"الرقص هو اللغة الخفيّة للرّوح"، عبارة شهيرة لإحدى رائدات الرقص المعاصر في القرن العشرين، مارثا غراهام، تبدو جليّة في حديثنا مع مدربتين لبنانيتين، اختارتا الرقص واليوغا كوسيلة قد تساعد الراغبين في تجريبهما للتحرر ولو قليلاً من أعباء الضغوط المعيشية، في البلد الذي يشهد أسوأ أزماته منذ الحرب الأهلية.
ريتا أبو سلمان وهدى الزعرت، تحولان تعبيرات الجسد إلى طريقة للتواصل مع الذات والتصالح مع الآخرين.
تنظر ريتا للجسد على أنه هدية ثمينة، تقول لـ"ارفع صوتك": "نستخدم فلسفة أو تقنيات اليوغا مثلا للتأمل وللسفر إلى داخل النفس، أي للعمق من خلال الأبعاد الجسدية والنفسية والفكرية والعلائقية، مما يمكّن من العثور على الهوية الحقيقية. وتسمح لنا بالإصغاء إلى صوتنا الداخلي والعثور على الطريق الخاص الذي يمنح حياتنا معنى وفرحاً".
"وتفتح اليوغا نافذة تتيح لنا قراءة حياتنا وعالمنا بطريق مختلفة وإيجابية"، تضيف ريتا، مردفةً "الناس غالبا ما تنسى التنفس. وهو من أهم العناصر التي نركز عليها في تقنياتنا، فهو الهدية المجانية التي تمنح إلينا عند الولادة، ولا يمكننا حبسها أو امتلاكها لأنها ملك للحياة إلى يوم نسلمها إياه".
وتدعو المدربة التي تعالج بالرقص والتأمل منذ عام 2003، للتوقف برهة وللاهتمام بهذا النفَس الذي "يزيد من نوعية الحياة ويجمعنا بالآخرين"، مبينةً: "وجدت في هذه المسيرة رحلة تحرر عبر السنين، ومنذ الحصة الأولى، علمت أن هذا هو الهدف الذي أصبو إليه ووجدت العلاج لنفسي قبل أن أساعد الآخرين. كنت أعاني من الأنوركسيا (فقدان الشهية العصبي) ولم أتمكن من تقبل صورتي الجسدية ولكن بفضل الكثير من المرونة والتطويع، تعلمت أن أحب ذاتي. حينها أخذت القرار بمساعدة الآخرين من خلال تعبيرات الجسد".
العنف المزدوج
تأسف ريتا لأن "عالمنا اليوم يضج بالكثير من المنافسة والضغط ويشوبه نمط حياة متسارع للغاية، ونحن نقضي أغلب وقتنا بحثا عن تعبئة الوقت نفسه، فننسى أن نسمع صوت قلبنا وندير الأذن الصماء للجمال المخبأ بداخلنا. فنقسو كثيرا على أنفسنا وعلى الآخرين أيضا"، على حد تعبيرها.
لذلك، تحاول العثور على حل من خلال "اختيار الحركات والاحتفاء بالجسد بمجموعة من الخطوات التي تكون بسيطة ومعقدة في الوقت عينه"، وتدعو المتدربين للابتعاد عن أي من أشكال العنف.
وتشير ريتا إلى أن العنف قد يكون "بحق الذات وبحق الآخر"، متابعة: "أحب ان أسرد قصة ماري روز. حين التقيت بها للمرة الأولى، كانت في الـ 43 من العمر. وعرّفت عن نفسها على أنها طاعنة في السن. صنفت نفسها تلقائيا في خانة العجز الذي ينبع من الألم الجسدي المزمن الذي كانت تعانيه. كان صوتها بالكاد مسموعا، وأظهرت ميلا كبيرا للاختباء والعيش في عالمها الخاص".
"استنتجتُ أنها شخصية انطوائية بامتياز. لم تمتلك الجرأة على الكلام وكانت تميل كثيرا للاعتذار والخوف من إزعاج أي كان. لكنها نجحت في التواصل مع المرأة بداخلها والتفتح بطريقة لينة ولطيفة للغاية من خلال تعبيرات الجسد وتقنيات اليوغا. هذه الحركات تنطق بأكثر مما نعتقد بأشواط"، تقول ريتا.
