لقطة من مسلسل "أشباح بيروت"
لقطة من المسلسل

"قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، كان عماد مغنية مسؤولاً عن قتل أكبر عدد من الأميركيين في العالم"، هذه المعلومة ترد في واحد من الفيديوات التسويقية لمسلسل "أشباح بيروت"، الذي يعرض على منصّة "شو تايم"، ابتداءً من 19 مايو الحالي.

المسلسل دراما تجسس من أربعة أجزاء "يستند إلى واحدة من أعظم قصص التجسس في العصر الحديث: مطاردة عماد مغنية، الإرهابي اللبناني المراوغ الذي تفوق على خصومه في وكالة المخابرات المركزية والموساد لأكثر من عقدين"، كما جاء في تعريف السلسلة على المنصة.  

الممثل الإسرائيلي ليو راز ومواطنه الصحافي آفي ايسخروف، اللذان اشتركا في العمل على مسلسل "فوضى" من إنتاج "نتفلكس"، كانا وراء فكرة "أشباح بيروت"، وتعاونا مع الأميركي غريغ باركر، الذي تولى الإخراج، فيما تولت كتابة السيناريو اللبنانية جويل توما.

الممثلون أيضاً متنوعون بين عرب وأميركيين وإسرائيليين وإيرانيين، وجرى تصوير جميع المشاهد في المغرب، واستند العمل إلى أبحاث أشرفت عليها الصحافية اللبنانية حنين غدار.

لكن العمل ليس توثيقياً بالمعنى العلمي للكلمة، بل هو عمل سردي درامي خيالي، "مستند إلى بحوث صحافية عميقة وعناصر وثائقية"، كما يعرّف عنه منتجوه.

ومن هذه العناصر الوثائقية مقابلات مع خبراء أمنيين وصحافيين وعملاء سابقين في "السي آي آي" والموساد الإسرائيلي. كما يقدم سيرة شخصية تدخل في تفاصيل الحياة الأمنية والسياسية لعماد مغنية، الذي كانت له أذرع في معظم دول الشرق الأوسط، من العراق إلى سوريا ولبنان وفلسطين، فضلاً عن قربه من المسؤولين الإيرانيين وتماسه اللصيق مع قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني.

ويتناول المسلسل البيئة التي عاش فيها مغنية، ويدخل في تفاصيل حياته العائلية وعلاقاته العاطفية، ووقوعه في حب سيدة في دمشق، وهو ما أدى إلى انزلاقه في أخطاء أدت إلى انكشافه الأمني واغتياله لاحقاً، بعد مطاردة طويلة.

ويقدم المسلسل فرضية أن جهازيّ الاستخبارات في إسرائيل والولايات المتحدة، وضعا جهودهما معاً لتحقيق الوصول إلى من اعتبروه "الإرهابي الأخطر والموضوع لسنوات طويلة على لوائح الإرهاب لتخطيطه وتنفيذه عمليات إرهابية ضد أهداف أميركية عسكرية ومدنية ودبلوماسية، فضلاً عن دوره القيادي الفعّال في إدارة حزب الله اللبناني وقيادة عملياته الأمنية والعسكرية".  

البحث عن الضحايا بعد هجوم إرهابي على مقر القوات الأمريكية في بيروت
أسلوب المليشيات واحد من بيروت إلى بغداد.. السفارة الأميركية تحيي ذكرى "ثكنة المارينز"
في 23 أكتوبر 1983، شنّ حزب الله هجوماً إرهابيا على ثكنة المارينز في بيروت، وفي ذلك اليوم قام انتحاري يدعى إسماعيل عسكري، وهو إيراني ينتمي للحرس الثوري بتفجير شاحنة تحت المبنى المكون من أربعة طوابق الذي يضم ثكنات مشاة البحرية الأميركية، مفجّراً 12000 رطل من مادة "تي إن تي"، ما حوّل المبنى إلى أنقاض وقتل 220 من مشاة البحرية و 18 بحاراً وثلاثة جنود، بحسب موقع الخارجية الأميركية.

