ريتا أبو سلمان، من حسابها الرسمي على فيسبوك
ريتا أبو سلمان، من حسابها الرسمي على فيسبوك

"الرقص هو اللغة الخفيّة للرّوح"، عبارة شهيرة لإحدى رائدات الرقص المعاصر في القرن العشرين، مارثا غراهام، تبدو جليّة في حديثنا مع مدربتين لبنانيتين، اختارتا الرقص واليوغا كوسيلة قد تساعد الراغبين في تجريبهما للتحرر ولو قليلاً من أعباء الضغوط المعيشية، في البلد الذي يشهد أسوأ أزماته منذ الحرب الأهلية.

ريتا أبو سلمان وهدى الزعرت، تحولان تعبيرات الجسد إلى طريقة للتواصل مع الذات والتصالح مع الآخرين.

تنظر ريتا للجسد على أنه هدية ثمينة، تقول لـ"ارفع صوتك": "نستخدم فلسفة أو تقنيات اليوغا مثلا للتأمل وللسفر إلى داخل النفس، أي للعمق من خلال الأبعاد الجسدية والنفسية والفكرية والعلائقية، مما يمكّن من العثور على الهوية الحقيقية. وتسمح لنا بالإصغاء إلى صوتنا الداخلي والعثور على الطريق الخاص الذي يمنح حياتنا معنى وفرحاً".

"وتفتح اليوغا نافذة تتيح لنا قراءة حياتنا وعالمنا بطريق مختلفة وإيجابية"، تضيف ريتا، مردفةً "الناس غالبا ما تنسى التنفس. وهو من أهم العناصر التي نركز عليها في تقنياتنا، فهو الهدية المجانية التي تمنح إلينا عند الولادة، ولا يمكننا حبسها أو امتلاكها لأنها ملك للحياة إلى يوم نسلمها إياه".

وتدعو المدربة التي تعالج بالرقص والتأمل منذ عام 2003، للتوقف برهة وللاهتمام بهذا النفَس الذي "يزيد من نوعية الحياة ويجمعنا بالآخرين"، مبينةً: "وجدت في هذه المسيرة رحلة تحرر عبر السنين، ومنذ الحصة الأولى، علمت أن هذا هو الهدف الذي أصبو إليه ووجدت العلاج لنفسي قبل أن أساعد الآخرين. كنت أعاني من الأنوركسيا (فقدان الشهية العصبي) ولم أتمكن من تقبل صورتي الجسدية ولكن بفضل الكثير من المرونة والتطويع، تعلمت أن أحب ذاتي. حينها أخذت القرار بمساعدة الآخرين من خلال تعبيرات الجسد". 

 

العنف المزدوج

تأسف ريتا لأن "عالمنا اليوم يضج بالكثير من المنافسة والضغط ويشوبه نمط حياة متسارع للغاية، ونحن نقضي أغلب وقتنا بحثا عن تعبئة الوقت نفسه، فننسى أن نسمع صوت قلبنا وندير الأذن الصماء للجمال المخبأ بداخلنا. فنقسو كثيرا على أنفسنا وعلى الآخرين أيضا"، على حد تعبيرها.

لذلك، تحاول العثور على حل من خلال "اختيار الحركات والاحتفاء بالجسد بمجموعة من الخطوات التي تكون بسيطة ومعقدة في الوقت عينه"، وتدعو المتدربين للابتعاد عن أي من أشكال العنف.

وتشير ريتا إلى أن العنف قد يكون "بحق الذات وبحق الآخر"، متابعة: "أحب ان أسرد قصة ماري روز. حين التقيت بها للمرة الأولى، كانت في الـ 43 من العمر. وعرّفت عن نفسها على أنها طاعنة في السن. صنفت نفسها تلقائيا في خانة العجز الذي ينبع من الألم الجسدي المزمن الذي كانت تعانيه. كان صوتها بالكاد مسموعا، وأظهرت ميلا كبيرا للاختباء والعيش في عالمها الخاص".

"استنتجتُ أنها شخصية انطوائية بامتياز. لم تمتلك الجرأة على الكلام وكانت تميل كثيرا للاعتذار والخوف من إزعاج أي كان. لكنها نجحت في التواصل مع المرأة بداخلها والتفتح بطريقة لينة ولطيفة للغاية من خلال تعبيرات الجسد وتقنيات اليوغا. هذه الحركات تنطق بأكثر مما نعتقد بأشواط"، تقول ريتا.

