لا يكف الذكاء الاصطناعي عن مفاجأة البشر وخلق أسئلة وإشكاليات محيّرة حول قدرته وتأثيره على حياتهم وتفاصيلها، من العلوم والطب والإنسانيات إلى التكنولوجيا والاقتصاد وصولاً إلى الأدب والفنّ.
وآخر "تراندات" الذكاء الاصطناعي، أطلقها الملحن المصري عمرو مصطفى، الذي نشر إعلاناً ترويجياً (أزاله لاحقاً عن صفحته) لأغنية بعنوان "أفتكرلك إيه"، وقال إنها أغنية وضع لحنها وكلماتها لتغنيها كوكب الشرق أم كلثوم (1898-1975) بتقنية الذكاء الاصطناعي.
عمرو مصطفى ننزل الأغنية اللي عاملها لشيرين وهي اتمرقعت ولسه منزلتهاش وسربتها (قول مهما تقول) بصوت أم كلثوم عن طريق الذكاء الاصطناعي pic.twitter.com/z1c4Zes0A3
— Reda | USH ⚧️ (@Reda_USH) May 18, 2023
إعلان مصطفى أثار جدلاً كبيراً بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً المهتمين بالموسيقي العربية الشرقية الذين يكنّون لـ"الست" وفنها احتراماً كبيراً. بعضهم وجد في التجربة المفترضة إحياء للمطربة "العظيمة" وتكريماً لها، والبعض الآخر اعترض على الفكرة لأنها "تشكّل انتهاكاً أخلاقياً" لشخصية فارقت الحياة منذ عقود، وكانت شديدة الحرص على صورتها وصوتها وما تقدّمه من ألحان ومن كلمات مغناة.
واعتبر المعترضون أن قرار الملحن مصطفى بوضع أغنية ملحنة من كلماته على صوت أم كلثوم، يشكّل "تعدياً" على إرادة كوكب الشرق وإرثها، فيما لم يمانع كثيرون من انتظار العمل للحكم عليه، معتبرين أنه تجربة "ملفتة ومثيرة للاهتمام".
يقول الملحن والمتخصص في علم الموسيقى زياد سحاب، إن مسألة استخدام أصوات فنانين تقنياً لخدمة تسجيل أغنيات لفنانين آخرين "ليست جديدة"، وثمة فنانون وفنانات يستخدمون أصواتاً أخرى غير أصواتهم، خلال التسجيلات، مع الحفاظ على خامة صوتهم، للوصول إلى نسخة منقحة من أصواتهم الضعيفة التي لا تستطيع في كثير من الأحيان تأدية ألحان صعبة وإبراز عُرب صوتية مطلوبة أثناء التسجيل.
ويشير سحاب في حديثه مع "ارفع صوتك"، إلى إصدار أغنية قبل سنوات، من كلمات وألحان وبصوت الفنان كيرت كوبين (المغني الأساسي في فرقة نيرفانا الذي أقدم على الانتحار)، استناداً إلى مجموعة من أغنياته أدخلها في أحد أشكال الذكاء الاصطناعي، واصفاً النتيجة بأنها "جميلة".
ويوضح: "هناك مسار لا يمكن الوقوف في وجهه، ولا يمكن للمواقف الأخلاقية أن تمنع حدوثه وانتشاره، لهذا يفضّل الانتظار ومراقبة ما سينتج عن هذه التكنولوجيا، تماما كما حدث في تطور تقنيات كثيرة دخلت على الموسيقى العربية، وكانت لها إيجابياتها وسلبياتها. فالتطور دائماً يطرح إشكالية التأثير بشكل سلبي على الأشكال المعتمدة".
"والموسيقى الشرقية مع اختراع التسجيل على الأسطوانات، مثلاً، كانت أمام تحدي خسارة أحد أهمّ عناصرها ألا وهو هامش الارتجال، الذي راح يضيق بشكل كبير في الموسيقى العربية، كما أنه ألغى أشكالاً كثيرة من الغناء كانت موجودة، بسبب محدودية الوقت الذي يسمح به التسجيل، فهل كان في الإمكان الوقوف في وجه هذا التطور؟ بالطبع لا"، يتابع سحاب.
