أجاثا كريستي خلال التقاطها صوراً لقطع أثرية في موقع مدينة نمرود.

"أحببت أور كثيرا، بجمالها في المساء، والزقورة الشاخصة بظلها الشاحب، وبحر الرمال الواسع بألوانه الجميلة، الوردي والمشمشي والبنفسجي المتغير في كل لحظة".

وصف المدينة الأثرية "الساحر" في مذكرات الروائية البريطانية، أجاثا كريستي يؤرخ لبداية علاقة ربطت بين صاحبة "الروايات البوليسية" والعراق الذي خصَّته بروايتين بوليسيتين، هما: "Murder in Mesopotamia" التي ترجمت إلى العربية تحت عنوان "جريمة في العراق"، و" They Came to Baghdad" التي ترجمت تحت عنوان "موعد في بغداد"، إلى جانب الحضور القوي للعراق في مذكراتها الصادرة عام 1977، والتي تأتي فيها على ذكر وقائع رحلتها إلى البلاد عام 1929، وانطباعاتها عن العراقيين، وعملها بالتنقيب عن الآثار.

تبدو مدينة أور "كلمة السر" في تعلق أجاثا بالعراق، إذ تحفل ذكرياتها عن الرحلة بالكثير من الانطباعات السلبية، بداية من مشقّة الرحلة في قطار "غير مريح"، يخترق مساحات واسعة من الصحراء، والحشرات التي سببت لها الكثير من الإزعاج والمعاناة، والرعب المتأتي من ملامح البدو التي وصفتها بـ"المتوحشة"، وصولاً إلى أحياء بغداد المزدحمة والمواصلات غير المريحة.

 

"أور".. روائية في زيّ عالمة آثار

 

بعد استقرارها في "حي العلوية" ببغداد، توجهت أجاثا بالقطار لزيارة مدينة أور الأثرية (عاصمة الدولة السومرية)، في محافظة ذي قار الجنوبية، حيث وفرت لها الصدفة فرصة لزيارة التّنقيبات الأثرية التي كان يشرف عليها عالم الآثار البريطاني ليونارد وويلي.

كان وويلي يرفض دخول السّواح إلى موقع التنقيب، لكن إعجاب زوجته (كاثرين) بروايات الكاتبة البريطانية كان سبباً في حصولها على إذن لدخول الموقع، و"معاملتها كشخص مهم جداً" كما تصف في مذكراتها.

كذلك، أسندت إلى عالم الآثار البريطاني، ماكس مالوان، مهمة أن يكون دليلاً لأجاثا في موقع التنقيب، ليصبح بعد عام من ذلك اللقاء زوج الروائية التي اِرتدت زيّ عالمة آثار.

سَحرت تفاصيل العمل في موقع التنقيب الروائية، كما يظهر من وصفها الدقيق لتلك الزيارة. تقول في مذكراتها: " كنت أجد متعة في مراقبة العمال ورؤسائهم والأولاد ذوي السلال والمنقبين، البراعة في الأسلوب ونمط الحياة. إغراءات الماضي تظهر كي تمسك بي وتشدني إليها. فرؤية خنجر ذهبي يتراءى لك تدريجيا وهو يومض من خلال الرمل أمر مثير للخيال. والحذر في رفع الأواني والأشياء الأخرى من التربة يملؤني رغبة وشوقا لممارسة العمل بنفسي".

فجر تنظيم داعش مسجد النبي يونس في 24 يوليو 2014، أي بعد شهر فقط من احتلاله للموصل  في يونيو 2014.
تل التوبة..الناجي من بطش داعش يثري العالم بمكتشفات تُرى للمرة الأولى
من هذه الآثار، أربعة ثيران مجنحة كبيرة متضررة، وتحتاج إلى عناية خاصة، وثلاثة ثيران مجنحة أصغر حجما. بعض هذه الثيران يتم رصفها على شكل مكعبات ليتكون منها الثور المجنح، وهي طريقة جديدة لم يتم التعرف على مثيل لها سابقا.

الرغبة في العمل بالتنقيب الأثري لم تكن مجرد لحظة عابرة في خيال الروائية، إذ سرعان ما أصبح حقيقة بعد أقل من عامين، حيث انتقلت مع زوجها، ماكس مالوان، للعمل في بعثت النقيب البريطانية في محافظة نينوى.