 

الرقص ملاذ

بالتوازي، تؤكد هدى الزعرت، مدربة اللياقة البدنية منذ أكثر من 20 عاما، أن " تقنيات الرقص على أشكالها، تسمح بالغوص في أعماق النفس وتكشف عن المرضى أشياء يقولون إنهم لا يعرفونها حتى".

وتركز بناء على خبرتها بالتعاون مع أطباء من اختصاصات مختلفة، على "إرشادات وتقنيات تسهل التواصل مع أشخاص من فئات عمرية مختلفة كالصغار من خلال حركات الجسد، وترسي بشكل مبهر رابطا بين الجمهور المشارك".

تبيّن هدى لـ"ارفع صوك": "نعمل مع حالات مختلفة.. من الأطفال الذين يشعرون بالخجل والارتباك أمام جمهور كبير إلى أولئك الذين يتطلبون عناية خاصة مثل المصابين بمتلازمة داون أو المقعدين. وباستخدام الموسيقى والإيقاع، نحاول إرساء نوع من الانسجام، وليس بالإمكان تخيل مدى سعادة الأولاد وهم يرقصون سويا على الرغم من أننا نتمنى لو أن كل الحالات قادرة على المشاركة، لكن هذا لا ينطبق مثلا على الأولاد المصابين بالتوحد".

يتحول الرقص، وفقا لهدى، إلى "ملاذ نساء يحاولن الفرار من العنف أو من سوء المعاملة في بعض الأحيان"، وتشير الى أبعاده  النفسية العميقة: "لكل حركة قصة.. ووراء كل رقصة حكاية. خلال الرقص قد تتعثر إحدى السيدات وتعجز عن اتباع الإيقاع لأنها تشعر بألم في خاصرتها. لا بأس! عندها، أطلب منها أن ترتاح قليلا أو أن تعاود المحاولة إن استطاعت، ثم أنتبه لعينها التي أثقلتها مواد التجميل لإخفاء الكدمات"

تقول هدى "تلك سيدة معنفة داخل منزلها.. تشارك في حصة الرقص على عجل خوفا من التأخر عن البيت. تقف دائما في آخر الصف وبالكاد تنظر لنفسها بالمرآة. تحاول أن تتمالك نفسها خوفا من نظرة الآخرين لها. قد نتوقع أن تنتهي كل رقصة بتصفيق وضحك، ثم نجد أحدهم أو إحداهن وهم يجهشون بالبكاء. وأعتبر ذلك نداءً للتدخل".

 

التواصل مع الجسد

في السياق ذاته، تربط هنا سكاكيني، وهي مديرة معهد للرقص وللموسيقى وتحديدا الأطفال في قرية لبنانية، الرقص بالتحرر من الصور النمطية الثقيلة المرتبطة بالجندر.

وتبين لـ"ارفع صوتك": "لا تزال بعض المجتمعات تنظر للفتاة على أنها عورة فتتم تربيتها في إطار يدعوها على الدوام للاختباء خوفا من العيب. لذلك، نحاول من خلال الرقص أن نرسي نوعا من التواصل بين الفتاة وجسدها لتعبر عما يختلج في داخلها وتشعر بالسعادة". 

 لذلك، تستخدم المدرية ريتا مثلاً اختبار "الجسد الروحي" من خلال مشروعها للدمج بين اليوغا والرقص. تقول "لا يتعلق الأمر بالحركات إنما بالأداء الكامل وضمنا الصوت من أجل تحرير الجسد والنفس والأفكار".

وتوضح: "خلال إحدى ورش العمل، اكتشفنا تجارب حياة عميقة جدا حيث يقوم المشاركون ليس فقط بالصراخ بأصواتهم بل بأجسادهم. وترتبط كل حصة بموضوع معين ومحدد مثل انفتاح القلب أو التصالح مع الذات ومع الماضي والعثور على التوازن داخل العالم من زاوية مختلفة، أو بكل بساطة العثور على النور والطريق الذي ينتمي إليه الشخص من خلال إطلاق العنان للابتكار و الإبداع والمخيلة والنور الموجود بداخلنا. ذلك النور الذي يجمعنا بالآخرين".