ويلفت إلى أن "الحل الوحيد كان في الإصرار على الإبقاء على هوامش للارتجال خلال التسجيلات للحفاظ على خاصية جميلة من خواص الموسيقى العربية".
هذه النقطة يوافق عليها الناقد الموسيقي فادي العبدالله، مؤكداً لـ"ارفع صوتك"، أن تطور التقنيات "يؤدي حكماً إلى تغير في نسيج الموسيقى"، ومن الأمثلة على "دخول الأسطوانة ثم الميكروفون والسينما والإذاعة وغيرها، التي أنهت بدورها جماليات معينة وأنشأت جماليات جديدة".
"وهذا أمر لا مفرّ منه على أية حال، وإذا نظرنا إلى حال الموسيقى العربية الحية اليوم، فهي على الأغلب في جهة الراب والمهرجانات بمختلف أنماطها واختلاطها، وهو أيضا وليد تطور تقنيات إلكترونية سمحت للجميع بالتوصل إلى إنتاج الموسيقى وتوزيعها"، يضيف العبدالله.
لكن ما الذي سيغيره الذكاء الاصطناعي في إنتاج الموسيقى؟ يرجح العبدالله "أننا لا نستطيع تصور ما سيقدمه من أدوات للراغبين، خصوصاً لجهة مزج الأصوات والميكروتوناليتي والتلاعب الدقيق جدا بالاصوات والإيقاعات وبالزمن".
ويرى أن "تركيب صوت شخص على أغنية لشخص آخر -على الأرجح- أقل درجة من قدرات الذكاء الاصطناعي".
وقد يكون ما نحن بصدده من تداخل بين الذكاء الاصطناعي والموسيقى العربية "موضة وتنتهي"، بحسب العبدالله، متابعاً: "قد تتحول إلى امر معتاد جدا بالضبط كمثل اعتياد الجميع إدماج موسيقى من أغاني أم كلثوم في إنتاجات حديثة عبر تطور الدي جي واهتماماتهم. وهذا قد يطوّر مهنة جديدة، مثلما حصل للدي جي واستخدام عينات من موسيقى سابقة ومزجها (سامبلينغ)".
لكن على مستوى أعمق، هل تشكّل هذه التقنية تهديداً للموسيقى الشرقية؟زياد سحاب لا يبدو خائفاً، وهو ينادي بالتعامل مع هذه الظاهرة بـ"ذكاء غير اصطناعي"، وأن "نقرأ التحديات التي يطرحها وعلى أية جماليات ممكن أن يؤثّر ونحاول أن نعمل على الإضاءة أكثر على هذه الجماليات والعمل للحفاظ عليها وعدم فقدانها"
فيما يقول العبدالله: "من يريد أن يغني غناءً شرقياً فليتفضل، ولن تقضي عليه الآلة، بل ربما يقضي عليه سوء فهم العصر وأدواته ووسائط الانتشار فيه. أما مساحة انتشار الموسيقى الشرقية فلا تزال متسعة وعدد المقبلين عليها سيظل كافياً".
وهو أيضاً غير خائف من التطورات التقنية ولا من تعدد الأنماط الموسيقية، مؤكداً "لا أرى الاحتكار شرطاً لاستمرار الموسيقى الشرقية".
ويشير إلى أن "الآلة بلا مخيلة"، مستعيراً فكرة من الكاتب والفيلسوف الإيطالي أومبرتو إيكو، ومفادها أن "الذي يستطيع إنشاء نسق جمالي جديد غير مسبوق على درجة من القوة لأن يفرض نفسه ويفرض كوداً (شيفرة) جديداً للتواصل والفهم والإحساس بالجمال"، وهذا "الإنشاء"، في رأي العبدالله، "لا يستطيعه الذكاء الاصطناعي".
