة من البلدان. ولهذا فإنها في نهاية كتابها تصل إلى خلاصة أن الوطن، هو في الحقيقة هذه التجربة كلها التي عاشتها ودوّنتها. الوطن يصير هو الكتاب.

غلاف الكتاب

على الغلاف الخلفي للكتاب، الصادر في فبراير من العام 2024، عن دار "هاتشيت" في نيويورك، مراجعة قصيرة كتبها الكوميدي المصري باسم يوسف، يقول فيها: "لكن لا يبدو عليكِ أنك عربية"، يمكن أن يكون "لا يبدو عليك أنك مسلمة، مسيحية، يهودية، أميركية.. هذا الكتاب يخاطب كل من شعر بالحاجة للظهور بشكل معين، أو ليتكيف مع وضع معين، أو التأقلم مع توقعات الآخرين عنه". ويضيف يوسف: "هذا الكتاب يجب أن يضاف إلى طلبات الهجرة التي نقدّمها".