وقبل ذلك بأشهر معدودة، قام انتحاري آخر بتفجير شاحنة "بيك أب" محملة بـ ألفي رطل من مادة "تي إن تي"، في 18 أبريل 1983، با

المخرج غريغ باركر قال في العرض الأول الذي جرى في إحدى صالات السينما في العاصمة الأميركية واشنطن، إن "عناصر الخيال في العمل كثيرة، خصوصاً فيما يتعلق بالحياة الخاصة لمغنية، إذ أن المعلومات المتوفرة في هذا الجانب ضئيلة جداً. ولكن الأبحاث والقراءات عن الرجل الذي اغتيل في عام 2008 في سوريا، تمكّن من رسم صورة تقريبية مدعّمة بالخيال لطبيعة شخصيته وسلوكه وعلاقاته الأمنية والشخصية".

ايسخروف، وفي مقابلة مع "ذا تايمز أوف إسرائيل"، يقول إن "مغنية أثار اهتمامه حينما كان يعمل كمراسل أثناء حرب تموز 2006 بين إسرائيل وحزب الله، وقد ظهر آنذاك اسم مغنية مراراً، وكان اسمه حاضراً في معظم العمليات الانتحارية التي شهدها الشرق الأوسط في فترات إطلاق حزب الله في الثمانينيات".

ويؤكد المنتج الإسرائيلي أن العمل "استند إلى أبحاث ومقابلات مع عاملين في مجال الاستخبارات في إسرائيل وأميركا"، مستدركاً "لم أكن في غرفة النوم مع مغنية وزوجته، وهنا في هذه النقطة يمكن إحياء الجانب الدرامي من المسلسل وهو ما فعلناه".

زميله الممثل الإسرائيلي وبطل مسلسل "فوضى" ليو راز، يؤكد على كلامه أيضاً لـ"تايمز أوف إسرائيل"، مضيفاً "إذا كان هناك شخص يقوم بقتل الناس من دون أن تكون له حياة خاصة، لن يكون الأمر مثيراً للاهتمام".

ويضيف أن "عمله مع ايسخروف وباركر وتوما، شكّل عناصر ثلاثة أحاطت بشخصية مغنية وسمحت برسم بورتريه شديد القرب من حقيقة الرجل".

لعب دور مغنية الممثلان أمير خوري وهشام سليمان في صباه وخلال تقدمه بالعمر، وقد ظهر كلاهما في مسلسل "فوضى"، فيما لعبت السعودية دينا شيباني دور عميلة في الاستخبارات الأميركية من أصل لبناني، ولعب الممثل الإسرائيلي ايدو كولدبرغ دور ضابط في الموساد، كما لعب الممثل المولود في إيران نافيد ناغاهبان دور علي رضا أصغري الضابط في الحرس الثوري الإيراني، الذي "اختفى عام 2007 وتدور إشاعات كثيرة حول مكان وجوده، إن كان قد انشق وانتقل إلى الولايات المتحدة، أو خطف من الموساد، أو قتل نفسه في سجن إسرائيلي، أو سيناريوهات أخرى كثيرة متداولة"، بحسب "ذا تايمز أوف إسرائيل".

المنصة عرضت حتى كتابة هذا التقرير حلقة واحدة من السلسلة، على أن يجري عرض الحلقات الثلاث المتبقية أسبوعياً على التوالي.     

مواضيع ذات صلة:

شادن فقيه
الفنانة الكوميدية اللبنانية شادن فقيه

أثار مقطع فيديو مسرّب من عرض مسرحي كوميدي للفنانة الساخرة، شادن فقيه، موجة من الاعتراضات من قبل جهات إسلامية في لبنان، رأت في المقطع إهانة لرموز ومقدسات الدين الإسلامي، واعتبرت أنه لا يجوز تناول الدين بشكل ساخر، مطالبة بمحاسبة فقيه وملاحقتها قضائياً.