يشير الدكتور صباح الناصري، في دراسة بعنوان: "أجاثا كريستي في العراق"، إلى الأدوار التي لعبتها في موقع التنقيب، حيث "عملت مساعدة في تنظيف القطع الأثرية وترميمها وتصنيفها، وعملت مصورة فوتوغرافية للقطع الأثرية التي عثر عليها في الموقع".

 

"مدينة نمرود".. الآثار والكتابة 

 

في عام 1948، باشر الزوجان العمل في موقع مدينة نمرود، جنوب مدينة الموصل، وهناك لمع نجم أجاثا كريستي، كخبيرة في التعامل مع الآثار المكتشفة، حيث قادت نصائحها الحاسمة إلى الحفاظ على مجموعة نادرة من القطع المكتشفة، كما يعترف زوجها، وتشير في مذكراتها.

بعد أن عثرت البعثة على منحوتات عاجية في موقع التنقيب أشارت أجاثا إلى زوجها عالم الآثار أن يخرج القطع من مخابئها تدريجياً حتى لا تجف في الهواء الساخن وتتكسر، وهو ما حدث.

كذلك أوكلت إليها مهمة تنظيف القطع المُكتشفة، وعنها تقول: "شاركت في تنظيف عدد من القطع، كانت آلتي المفضلة عودا برتقاليا يشبه إبرة حياكة، وعلبة من مرهم تجميل للوجه، كان هذا أفضل ما وجدته لإخراج الوساخة المتراكمة في الشقوق من غير أن أكسر العاج، لقد استعملت كميات كبيرة من الدهون حتى لم يبق في العلبة ما أدهن به وجهي المسكين". ويرجع العديد من الآثاريين الفضل إلى أجاثا كريستي في تخليد صور الآثار لحظة اكتشافها من خلال عملها في التصوير الفوتوغرافية.

غير أن عملها بالآثار وتنقلها بين مواقع التنقيب في العراق وسوريا لم يشغلها عن الكتابة، فأصدرت خلال تلك الفترة روايات وقصص استلهمتها من رحلاتها في المنطقة. فإضافة إلى الروايتين البوليسيتين عن العراق، كتبت قصتها "جريمة في قطار الشرق" خلال وجودها في مدينة حلب، وقصة "لؤلؤة الشمس" التي سجلت فيها رحلتها إلى مدينة البتراء الأردنية، وغيرها من الأعمال.

مواضيع ذات صلة:

توماج صالحي في صورة من حسابه على انستغرام
توماج صالحي في صورة من حسابه على انستغرام

"نحن صوت الغضب الشعبي الذي جرى إسكاته، لا تنعتنا بالمتمردين، نحن الثوار". "كانت جريمة شخص ما أن شعرها كان يتدفق في مهب الريح. كانت جريمتها أنها كانت شجاعة وصريحة".

هذا نموذج من كلمات أغاني مغي الراب الإيراني الشهير توماج صالحي التي قد تكّلفه حياته.

بسبب هذه الكلمات وغيرها، حكم القضاء الإيراني على توماج بعقوبة الإعدام، بعد إدانته باتهامات تتعلق بالاضطرابات التي شهدتها إيران في عامي 2022 و2023 على خلفية مقتل الشابة مهسا أميني في أحد فروع الشرطة، بعد إلقاء القبض عليها لاتهامها بارتداء حجاب "غير لائق".

في أعقاب نجاح "الثورة الإسلامية" في إيران في العام 1979 جرى حظر جميع أنواع الموسيقى في البداية.

بعدها "رضخ قادة الجمهورية الإسلامية للحاجة إلى السماح ببعض الموسيقى"، كما تقول الباحثة ناهد سيامدوست في كتابها "أغنية الثورة: سياسة الموسيقى في إيران".

ومع ذلك، تتابع سيامدوست، "خنق قادة الثورة الموسيقى التي لا تخدم مصالحهم السياسية والأيديولوجية، وحظروا الموسيقى التي يرون أنها تهدد تلك المصالح، وسهلوا ظهور ثقافة موسيقية شعبية ولكنها ضحلة، في حين تزدهر ثقافة فرعية عاجزة رسميًا ولكنها مفعمة بالحيوية خارج المجال العام الرسمي".

