في مشغلها بقرية عيناب قضاء عالية في محافظة جبل لبنان، تبرع الشابة السورية مروى بو خليل (28 عاما)، بتصنيع حرفة يدوية قديمة، وهي حياكة وتصنيع السلال من إبر الصنوبر، وأطلقت على المشروع "قشة لفة".
وكانت انتقلت من مدينتها السويداء (تحت سيطرة النظام) في سوريا عام 2012، لتحوّل دراستها الجامعية من الأدب الإنجليزي إلى الفنون الجميلة.
تقول مروى لـ"ارفع صوتك": "عدة أسباب دفعتني للانتقال إلى بيروت، أولها أنني لم أكن أدرس الاختصاص الذي أحمل شغفا له، كما كان لدي حب الاستقلالية، وتمنيت أن أعيش حياتي وأصنعها بالطريقة التي أحب. وكان عدد من أصدقائي انتقلوا إلى لبنان وحدثوني عن الفرص المتاحة، وبالفعل سافرت، وتبعت الشيء الذي أحبه وهو الفنون الجميلة".
في المدينة
"نحن للأسف لا نعرف ما يستهوينا حين نكون على مقاعد الدراسة ولا تساعدنا المدرسة أو المجتمع في الاختيار، لذا كنت أتساءل دوماً ماذا أريد؟ وماذا أحب أن أصبح عليه؟"، تقول مروى.
وبعد تخرجها من الجامعة عام 2016، تَنقّلت بين عدة مجالات فنية، كالتصوير والمونتاج والمسرح، كما عملت في "مترو المدينة" بوظيفة "أنيميتر"، وأنجزت فيلما خاصا بها أسمته "الوتوات"، نسبة إلى الحي الذي أقامت به لفترة طويلة في بيروت.
وعملت مروى أيضاً في مجال النحت، وكان مشروع تخرجها عبارة عن إنجاز 40 منحوتة من الإسمنت. تعتبره مروى "نقطة تحول في حياتها، إذ كان ينقل تجربتها من الحرب التي عاشتها في سوريا وأثرها عليها، والمعاناة الفعلية التي تركتها بداخلها".
كما واجهت عدة صعوبات و عراقيل، تشرح: "كان علي أن أقدم صورة واحدة عن نفسي للوسط الفني في المعارض، إما رسامة أو نحاتة، وهذا صعب جداً لأنني أحب العمل بمواد مختلفة وتجريب عدة فنون والتنقل بين عدة مواضيع. ورغم مشاركتي في معرض جماعي في بيروت، وآخر في ألمانيا برسومات رقمية، إلا أن ذلك لم يكن ما أرغب فيه".
في الجبل
وفي رحلة بحثها عن ذاتها وعمّا تتمنى تحقيقه، تقول مروى: "في عام 2017 رميت كل شيء خلفي، وقررت البدء من جديد، فانتقلت للعيش في منطقة جبلية، لأرتاح من ضجيج المدينة، وكانت هناك لحظة روحانية في حياتي ورغبة بأن أختلي بذاتي وأبتعد عن كل هذه الفوضى، وأجد أجوبة للأسئلة في داخلي".
انتقلت مروى إلى منطقة عيتات وهي قرية جبلية هادئة ومشهورة بطبيعتها الساحرة وأشجار الصنوبر والوزال، حيث اكتشفت حبها للطبيعة، كما تقول، مردفةً "بدأت أرسم المناظر الطبيعية من حولي، ودخلت عالم الأعشاب، كما بدأت العمل في مجال الحرف اليدوية والحياكة ثم الصبغات الطبيعية، وبعدها دخلت عالم الخط واحترفت الخط العربي خلال عام ونصف، وكانت هذه التفاصيل وهذه الحرف والمهارات التي تعلمتها، سلسلة أرشدتني إلى الهواية والحرفة التي رغبت دوما أن أحققها وهي صناعة السلال من قش الصنوبر".
"شعرت أنها مرتبطة بأجدادي والمكان الذي أتيت منه، وفيها شيء من الأصالة، كما أنها تذكرني بجدتي وسلة القش الملونة التي كانت لديها في السويداء، هذه المحافظة المشهورة بأطباق القش الملونة التي كانت تعلق على الحيطان"، تتابع مروى حديثها.
في نفس الوقت، تشعر بالأسف لأن "هذا التراث تُرك ولم يبق منه إلا سلال القصب وهي عملية، لكنها تفتقد للحس الفني. كما لا يوجد توثيق للحرف، لهذا من الصعب على الشخص الراغب بإعادة إحياء حرفة قديمة، أن يعرف ما هي التقنيات والمعلومات التي يحتاجها ليبدأ".