مواضيع ذات صلة:

شادن فقيه
الفنانة الكوميدية اللبنانية شادن فقيه

أثار مقطع فيديو مسرّب من عرض مسرحي كوميدي للفنانة الساخرة، شادن فقيه، موجة من الاعتراضات من قبل جهات إسلامية في لبنان، رأت في المقطع إهانة لرموز ومقدسات الدين الإسلامي، واعتبرت أنه لا يجوز تناول الدين بشكل ساخر، مطالبة بمحاسبة فقيه وملاحقتها قضائياً.

لم يقتصر الأمر على هذا فقط،  بل تعرضت شادن لحملات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي وصل بعضها إلى حدّ هدر دمها. وقد سبق أن تعرض زميل لشادن، هو الكوميدي نور حجار، لحملة مماثلة بعد مقطع شبيه يدخل الدين فيه كمادة ساخرة.

فتح الأمر باب النقاش حول وظيفة الكوميديا وحدودها، وما إذا كانت هناك "خطوط حمراء" يجب على الكوميديين عدم تجاوزها، وحضرت مع النقاش المقارنة بالغرب، حيث لا يبدو أن هناك سقفاً لما يمكن للكوميديا أن تسخر منه، وليس هناك خطوط حمر أو مقدّسات.

يبدو هذا جلياً في مئات الأعمال الكوميدية التي تبثها منصات مثل نيتفلكس وHBO ويوتيوب وغيرها، تتضمن سخرية لاذعة وقاسية من الأديان، من دون أن يؤدي ذلك إلى تعريض الكوميديين للمساءلة والملاحقة القضائية، مع أن كثيرين منهم يتعرضون لحملات مضادة ممن يعتبرون أنفسهم معنيين بالدفاع عن ما يرونه مقدساً. لكن يبقى ذلك ضمن حرية التعبير وحرية الردّ على الرأي بالرأي المضاد، وعلى السخرية بالسخرية المضادة.

الكوميدي البريطاني الشهير ريكي جيرفيز لديه "فلسفته" الخاصة لشرح هذه الحرية. يقول في أحد منشوراته على انستغرام:"الرجاء عدم القول أنه لا يمكنك السخرية من أمر ما، أيا يكن هذا الأمر، بعد الآن. حتماً تستطيع. تستطيع أن تسخر من أي شيء تريده، وبعض الناس لن يعجبهم ذلك، وسيقولون لك إنه لا يعجبهم، وحينها يعود إليك ما إذا كنت ستوليهم أهمية أم لا، وهكذا دواليك. هذا منطق جيد للأمور".

هذا المنطق نفسه، يحاجج به الكوميدي اللبناني شاكر أبو عبد الله. فبرأيه، "لا يجب أن يكون هناك حدود للكلام ولا للنكات. لم يحدث في التاريخ أن تسببت نكتة بحرب أو مصيبة. النكتة لا تؤذي، ولا يجب أن نُسكت أي أحد يتفوه بنكتة، بل على العكس يجب أن نشجع على السخرية التي تلعب دوراً في الإضاءة على المشاكل".

ما حدث مع شادن فقيه لا علاقة له، برأي أبو عبد الله، بما قالته في المقطع المسرّب، بل "المشكلة معها ترتبط بكل ما قالته في السابق في القضايا الاجتماعية والسياسية والجندرية، ولأنهم لا يستطيعون التصويب على شادن من هذا الباب، اتخذوا مما قالته من سخرية بحق الدين ذريعة للهجوم عليها وإسكاتها".

 يتفق جاد شحرور، المسؤول الإعلامي في مؤسسة سمير قصير، مع ما يقوله أبو عبد الله، لجهة اعتبار أن المسألة لا ترتبط بمضمون ما قالته فقيه، بل بالوضع الأمني العام في البلاد والحملات، التي يرى فيها شحرور "صبغة أمنية مقصودة، خصوصا أنها ليست المرة الأولى التي يجري فيها تسريب كلام من عروض كوميدية قديمة وشن حملات عليها. وقد جرى التحريض الممنهج على شادن من قبل حسابات مشبوهة على مواقع التواصل الاجتماعي، وحدث مثل هذا الأمر مع نور حجار قبلها".