توماج صالحي ينتمي إلى هذا النوع من الموسيقى التي تغضب النظام. وهو تخصّص بموسيقى "الراب" التي تلقى قبولاً كبيراً من فئة الشباب. والراب شكل موسيقي متفرّع من الهيب هوب، وهناك خلاف حول قصة نشأة هذا الفن، إذ يقول البعض انه بدأ في أميركا فيما يشير آخرون إلى أماكن أخرى، كما يؤكد الباحث سيد عبد الحميد في كتابه "فن الشارع- حكايات عن كتابة الراب والموسيقى".
 

يخلق مغنو الراب الخاصون بكل بلد ما يناسبه من كلمات ومواضيع، بحسب عبد الحميد، وهو فنّ يعتمد على الإيقاع السريع للكلمات والموسيقى (beat)، ويصيغ المغني أكبر عدد من الأفكار في جمل قليلة جداً، تشكّل موضوع الأغنية.

هذا النوع من الغناء السريع والمكثّف والمباشر في معانيه جعل من توماج صالحي، الذي يبلغ من العمر 33 عاماً، أحد أكثر المغنين شعبية في إيران، خاصة بعد أن دعم في أغانيه الاحتجاجات التي استمرت شهوراً وجرى قمعها بالقوة.

اعتقل صالحي في أكتوبر 2022 بعد الإدلاء بتصريحات علنية داعمة للاحتجاجات على مستوى البلاد، وواجه منذ البداية تهماً خطيرة، من بينها تهمة "الإفساد في الأرض" التي تصل عقوبتها إلى الإعدام.

وفي العاشر من يوليو 2023، قضى الفرع الأول من المحكمة الثورية في أصفهان بعدم إثبات حد تهمة "الإفساد في الأرض" ضد صالحي، وحكم عليه بالسجن ست سنوات وفقاً للقانون الإسلامي.

بدا حينذاك أن "الرابر" الإيراني نجا من مصير الإعدام، ثم شهدت قضيته انفراجاً آخر في 18 نوفمبر من العام 2023، حيث أطلقت المحكمة سراحه بكفالة مالية بعد إلغاء الحكم وإعادة القضية إلى المحكمة الابتدائية.

أمضى صالحي 12 يوماً خارج السجن فقط. والتقى خلالها بالمخرجين الإيرانيين جعفر بناهي ومحمد رسولوف، الذين مرّا بتجارب السجن وقد أطلق سراحهما أيضاً بكفالة. لكن سرعان ما أعادت السلطات الإيرانية اعتقال المغني الشاب في الثلاثين من نوفمبر، وفتحت قضية جديدة ضده، بعد نشره فيديو على الإنترنت اتهم فيه المحققين بإساءة معاملته.

وفي 18 أبريل الجاري، عقد الفرع الأول للمحكمة الثورية في طهران جلسة محاكمة جديدة لصالحي، بعد إضافة تهم جديدة إلى القضية، بحسب محاميه. وحكمت المحكمة عليه بالإعدام بتهمة "الإفساد في الأرض"، كما اتهمت المحكمة الثورية صالحي بـ"التحريض على الفتنة والتجمع والتآمر والدعاية ضد النظام والدعوة إلى أعمال شغب"، بحسب المحامي.

منظمة "هيومن رايتس ووتش" وصفت الحكم ضد صالحي بأنه "اعتداء وحشي وشائن على الحريات الأساسية والحق في محاكمة عادلة". وقالت الباحثة في شؤون إيران في المنظمة تارا سبهري فر إن "الحكومة الإيرانية جعلت المحاكم الجائرة حجر أساس في قمعها الوحشي للمعارضة الشعبية".

محامي صالحي أكد أن "الحكم شابته أخطاء قانونية كبيرة، بما في ذلك تعارضه مع حكم المحكمة العليا"، مؤكداً أن موكّله عازم على الاستئناف.

فهل تنجح الضغوط على إيران من نشطاء حقوق الإنسان والمنظمات الدولية في فكّ حبل المشنقة عن رقبة توماج صالحي؟