لم يقتصر الأمر على هذا فقط،  بل تعرضت شادن لحملات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي وصل بعضها إلى حدّ هدر دمها. وقد سبق أن تعرض زميل لشادن، هو الكوميدي نور حجار، لحملة مماثلة بعد مقطع شبيه يدخل الدين فيه كمادة ساخرة.

فتح الأمر باب النقاش حول وظيفة الكوميديا وحدودها، وما إذا كانت هناك "خطوط حمراء" يجب على الكوميديين عدم تجاوزها، وحضرت مع النقاش المقارنة بالغرب، حيث لا يبدو أن هناك سقفاً لما يمكن للكوميديا أن تسخر منه، وليس هناك خطوط حمر أو مقدّسات.

يبدو هذا جلياً في مئات الأعمال الكوميدية التي تبثها منصات مثل نيتفلكس وHBO ويوتيوب وغيرها، تتضمن سخرية لاذعة وقاسية من الأديان، من دون أن يؤدي ذلك إلى تعريض الكوميديين للمساءلة والملاحقة القضائية، مع أن كثيرين منهم يتعرضون لحملات مضادة ممن يعتبرون أنفسهم معنيين بالدفاع عن ما يرونه مقدساً. لكن يبقى ذلك ضمن حرية التعبير وحرية الردّ على الرأي بالرأي المضاد، وعلى السخرية بالسخرية المضادة.

الكوميدي البريطاني الشهير ريكي جيرفيز لديه "فلسفته" الخاصة لشرح هذه الحرية. يقول في أحد منشوراته على انستغرام:"الرجاء عدم القول أنه لا يمكنك السخرية من أمر ما، أيا يكن هذا الأمر، بعد الآن. حتماً تستطيع. تستطيع أن تسخر من أي شيء تريده، وبعض الناس لن يعجبهم ذلك، وسيقولون لك إنه لا يعجبهم، وحينها يعود إليك ما إذا كنت ستوليهم أهمية أم لا، وهكذا دواليك. هذا منطق جيد للأمور".

هذا المنطق نفسه، يحاجج به الكوميدي اللبناني شاكر أبو عبد الله. فبرأيه، "لا يجب أن يكون هناك حدود للكلام ولا للنكات. لم يحدث في التاريخ أن تسببت نكتة بحرب أو مصيبة. النكتة لا تؤذي، ولا يجب أن نُسكت أي أحد يتفوه بنكتة، بل على العكس يجب أن نشجع على السخرية التي تلعب دوراً في الإضاءة على المشاكل".

ما حدث مع شادن فقيه لا علاقة له، برأي أبو عبد الله، بما قالته في المقطع المسرّب، بل "المشكلة معها ترتبط بكل ما قالته في السابق في القضايا الاجتماعية والسياسية والجندرية، ولأنهم لا يستطيعون التصويب على شادن من هذا الباب، اتخذوا مما قالته من سخرية بحق الدين ذريعة للهجوم عليها وإسكاتها".

 يتفق جاد شحرور، المسؤول الإعلامي في مؤسسة سمير قصير، مع ما يقوله أبو عبد الله، لجهة اعتبار أن المسألة لا ترتبط بمضمون ما قالته فقيه، بل بالوضع الأمني العام في البلاد والحملات، التي يرى فيها شحرور "صبغة أمنية مقصودة، خصوصا أنها ليست المرة الأولى التي يجري فيها تسريب كلام من عروض كوميدية قديمة وشن حملات عليها. وقد جرى التحريض الممنهج على شادن من قبل حسابات مشبوهة على مواقع التواصل الاجتماعي، وحدث مثل هذا الأمر مع نور حجار قبلها".

قبل النقاش في مضمون ما قالته شادن، يقول شحرور، إنه يجب أن نتوقف عند "الأسلوب الأمني في نبش ملفات والتحريض عليها بالتزامن مع وجود فضائح مجتمعية أو سياسية في البلد، لحرف الأنظار عن المشكلة الأساسية. وفي حالة شادن، يجب أن ننتبه إلى أن الحملة عليها أتت للتغطية على قضية الاعتداءات الجنسية على الاطفال بما بات يعرف بفضيحة التيك توك".

