يبرع الصدّاف عبد المنعم ربيع (47 عاما)، وهو لاجئ سوري مقيم في ولاية بورصة التركية، بمهنة نادرة ومتميزة ورثها عن أجداده وحافظ عليها من الاندثار، وهي تطعيم الخشب بالصدف والعاج.
بدأ عبد المنعم، الذي ينحدر من مدينة جيرود في ريف دمشق، العمل في سوريا منذ كان طفلا، وعند لجوئه لمدينة بورصة في تركيا عام 2014، استمر في المهنة التي يعشقها، حيث افتتح عمله الخاص بترميم التحف وصناعة المنتجات المطعمة بالصدف والعاج، كعلب المجوهرات والصمديات، والأبواب والخزائن والمنصات، وإطارات المرايا وسواها.
يقول "ورثت هذه المهنة عن عائلتي، وبدأت بتعلمها حين كنت طفلا بعمر السابعة، وكنت أذهب إلى ورشة العائلة كي أمضي أوقاتا من اللعب بقصاصات الأخشاب، وأصنع ألعاباً خشبية، وفي عمر الثانية عشرة تعلمت الكثير، وبدأت العمل بجانب دراستي، واستمريت به حتى وقتنا الحالي. قضيت 35 سنة وأنا أمارس هذه المهنة وأطور بها بحسب خبرتي، وأمضي بها قدما".
ويبين عبد المنعم لـ"ارفع صوتك": "مهنة الصدف قديمة جدا، حيث وجدت آثار قديمة مطعّمة بالصدف والعاج والمرجان، تعود للعهد الآرامي في سوريا وفلسطين، ولاحقا تطورت في العصر الأموي كثيراً".
ويشير إلى أن السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، هو أشهر من عمل بهذه المهنة، وله الكثير من الأعمال اليدوية التي صنعها بنفسه، يُعرض بعضها في متاحف إسطنبول.
ويشرح عبد المنعم: "صناعة الصدفيات يدوية بشكل كامل، وتتطلب الكثير من الإتقان، بحيث تُنجَز الأعمال المتعلقة بها على عدة مراحل، بدءاً من تجهيز الخشب، وهو عادة خشب جوز، ثم تكوين الأثاث المطلوب، وبعدها رسم الزخرفة المطلوبة، يتبعها حرق الخشب، ثم تطعيم الصدف مكان الحفر، وأخيراً ثم عمليات التشطيب والتنعيم والتلميع".
ولا يخلو الأمر من التحديّات، منها بحسب ما يقول "حاجز اللغة، وتأمين الأوراق الرسمية لتأسيس عمل"، لكنه استطاع التغلب عليها.
ويقوم عبد المنعم بتصنيع منتجاته حسب الطلب، مردفاً "هذه الأيام تختلف كثيرا عن الماضي، ففي السابق كان هنالك عدد محدود من الأثاث، ولكن في وقتنا هذا يجب أن يكون الأثاث مناسبا لحداثة المنازل، مع لمسة زخرفية تناسب الزبون وذوقه وثقافة بلده".
ويوجد سوق محلي وطلب على بضائعه في تركيا، لكن أكثر أعماله تصدر للخارج، ومن البلدان أكثر استيراداً لها "الكويت وقطر وعمان والمملكة السعودية"، لأن لدى الكثيرين هناك "اهتماماً كبيراً بالعنصر التراثي"، إضافة لليونان ومقدونيا.
كما يصنّع عبد المنعم، أثاثاً خاصاً بالكنائس المشرقية، يقول: "لديهم اهتمام كبير بعملي، ويُطلب مني تصنيع وترميم الأثاث المطعم بالصدف في هذه الكنائس التي يزيد عمرها عن 300 سنة".
وكما تعلّم هو من أبيه وجدّه، يقوم عبد المنعم بتعليم أبنائه الحرفة، في أيام العطل الدراسية فقط، آملاً، أن يحبوها، مستدركاً أن "القرار لهم" في النهاية.
يُذكر أن السوريين ولعقود ممتدة، استخدموا الصدف العربي في صناعة جهاز العرائس في دمشق، حيث يحضرون الخشب من الغوطة في ريف العاصمة، ويقومون بتجفيفه تحت الشمس لسنوات عدة، ثم يقطعونه ويبدؤون العمل به بجهد وإتقان.
وكانت العملية تبدأ بالرسم، ثم وضع خيط القصدير الذي يطلقون عليه اسم الفضة، ثم يحفرون الخشب ويفرغونه لوضع الصدف، ولاحقا يبدأون بالصنفرة، لإظهار الصدف وخيط القصدير، ثم الصبغة لإعطائه اللون البني الجميل، وبعدها يتم استخدام مادة للتلميع يطلقون عليه اسم الكماليكا.
والكماليكا، مادة نباتية تشبه صمغ الأشجار منها الفرنسي والمصري والهندي، وتمر القطعة من خلال هذا العمل بمراحل تسمى التأسيس والتشبيع والتلميع.
