"أحببت أور كثيرا، بجمالها في المساء، والزقورة الشاخصة بظلها الشاحب، وبحر الرمال الواسع بألوانه الجميلة، الوردي والمشمشي والبنفسجي المتغير في كل لحظة".
وصف المدينة الأثرية "الساحر" في مذكرات الروائية البريطانية، أجاثا كريستي يؤرخ لبداية علاقة ربطت بين صاحبة "الروايات البوليسية" والعراق الذي خصَّته بروايتين بوليسيتين، هما: "Murder in Mesopotamia" التي ترجمت إلى العربية تحت عنوان "جريمة في العراق"، و" They Came to Baghdad" التي ترجمت تحت عنوان "موعد في بغداد"، إلى جانب الحضور القوي للعراق في مذكراتها الصادرة عام 1977، والتي تأتي فيها على ذكر وقائع رحلتها إلى البلاد عام 1929، وانطباعاتها عن العراقيين، وعملها بالتنقيب عن الآثار.
دار اجاثا كريستي التراثية
— ⛪️ܢܐܕܝܪܐ⛪️ (@Nadeera84753075) February 3, 2023
في حي العباسية بكرداة مريم / بغداد
اجاثا كريستي احبت العراق وعاشت فيه وكتبت عدد من الروايات في العراق وكذلك أشارت إلى العراق في عدد من رواياتها منها جريمة بين النهرين ، جريمة في قطار الشرق السريع ، مسرحية قهوة سوداء التي كتبتها بالموصل
ليش هالبيت مهمل? pic.twitter.com/o5u3DDC2Qo
تبدو مدينة أور "كلمة السر" في تعلق أجاثا بالعراق، إذ تحفل ذكرياتها عن الرحلة بالكثير من الانطباعات السلبية، بداية من مشقّة الرحلة في قطار "غير مريح"، يخترق مساحات واسعة من الصحراء، والحشرات التي سببت لها الكثير من الإزعاج والمعاناة، والرعب المتأتي من ملامح البدو التي وصفتها بـ"المتوحشة"، وصولاً إلى أحياء بغداد المزدحمة والمواصلات غير المريحة.
"أور".. روائية في زيّ عالمة آثار
بعد استقرارها في "حي العلوية" ببغداد، توجهت أجاثا بالقطار لزيارة مدينة أور الأثرية (عاصمة الدولة السومرية)، في محافظة ذي قار الجنوبية، حيث وفرت لها الصدفة فرصة لزيارة التّنقيبات الأثرية التي كان يشرف عليها عالم الآثار البريطاني ليونارد وويلي.
كان وويلي يرفض دخول السّواح إلى موقع التنقيب، لكن إعجاب زوجته (كاثرين) بروايات الكاتبة البريطانية كان سبباً في حصولها على إذن لدخول الموقع، و"معاملتها كشخص مهم جداً" كما تصف في مذكراتها.
كذلك، أسندت إلى عالم الآثار البريطاني، ماكس مالوان، مهمة أن يكون دليلاً لأجاثا في موقع التنقيب، ليصبح بعد عام من ذلك اللقاء زوج الروائية التي اِرتدت زيّ عالمة آثار.
سَحرت تفاصيل العمل في موقع التنقيب الروائية، كما يظهر من وصفها الدقيق لتلك الزيارة. تقول في مذكراتها: " كنت أجد متعة في مراقبة العمال ورؤسائهم والأولاد ذوي السلال والمنقبين، البراعة في الأسلوب ونمط الحياة. إغراءات الماضي تظهر كي تمسك بي وتشدني إليها. فرؤية خنجر ذهبي يتراءى لك تدريجيا وهو يومض من خلال الرمل أمر مثير للخيال. والحذر في رفع الأواني والأشياء الأخرى من التربة يملؤني رغبة وشوقا لممارسة العمل بنفسي".
الرغبة في العمل بالتنقيب الأثري لم تكن مجرد لحظة عابرة في خيال الروائية، إذ سرعان ما أصبح حقيقة بعد أقل من عامين، حيث انتقلت مع زوجها، ماكس مالوان، للعمل في بعثت النقيب البريطانية في محافظة نينوى.
يشير الدكتور صباح الناصري، في دراسة بعنوان: "أجاثا كريستي في العراق"، إلى الأدوار التي لعبتها في موقع التنقيب، حيث "عملت مساعدة في تنظيف القطع الأثرية وترميمها وتصنيفها، وعملت مصورة فوتوغرافية للقطع الأثرية التي عثر عليها في الموقع".
"مدينة نمرود".. الآثار والكتابة
في عام 1948، باشر الزوجان العمل في موقع مدينة نمرود، جنوب مدينة الموصل، وهناك لمع نجم أجاثا كريستي، كخبيرة في التعامل مع الآثار المكتشفة، حيث قادت نصائحها الحاسمة إلى الحفاظ على مجموعة نادرة من القطع المكتشفة، كما يعترف زوجها، وتشير في مذكراتها.
بعد أن عثرت البعثة على منحوتات عاجية في موقع التنقيب أشارت أجاثا إلى زوجها عالم الآثار أن يخرج القطع من مخابئها تدريجياً حتى لا تجف في الهواء الساخن وتتكسر، وهو ما حدث.
كذلك أوكلت إليها مهمة تنظيف القطع المُكتشفة، وعنها تقول: "شاركت في تنظيف عدد من القطع، كانت آلتي المفضلة عودا برتقاليا يشبه إبرة حياكة، وعلبة من مرهم تجميل للوجه، كان هذا أفضل ما وجدته لإخراج الوساخة المتراكمة في الشقوق من غير أن أكسر العاج، لقد استعملت كميات كبيرة من الدهون حتى لم يبق في العلبة ما أدهن به وجهي المسكين". ويرجع العديد من الآثاريين الفضل إلى أجاثا كريستي في تخليد صور الآثار لحظة اكتشافها من خلال عملها في التصوير الفوتوغرافية.
غير أن عملها بالآثار وتنقلها بين مواقع التنقيب في العراق وسوريا لم يشغلها عن الكتابة، فأصدرت خلال تلك الفترة روايات وقصص استلهمتها من رحلاتها في المنطقة. فإضافة إلى الروايتين البوليسيتين عن العراق، كتبت قصتها "جريمة في قطار الشرق" خلال وجودها في مدينة حلب، وقصة "لؤلؤة الشمس" التي سجلت فيها رحلتها إلى مدينة البتراء الأردنية، وغيرها من الأعمال.