وبالعودة إلى مضمون ما صدر عن فقيه في المقطع الساخر، والذي تناول الدين الإسلامي، يرى أبو عبد الله أن "الشعوب العربية في الغالب يحركها الدين، وهو المقدس الأكبر، إذ يمكن لهذه الشعوب أن تتعرض لأنواع شتى من الانتهاكات الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية كما في حالة لبنان من دون اعتراض، لكن إذا جرى تناول رجل دين أو الشعائر الدينية بنقد أو بسخرية ممكن أن تتعرض للقتل!".

يشدد أبو عبد الله على "وجود أناس مسالمين ومتقبلين للآخر ولحرية التعبير في جميع المجتمعات والأديان، وفي مقابلهم هناك أناس أصوليون متطرفون لا يتقبلون الرأي الآخر".

ويرى أننا نعيش في مرحلة تاريخية حيث هناك فئة أصولية متعصبة تحاول السيطرة على الخطاب العام، فيما في السابق، تاريخياً، تداورت أديان وجماعات راديكالية وأنظمة توتاليتارية على القمع والتشدد بحق حرية الرأي وتقييدها.

ويلفت أبو عبد الله إلى أن الأمر لا يقتصر على الإسلام. "ففي لبنان حركة أصولية مسيحية أيضاً تتمظهر في سلوكيات من يسمون أنفسهم جنود الرب، وهؤلاء يحملون خطاباً متطرفاً، ويستخدمون العنف للتضييق على الحريات الجندرية وحرية التعبير والسخرية".

من هنا، يرى شحرور أن ما تناولته شادن فقيه لم يكن جديداً في خطابها الكوميدي، "المستند أساساً إلى القضايا الجندرية والجنسانية وحقوق مجتمع الميم والصراع مع الدين، كمصدر أساسي للمحتوى الذي تقدمه، وهو ما شكل ما يمكن تسميته هويتها الكوميدية".

وبالنسبة إلى شحرور ،فإن أي أمر جديد على المجتمع، سيكون صعباً على الناس في البداية تفهمه وتقبله. و"هناك فارق بين الكوميديا الترفيهية، والكوميديا التي تحمل خطاباً سياسياً وتتناول قضايا عميقة وحساسة"، كما يشرح شحرور،

ويضيف: "هناك في العالم أسماء كبيرة في عالم الكوميديا تذهب بعيداً في كسر المحرمات والخروج عن المألوف في تناول قضايا حساسة. وهناك بيئة حاضنة لأي نوع من المحتوى. ولا يعني توسيع أفق النقد الديني والسياسي أن في ذلك إلغاء للآخر أو اعتداء عليه، بل على العكس هذا الأمر يجب أن يفتح أفقا التفكير وإعطاء خيارات جديدة للناس، وهذا الأمر لن يجري بسلاسة طبعاً، ولا بد أن يواجه عوائق وصعوبات وحتى مخاطر تواجه أصحاب الرأي المختلف كما هو الحال مع كثر ممن حاولوا كسر القوالب الجاهزة والتجرؤ على المقدس".

بالنسبة إلى عبدالله، لا يجب أن تؤدي الحملة على شادن فقيه، وقبلها الحملة على نور حجار، إلى دفع الكوميديين اللبنانيين للخوف والتراجع ووضع قيود على نكاتهم وتفكيرهم الحر، أو أن يخلق هذا الأمر رقابة ذاتية: "يجب أن نكمل بما نفعله بحرية، وهناك أثمان لهذه الحرية، علينا أن ندفعها. التراجع ليس خياراً".

شحرور من جهته يخشى أن  المجتمع المحافظ في لبنان، يستسهل تكفير أي خطاب يعتبره مهيناً لمقدساته. يقول: "سيكون الطريق صعباً في سبيل أن يتقبل المجتمع المحافظ هذا النوع الجديد من الكوميديا، كما هو الحال مع كل جديد".