الفنان العراقي سيف نبيل، مغنيا للراب في بداياته، على خشبة المسرح الوطني العراقي في بغداد في يوليو 2009.
الفنان العراقي سيف نبيل، مغنيا للراب في بداياته، على خشبة المسرح الوطني العراقي في بغداد في يوليو 2009.

مع سقوط نظام صدام حسين، انفتح العراق على العالم الخارجي، وتعرّف العراقيون على أنواعٍ جديدة من الفنون، منها موسيقى الراب، التي أتقنها العراقيون سريعاً.

في غضون وقتٍ قصير، صار الراب وسيلة الكثير من الشباب الأساسية للاحتجاج ضد فساد النظام السياسي. ليس هذا وحسب، بل توغّل الراب أكثر في المجتمع العراقي، فأصبح ضيفاً حتى على بعض "الحسينيات" بعدما اعتبرته بعض الجماعات جزءاً من الطقوس الدينية.

 

بداية الظهور

 

اعتبر العازف العراقي سامي نسيم أن العراق عرف فن الراب بعد عام 2003، بعدما شهدت البلاد "انفتاحا كبيرا على العالم الخارجي، بعد أن كانت تعاني من العزلة عن ثقافات العالم الأخرى".

وبحسب نسيم، فإن إهمال الحكومات المتعاقبة للفنون الشعبية أحدَث فجوة عند الشباب، الذين لم يجدوا فناً يعبّر عنهم فاختار بعضهم اللجوء إلى الراب.

بمرور سنوات ما بعد الحرب، نشأ في العراق جيل جديد لم يرَ العراق مستقراً، ولم يعهده إلا وهو يعاني توابع الحرب والاقتتال الداخلي. لم يعد شباب هذا الجيل يعتبرون أن المغنيين الكلاسيكيين قادرون على التعبير عن قضاياهم فلجأوا إلى الراب، الذي يمتلك حسبهم أدوات أكثر تمكّنهم من التعبير عن احتجاجاتهم بصوتٍ أعلى.

 

الطريق إلى السياسة

 

بشكلٍ حذر، بدأت تظهر أغاني "الراب العراقي" على شكل أغان عاطفية أولا. دام هذا الأمر بضع سنوات، لكن هذه الأغاني لم تحقق رواجاً كبيراً، ليتوجه الراب العراقي إلى التماشي مع الحركات الاحتجاجية التي عرفها الشارع العراقي بعد عام 2011 ويتلوّن بطابع السياسة.

تدريجياً، انسحبت معظم أغاني الراب العراقي ناحية المواضيع الجماهيرية حتى وقعت تظاهرات 2015، والتي شهدت ظهور أغنية "أنا العراق من أنتم؟!"، وحقّقت انتشاراً كبيراً بين المتظاهرين خلال اعتصامهم في ساحة "التحرير" وسط بغداد.

بعد هذه الأحداث بعامين، ظهرت على منصات التواصل الاجتماعي أعمال فرقة "قبيلة الوحوش"، والتي نشرت أغان ساخطة على تردّي الأوضاع الاجتماعية عبر موقع "يوتيوب".

ويعتبر مغني الراب حسين العربي أن الراب وسيلته الأفضل ليكتب ما يشاء من كلمات ويغنيها على إيقاعٍ بسيط مكّنه -وهو عامل بناء- من الوصول لشريحة عريضة من العراقيين.

ومنذ 2017، بدأ الراب في امتلاك جمهور حقيقي في العراق، وبات أكثر وأسهل وسيلة للتعبير عن الاحتجاج ضد فساد السُلطة وسوء الأوضاع الاجتماعية.

مزجت أغاني "قبيلة الوحوش" بين فن الراب وبين بعض الأعمال الفنية القديمة التي ألِفها الجمهور العراقي، مثل أغاني المطرب ناظم الغزالي وهيثم يوسف، وأشعار مظفر النواب وغيرها من أعمال كبار المُبدعين العراقيين.