الرقص ملاذ
بالتوازي، تؤكد هدى الزعرت، مدربة اللياقة البدنية منذ أكثر من 20 عاما، أن " تقنيات الرقص على أشكالها، تسمح بالغوص في أعماق النفس وتكشف عن المرضى أشياء يقولون إنهم لا يعرفونها حتى".
وتركز بناء على خبرتها بالتعاون مع أطباء من اختصاصات مختلفة، على "إرشادات وتقنيات تسهل التواصل مع أشخاص من فئات عمرية مختلفة كالصغار من خلال حركات الجسد، وترسي بشكل مبهر رابطا بين الجمهور المشارك".
تبيّن هدى لـ"ارفع صوك": "نعمل مع حالات مختلفة.. من الأطفال الذين يشعرون بالخجل والارتباك أمام جمهور كبير إلى أولئك الذين يتطلبون عناية خاصة مثل المصابين بمتلازمة داون أو المقعدين. وباستخدام الموسيقى والإيقاع، نحاول إرساء نوع من الانسجام، وليس بالإمكان تخيل مدى سعادة الأولاد وهم يرقصون سويا على الرغم من أننا نتمنى لو أن كل الحالات قادرة على المشاركة، لكن هذا لا ينطبق مثلا على الأولاد المصابين بالتوحد".
يتحول الرقص، وفقا لهدى، إلى "ملاذ نساء يحاولن الفرار من العنف أو من سوء المعاملة في بعض الأحيان"، وتشير الى أبعاده النفسية العميقة: "لكل حركة قصة.. ووراء كل رقصة حكاية. خلال الرقص قد تتعثر إحدى السيدات وتعجز عن اتباع الإيقاع لأنها تشعر بألم في خاصرتها. لا بأس! عندها، أطلب منها أن ترتاح قليلا أو أن تعاود المحاولة إن استطاعت، ثم أنتبه لعينها التي أثقلتها مواد التجميل لإخفاء الكدمات"
تقول هدى "تلك سيدة معنفة داخل منزلها.. تشارك في حصة الرقص على عجل خوفا من التأخر عن البيت. تقف دائما في آخر الصف وبالكاد تنظر لنفسها بالمرآة. تحاول أن تتمالك نفسها خوفا من نظرة الآخرين لها. قد نتوقع أن تنتهي كل رقصة بتصفيق وضحك، ثم نجد أحدهم أو إحداهن وهم يجهشون بالبكاء. وأعتبر ذلك نداءً للتدخل".
التواصل مع الجسد
في السياق ذاته، تربط هنا سكاكيني، وهي مديرة معهد للرقص وللموسيقى وتحديدا الأطفال في قرية لبنانية، الرقص بالتحرر من الصور النمطية الثقيلة المرتبطة بالجندر.
وتبين لـ"ارفع صوتك": "لا تزال بعض المجتمعات تنظر للفتاة على أنها عورة فتتم تربيتها في إطار يدعوها على الدوام للاختباء خوفا من العيب. لذلك، نحاول من خلال الرقص أن نرسي نوعا من التواصل بين الفتاة وجسدها لتعبر عما يختلج في داخلها وتشعر بالسعادة".
لذلك، تستخدم المدرية ريتا مثلاً اختبار "الجسد الروحي" من خلال مشروعها للدمج بين اليوغا والرقص. تقول "لا يتعلق الأمر بالحركات إنما بالأداء الكامل وضمنا الصوت من أجل تحرير الجسد والنفس والأفكار".
وتوضح: "خلال إحدى ورش العمل، اكتشفنا تجارب حياة عميقة جدا حيث يقوم المشاركون ليس فقط بالصراخ بأصواتهم بل بأجسادهم. وترتبط كل حصة بموضوع معين ومحدد مثل انفتاح القلب أو التصالح مع الذات ومع الماضي والعثور على التوازن داخل العالم من زاوية مختلفة، أو بكل بساطة العثور على النور والطريق الذي ينتمي إليه الشخص من خلال إطلاق العنان للابتكار و الإبداع والمخيلة والنور الموجود بداخلنا. ذلك النور الذي يجمعنا بالآخرين".