وتؤكد مروى: "حين بدأت التعلم لم أجد مصدرا أتعلم منه، لأن هذه الحرفة دقيقة ونادرة، لذا لجأت إلى مقالات وكتب واليوتيوب".
الصّلة بالأرض والتُراث
تشارك مروى بشكل دائم بورشات عمل، وتقوم بتدريب الراغبين على تعلّم الحرفة من مختلف الأعمار، مشيرةً إلى أن الصغار "لديهم حب كبير ونهم للتعلم"، ما جعلها متفائلة بإعادة إحياء واستمرار صنع سلال القش.
وتوضح: "من خلال الورشات، أجد الكثير من الأشخاص الذين يبدون اهتماما بالمشاركة، رغم علمهم أنها تحتاج إلى صبر ومثابرة وتركيز وتوازن باليدين خلال اللف والعمل، ويتعلمون عند الانتهاء من السلة الكثير من الدروس".
"فمن خلال الورشة لا أنقل الحرفة فقط، بل أنقل التراث والتاريخ والعلاقة بالطبيعة والوعي البيئي الذي لا يكون بالتوقف عن استعمال البلاستيك والمواد المضرة بالبيئة فقط، بل أيضاً بالتقرب من الطبيعة. إذا تقربنا منها سنتوقف عن استعمال أي شيء يضر بها، وهذا ما أوصله من خلال الورشة لطلابي، الذين أبدأ تعليمهم بأخذهم بجولة إلى الغابات، لخلق صلة حقيقية بالمكان الذي نعيش فيه، وأُعلّمهم كيف نجمع المواد ونقطف وماذا نقطف وفي أي وقت"، تتابع مروى.
وتلفت إلى أن كل سلة من سلال "قشة لفة" مصنوعة من مادة مختلفة ولها قصه مختلفة، وتطلبت رحلة إلى الطبيعة، وتعلّم تقنيات جديدة، وهي القيمة التي تحملها السلة بغض النظر عن ساعات العمل وتحضير المواد التي أخذتها.
ولأنها تعتبر أن قيمة الشيء بالجهد المبذول وبالعمل الدقيق، اعتمدت مروى أسلوب المقايضة أحيانا، تبيّن لـ"ارفع صوتك": "المقايضة فكرة جميلة جداً وسبق أن قايضت مع سيدة تقوم بتدوير الورق لتصنيع دفاتر بشكل جميل، وقايضت مع أخرى تقوم بصنع سلال من ألياف الموز والورق. من الصعب تقدير الحِرَف التي تحتاج إلى عمل دقيق ومجهود بالمال، وأعتبر المقايضة مكسبا كبيرا جدا لي، لأني تعرفت على أشخاص جميلين وقويت علاقتنا".
أما بالنسبة للإقبال على شراء منتجاتها، تقول إنها تعاني أحياناً، لأن الناس "فقدوا الثقافة المرتبطة بتقدير الشيء الذي يأخذ وقتا ومجهودا، كالأشغال التراثية والحرفية، كما انقطعت الصلة بيننا وبين تراثنا، فالأشخاص حاليا يفضلون المنتجات السريعة والأرخص ثمناً بدلا من القطع التي تحمل قصة وجهداً".
أزمة الهوية
تتحدث مروى عن العائق الأكبر الذي يواجهها منذ انتقالها إلى لبنان وهو أزمة الهوية، فهناك الكثير من الأفكار التي تحب أن تقوم بها كإنشاء مشروع يجمع الحرف التراثية المنسية، لكن تواجهها معاناة الإقامة وعدم الاستقرار، كونها سورية. وتتساءل "كيف سأبقى هنا، وهذا البلد يحمل الكثير من الضغوطات على اللبنانيين، فكيف سيكون الأمر بالنسبة لغيرهم؟!".
في نفس الوقت "العودة صعبة جداً"، توضح مروى: "هناك الكثير من العوائق والذكريات التي تمنعني. بينما أنا في لبنان منذ 11 عاما، تعلمت وكبرت وأصبح لدي أصدقاء وعملت وعاشرت الناس، أشعر بانتماء كبير إلى هذا البلد أكبر من انتمائي إلى سوريا. وهذا العائق الكبير الذي أواجهه في حياتي الشخصية والعملية هو ما يمنعني من الاستقرار وتطوير عملي".
وختم حوارها معنا بالقول "أتمنى أن نكون إنسانيين أكثر مع بعضنا، ونقدر قيمة هذا المكان الجميل من حيث الطبيعة والناس الطيبة القريبة من القلب، وأتمنى أن نتطور من دون أن يكون هناك خوف من بعضنا طوال الوقت".