قبل النقاش في مضمون ما قالته شادن، يقول شحرور، إنه يجب أن نتوقف عند "الأسلوب الأمني في نبش ملفات والتحريض عليها بالتزامن مع وجود فضائح مجتمعية أو سياسية في البلد، لحرف الأنظار عن المشكلة الأساسية. وفي حالة شادن، يجب أن ننتبه إلى أن الحملة عليها أتت للتغطية على قضية الاعتداءات الجنسية على الاطفال بما بات يعرف بفضيحة التيك توك".

وبالعودة إلى مضمون ما صدر عن فقيه في المقطع الساخر، والذي تناول الدين الإسلامي، يرى أبو عبد الله أن "الشعوب العربية في الغالب يحركها الدين، وهو المقدس الأكبر، إذ يمكن لهذه الشعوب أن تتعرض لأنواع شتى من الانتهاكات الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية كما في حالة لبنان من دون اعتراض، لكن إذا جرى تناول رجل دين أو الشعائر الدينية بنقد أو بسخرية ممكن أن تتعرض للقتل!".

يشدد أبو عبد الله على "وجود أناس مسالمين ومتقبلين للآخر ولحرية التعبير في جميع المجتمعات والأديان، وفي مقابلهم هناك أناس أصوليون متطرفون لا يتقبلون الرأي الآخر".

ويرى أننا نعيش في مرحلة تاريخية حيث هناك فئة أصولية متعصبة تحاول السيطرة على الخطاب العام، فيما في السابق، تاريخياً، تداورت أديان وجماعات راديكالية وأنظمة توتاليتارية على القمع والتشدد بحق حرية الرأي وتقييدها.

ويلفت أبو عبد الله إلى أن الأمر لا يقتصر على الإسلام. "ففي لبنان حركة أصولية مسيحية أيضاً تتمظهر في سلوكيات من يسمون أنفسهم جنود الرب، وهؤلاء يحملون خطاباً متطرفاً، ويستخدمون العنف للتضييق على الحريات الجندرية وحرية التعبير والسخرية".

من هنا، يرى شحرور أن ما تناولته شادن فقيه لم يكن جديداً في خطابها الكوميدي، "المستند أساساً إلى القضايا الجندرية والجنسانية وحقوق مجتمع الميم والصراع مع الدين، كمصدر أساسي للمحتوى الذي تقدمه، وهو ما شكل ما يمكن تسميته هويتها الكوميدية".

وبالنسبة إلى شحرور ،فإن أي أمر جديد على المجتمع، سيكون صعباً على الناس في البداية تفهمه وتقبله. و"هناك فارق بين الكوميديا الترفيهية، والكوميديا التي تحمل خطاباً سياسياً وتتناول قضايا عميقة وحساسة"، كما يشرح شحرور،

ويضيف: "هناك في العالم أسماء كبيرة في عالم الكوميديا تذهب بعيداً في كسر المحرمات والخروج عن المألوف في تناول قضايا حساسة. وهناك بيئة حاضنة لأي نوع من المحتوى. ولا يعني توسيع أفق النقد الديني والسياسي أن في ذلك إلغاء للآخر أو اعتداء عليه، بل على العكس هذا الأمر يجب أن يفتح أفقا التفكير وإعطاء خيارات جديدة للناس، وهذا الأمر لن يجري بسلاسة طبعاً، ولا بد أن يواجه عوائق وصعوبات وحتى مخاطر تواجه أصحاب الرأي المختلف كما هو الحال مع كثر ممن حاولوا كسر القوالب الجاهزة والتجرؤ على المقدس".

بالنسبة إلى عبدالله، لا يجب أن تؤدي الحملة على شادن فقيه، وقبلها الحملة على نور حجار، إلى دفع الكوميديين اللبنانيين للخوف والتراجع ووضع قيود على نكاتهم وتفكيرهم الحر، أو أن يخلق هذا الأمر رقابة ذاتية: "يجب أن نكمل بما نفعله بحرية، وهناك أثمان لهذه الحرية، علينا أن ندفعها. التراجع ليس خياراً".

شحرور من جهته يخشى أن  المجتمع المحافظ في لبنان، يستسهل تكفير أي خطاب يعتبره مهيناً لمقدساته. يقول: "سيكون الطريق صعباً في سبيل أن يتقبل المجتمع المحافظ هذا النوع الجديد من الكوميديا، كما هو الحال مع كل جديد".