وفي 2018، شهدت محافظة البصرة مظاهرات عنيفة احتجاجاً على تردّي أحوالها، تطوّرت إلى اشتباكات مع أجهزة الأمن واقتحامات لبعض المقرات الحكومية وإحراقها، مقابل قمع شديد تعرض له المتظاهرون.

حينها، استغلَّ الرابر العراقي أحمد المالكي (مستر كوتي) الأحداث، وصوّر أغنيته "هنا البصرة" أمام مبنى حكومي يحترق، وشنَّ فيها هجوماً قاسياً على النخبة السياسية والدينية في العراق.

وضعتْ هذه الأغنية "كوتي" في مواجهة مباشرة مع القوى الدينية، التي سبق وأن أغلقت بعض قواها الاستديو الخاص به في 2016 بدعوى أن "الموسيقى حرام". في حديثٍ له تمنّى "كوتي" أن تلعب أغانيه دوراً في تحسين الأوضاع بالعراق وفي تعريف العالم أن العراقيين منفتحون على أنواع الفنون كافة.

في ذات العام، ظهر فريق راب في الموصل هذه المرة، فطرح عدة أغان انتقدت سوء الأوضاع بالمدينة. 

كذلك شهدت ذات السنة محاولة الرابر العراقي النيوزلندي "أي إن زي" I-NZ توجيه رسالة احتجاج دولية على الأوضاع في العراق.

اختار الرابر العراقي أغنية "هذه أميركا"، للفنان تشايلدش غامبينو التي انتقد فيها انتشار السلاح في بلاده، ليقدّم أغنية موازية لها بعنوان "هذا العراق" حمّل فيها العالم الغربي مسؤولية اندلاع أعمال عنف في العراق.

 
 

الراب الحسيني

 

بعد هذه التجليات السياسية، اتخذت قصة الراب داخل العراق منحى آخر، بعدما ظهرت أنواع دينية منه، استعانت فيه بعض الفرق الشيعية بأغاني الراب خلال أداء طقوسها والتي تتضمّن ممارسة اللطم على الصدر.

أشهر الأمثلة على ذلك انتشار فيديوهات عديدة لأعضاء إحدى الفرق الدينية وهم يرقصون، داخل مسجد الصرفي بغداد، على وقْع أغنية "لا خمور ولا هروين.. لا حشيش وكوكايين".

أحدثت هذه الفيديوهات ضجة في المجتمع العراق ما بين مؤيدٍ ومعارض. لكن أغلب رجال الدين انتقدوا مزج ممارسة الطقوس الدينية بالأغاني الغربية.

في المقابل، برر هذه الخطوة عايد الحسني، ممثل المرجع الديني الشيعي محمود الحسني الصرخي، الذي يشرف على المسجد الذي استضاف "لطميات الراب"، بالقول إن الهدف من هذا الأمر هو الحديث بلغة الشباب والاقتراب منهم.

ورغم إقرار الحسني أن الاستماع إلى الموسيقى "حرام"، إلا أنه اعتبر أن هذه الحُرمة مشروطة بالاستخدام. لهذا اعتبر أن الاستعانة بالراب لمدح آل البيت ولإنشاد التواشيح والأناشيد الدينية سيضعها في دائرة الأمور الحلال.

وخرج رجل الدين رشيد الحسيني، في برنامج "فقه المصطفى" الذي يُبثُّ على قناة "الفرات"، التابعة لعمار الحكيم زعيم تيار الحكمة، ليقول "إنّ الراب يعد مؤامرة على الدين وعلى الحوزة العلمية والمرجعية من خلال تلويث وتشويه رسالة الحسين".

وحينما سُئِلَ حينها المرجع كاظم الحائري (كان مقربا من التيار الصدري وأعلن تنحيه عن المرجعية العام الماضي)، عن هذا الأمر اعتبره وسيلة لـ"تشويه عزاء الإمام الحسين" وحرّم الاستعانة به.

