في أغسطس 2022، "هجمت" معجبة مصرية على كاظم الساهر خلال إحيائه حفلاً على مسرح النافورة في دار الأوبرا المصرية، و"ارتطمت به بقوة من الخلف"، ثم عانقته طالبة التقاط صورة تذكارية معه.
هذا الأمر ليس غريباً على حفلات كاظم الساهر عموماً، التي تشهد مواقف عدة ترتبط بـ"جنون" معجبات ومعجبين بالفنان العراقي. وفي مصر تحديداً يبدو سلوك هذه المعجبة "مبرراً" بعد أن غاب "القيصر" (وهو لقب أطلقه عليه الشاعر السوري نزار قباني) عن مصر ما يزيد على 13 عاماً، قبل أن يحيي حفلتين يتيمتين في العام الماضي في "أمّ الدنيا"، ويجري مقابلة تلفزيونية مع الإعلامية المصرية منى الشاذلي لاقت تفاعلاً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي المصرية والعربية.
علاقة الفنان العراقي الشهير بمصر قديمة قدم الظاهرة التي شكّلها في العالم العربي والنجاح الكبير الذي حققه. وقد استقر الساهر في مصر لسنوات قليلة خلال التسعينات بعد أن ترك العراق، لكنه اضطر بعدها إلى ترك مصر بعدما واجه تحديات كبيرة في مواجهة الرقابة المصرية والإعلام المصريين.
وتلاحظ الباحثة والمطربة المصرية فيروز كرواية في كتابها "كل ده كان ليه؟"، الصادر حديثاً، أن ظاهرة كاظم الساهر شكلت تحدياً "لمعايير الرقابة على كلمات الأغنية العاطفية، والفقر الذي منيت به نصوص الغناء المصرية، البعيدة عن أي مقاربة جنسانية أو متحررة". جاء ذلك، بحسب كراوية، في "ذروة هيمنة خطابات الصحوة الإسلامية وتوغل الدعاة الإسلاميين الذين وصل تأثيرهم لحذف أغنيات قديمة من البرنامج الإذاعي واستبدال كلمات أغنيات أخرى بمنطق القراءة الحرفية للمجازات الشعرية وتوزيع اتهامات التكفير".
وقد عرف الفنان العراقي، الذي بدأت نجاحاته تتوالى منذ العام 1989 وبلغت أوجها في التسعينات، كيف يخاطب النساء العربيات اللواتي، بحسب كراوية، "ارتدّت بهن خطابات الصحوة الإسلامية عقوداً للوراء تفرض عليهن نقاشات حول حرمة ملابسهن وأصواتهن وعملهن وكل ما يتعلق بدقائق حياتهن الخاصة واختياراتهن وسلوكهن".
وتلاحظ كراوية من خلال بحثها، الغياب العام للغة الغزل وأساليبه الشعرية التي اشتهر بها الشعر العربي القديم والأغنية الزجلية الشعبية، وامتلأت الأغاني العربية في المقابل في تلك الفترة بـ"الاستعارات السطحية الفقيرة لغوياً، التي تصور حباً من دون اتصال أو ملامسة أو رؤية للجنس الآخر".
وترى الكاتبة ان كاظم الساهر استطاع أن يكون أكثر حرية في اختياراته لكلام الأغاني، خصوصاً مع نزار قباني، حتى أكثر من عبد الحليم حافظ مثلاً "الذي اضطر إلى حذف الكثير من أبيات قصيدة "قارئة الفنجان" وتعديلها تحت ضغوط رقابية".
هذا برأي كراوية، سعّر الحرب الإعلامية ضد الساهر في الصحافة المصرية، "التي بدأ كتابها على استيحاء في تبرير نجاحه باستدراره لتعاطف الجمهور بسبب الأزمة العراقية". هذا واقع تقر به كراوية حينما تقول إن "حصار العراق المهلك في التسعينات وحكاية كاظم الذي فرّ من جحيم صدام حسين.. صنعا تعاطفاً أولياً مع غنائه"، لكنها تعترف أيضاً للساهر بذكائه في و"نظرته الثاقبة" عندما اختار أن يحيي خطاباً غزلياً "وسط مناخات ذكورية متقشفة".
وتستعرض كراوية طبيعة الهجمة المستعرة التي تعرض لها كاظم الساهر في مصر، عبر نشر أخبار عن "هروب البنات وتهديدهن بالانتحار بسبب منعهن من حضور حفلات كاظم"، كما جاء في مقال في جريدة "الجمهورية" بعنوان "معجبات كاظم الساهر من الانتحار إلى الهروب"، يحكي قصص معجبات ومن بينها قصة فتاة هربت من أسرتها من أجل لقائه.
في مقال آخر في مجلة "روز اليوسف"، في سبتمبر 2000، عنوانه "نساء فالصو... الطلاق بسبب كاظم الساهر"، "رصد" الكاتب هوس بعض معجبات كاظم الساهر به، ما أدى في بعض الأحيان إلى مشاكل أسرية وطلاق.
لاحقا، جرى وصف أغنيات كاظم الساهر بـ"الإباحية" ومنعها من البث في الإذاعة الرسمية، وجرت مصادرة أغنية "يا ساكنة حينا"، التي يغني فيها المغني العراقي بحبيبة مسيحية: "انتي على دينك/ وأنا على ديني.. تصومي خمسينك/ وأصوم ثلاثيني".
وقد تناول مقال منشور في جريدة "الأحرار" في سبتمبر 1999 أزمة منع هذه الأغنية وجاء تحت عنوان "محاكمة أغاني كاظم الساهر". ويشير المقال إلى أن "لجنة النصوص في الإذاعة الرسمية اتهمت نزار قباني بالإباحية وكاظم الساهر بنشر الفتنة".
تدرّجت "الحرب" على كاظم الساهر في مصر، بحسب كراوية، حتى وصلت إلى "فرض نقابة الموسيقيين رسوماً عالية على فرقته لاستقدامه عازفين عراقيين، وانتقل كاظم للإقامة بين قطر وباريس مع صعود شركة روتانا التي استقطبته سريعاً وقدم ألبوماته التالية من خلالها".