لم تمنع هذه الاعتراضات "الراب الشيعي" من التمدّد، فلم يعد قاصراً على بغداد فقط، وإنما ظهر أيضاً في مناطق أخرى كالبصرة والناصرية والحلة. 

مواضيع ذات صلة:

هالا غوراني مع غلاف كتابها - من حسابها على فايسبوك
هالا غوراني مع غلاف كتابها - من حسابها على فايسبوك

كان اسمها هالا إبراهيم باشا. وكانت في العشرين من عمرها، تعيش في باريس في تسعينات القرن الماضي، وقد تخرّجت للتو من إحدى الجامعات المهمة في فرنسا، ولديها خبرة عامين، وتحاول التقدم إلى عمل. جمعت سيرتها الذاتية ورتّبتها، كان اسمها مذكوراً في الأعلى: هالا باشا، وكانت اللغة العربية من ضمن اللغات التي تتحدثها بطلاقة، فوضعت ذلك في السيرة الذاتية كعنصر يفترض أن يكون معزّزاً لفرصها في نيل وظيفة. لكن الأمر كان معاكساً. لم تتلق هالا أي ردّ على سيرتها الذاتية، ولم يصلها أي عرض عمل. حينذاك، أحد أصدقائها نصحها بإزالة اللغة العربية من السيرة الذاتية. قال لها: "فرنسا مجتمع توجد فيه عنصرية مؤسسية وبالتأكيد تمييز ضد العرب، وهذا ما تم إثباته في العديد من التجارب، حيث يتم ارسال السيرة الذاتية الوهمية باسم عربي مقابل اسم غربي، والاسم العربي يحصل على قدر أقل بكثير من الاهتمام".

لهذا، قررت هالا أن تزيل اللغة العربية من سيرتها الذاتية، وأضافت صورتها بشعر أشقر وعيون زرقاء، تبدو فيها أجنية، وقررت أن تغيّر اسم عائلتها، وتعتمد اسم عائلة والدتها بدلاً من والدها، ويصير اسمها الكامل: هالا غوراني، وهو اسم كما تقول له وقع غربي. وهكذا صارت الإعلاميةَ المعروفة أميركياً وعالمياً بسبب عملها في قناة "سي أن أن" وتقديمها برنامجاً حمل اسمها على القناة الأميركية المشهورة.

"لكن لا يبدو عليك أنك عربية"، هذه هي العبارة التي سمعتها هالا مراراً وتكراراً، جعلتها عنوان كتابها الصادر حديثاً باللغة الإنجليزية. وهو عبارة عن سيرة ذاتية تخوض في تفاصيل حياة غوراني المهنية وتاريخ عائلتها المركّب.

تعتمد الإعلامية في سردها على الدمج بين حياتها الشخصية وبين حياتها المهنية. فهي من جهة ابنة مهاجرين سوريين، وهي في الآن عينه المراسلة المعروفة التي سافرت إلى مختلف أنحاء العالم، لتغطية الأحداث والنزاعات والحروب. تصيغ حياتها كانعكاس لجذورها من جهة، ولانتمائها إلى مهنة الصحافة التي تتحول إلى وطن في غياب الهوية الواضحة.

استطاعت هالا، من خلال تجاربها أن تجد مكانها في جميع الأماكن التي شعرت فيها بأنها "الآخر"، كما في حلب، سوريا، موطن والديها؛ وفي سياتل، واشنطن، حيث ولدت؛ وفي باريس، فرنسا، حيث نشأت. وأيضاً في لندن، إنجلترا، حيث بدأت رحلتها الصحفية، وفي العاصمة الأميركية واشنطن حيث أمضت معظم حياتها المهنية. 

كقطع "البازل" تمكنت غوراني من تجميع حياتها ومسيرتها المهنية من خلال إجراء مقابلات مع عائلتها، وتدوين الملاحظات على مدى عقود، والتحدث إلى زملائها، والاعتماد على ذكرياتها، لكي تصل في النهاية إلى معرفة ذاتها، وفهم هويتها المركّبة، وما عانته طوال رحلتها الشخصية والمهنية، كمهاجرة، من تنميط مارسته هي نفسها مع نفسها، لمحاولة "النجاة"، وتحقيق الطموح والارتقاء في السلم الوظيفي. وحينما حققت غوراني ذاتها مهنياً، راحت عبر الكتاب تبحث عن تاريخها وهويتها وانتمائها. 

باستخدام ذكرياتها عن الماضي والسياسة تتنقل بين شبابها وحياتها المهنية، بين الوظائف والمناصب، والبلدان والمهمات، والأحداث الشخصية والمهنية، مما يساعدها على ترسيخ أقدامها في السعي لاكتشاف نفسها. تعرّج على الأماكن التي زارتها كمراسلة، وتجعل منها محطات في تماسها مع جذورها المشتتة حول العالم. تعود إلى حلب، موطن والديها الأصلي، وتشعر بجراح المدينة التي لم تندمل منذ العام 2011.

عن هذا الجرح تقول في مقابلة مع شبكة "سي أن أن" التي عملت فيها لسنوات طوال: "للأسف لم يلتئم الجرح فهو لا يزال موجوداً لأنه ما زال يجعلني اشعر بالعاطفة وكل التجارب السابقة التي مررت بها، سوريا، موت سوريا التي أعرفها لا يزال الشيء الذي يحزنني".

تحكي غوراني بأسلوب السيرة الذاتية، سيراً مختلفة لأمكنة وبلدان، وتغوص في سيرة النزوح والهجرة واضطراب الهويات: "أردت أن أروي هذه القصة العالمية للنزوح، للهجرة. كانت عائلتي عائلة عربية سورية تعيش في الغرب الأوسط الأميركي. في وقتٍ مبكرٍ جداً تدرك أن اسمك مختلف وتدرك أن والديك يتحدثان لغة أخرى ويأكلان طعاماً مختلفاً. وليس العرب الذين يعيشون في الولايات المتحدة هم فقط الذين يشعرون بهذه الطريقة يمكن أن يكونوا لاتينيين أو أشخاصاً من دين أو عرق مختلف، عندما تنتمي إلى أقلية كما كتبت في كتابي، فأنت تنتمي أحياناً إلى قبيلة مكونة من شخص واحد لإنك الطفل الوحيد من تلك الخلفية والوحيد الذي يختلف بلد والديه الأصلي تماماً عن المكان الذي انتهى بهما الأمر إلى الاستقرار فيه".

يبدو الكتاب كمحاولة لتصحيح تلك السيرة الذاتية التي أخضعتها غوراني لنوع من "التزوير الأبيض" بغرض تفادي التنميط وعدم خسارة فرص بسبب الممارسات العنصرية أو النبذ الاجتماعي. في الكتاب تفصح غوراني عن هويتها في معرض البحث عنها، لتكتشف أنها هوية مركّبة وغير مستقرة. هي الهوية التي تجمع ما بين عدم الإنتماء إلى أي بلد والانتماء في الوقت نفسه إلى مجموعة كبيرة من البلدان. ولهذا فإنها في نهاية كتابها تصل إلى خلاصة أن الوطن، هو في الحقيقة هذه التجربة كلها التي عاشتها ودوّنتها. الوطن يصير هو الكتاب.

غلاف الكتاب

على الغلاف الخلفي للكتاب، الصادر في فبراير من العام 2024، عن دار "هاتشيت" في نيويورك، مراجعة قصيرة كتبها الكوميدي المصري باسم يوسف، يقول فيها: "لكن لا يبدو عليكِ أنك عربية"، يمكن أن يكون "لا يبدو عليك أنك مسلمة، مسيحية، يهودية، أميركية.. هذا الكتاب يخاطب كل من شعر بالحاجة للظهور بشكل معين، أو ليتكيف مع وضع معين، أو التأقلم مع توقعات الآخرين عنه". ويضيف يوسف: "هذا الكتاب يجب أن يضاف إلى طلبات الهجرة التي نقدّمها".