في أحدث تريندات الذكاء الاصطناعي، أغنية جديدة لكن "بصوت أم كلثوم"- تعبيرية
في أحدث تريندات الذكاء الاصطناعي، أغنية جديدة لكن "بصوت أم كلثوم"- تصميم ارفع صوتك

لا يكف الذكاء الاصطناعي عن مفاجأة البشر وخلق أسئلة وإشكاليات محيّرة حول قدرته وتأثيره على حياتهم وتفاصيلها، من العلوم والطب والإنسانيات إلى التكنولوجيا والاقتصاد وصولاً إلى الأدب والفنّ.

وآخر "تراندات" الذكاء الاصطناعي، أطلقها الملحن المصري عمرو مصطفى، الذي نشر إعلاناً ترويجياً (أزاله لاحقاً عن صفحته) لأغنية بعنوان "أفتكرلك إيه"، وقال إنها أغنية وضع لحنها وكلماتها لتغنيها كوكب الشرق أم كلثوم (1898-1975) بتقنية الذكاء الاصطناعي.

إعلان مصطفى أثار جدلاً كبيراً بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً المهتمين بالموسيقي العربية الشرقية الذين يكنّون لـ"الست" وفنها احتراماً كبيراً. بعضهم وجد في التجربة المفترضة إحياء للمطربة "العظيمة" وتكريماً لها، والبعض الآخر اعترض على الفكرة لأنها "تشكّل انتهاكاً أخلاقياً" لشخصية فارقت الحياة منذ عقود، وكانت شديدة الحرص على صورتها وصوتها وما تقدّمه من ألحان ومن كلمات مغناة.

واعتبر المعترضون أن قرار الملحن مصطفى بوضع أغنية ملحنة من كلماته على صوت أم كلثوم، يشكّل "تعدياً" على إرادة كوكب الشرق وإرثها، فيما لم يمانع كثيرون من انتظار العمل للحكم عليه، معتبرين أنه تجربة "ملفتة ومثيرة للاهتمام".

يقول الملحن والمتخصص في علم الموسيقى زياد سحاب، إن مسألة استخدام أصوات فنانين تقنياً لخدمة تسجيل أغنيات لفنانين آخرين "ليست جديدة"، وثمة فنانون وفنانات يستخدمون أصواتاً أخرى غير أصواتهم، خلال التسجيلات، مع الحفاظ على خامة صوتهم، للوصول إلى نسخة منقحة من أصواتهم الضعيفة التي لا تستطيع في كثير من الأحيان تأدية ألحان صعبة وإبراز عُرب صوتية مطلوبة أثناء التسجيل.

ويشير سحاب في حديثه مع "ارفع صوتك"، إلى إصدار أغنية قبل سنوات، من كلمات وألحان وبصوت الفنان كيرت كوبين (المغني الأساسي في فرقة نيرفانا الذي أقدم على الانتحار)، استناداً إلى مجموعة من أغنياته أدخلها في أحد أشكال الذكاء الاصطناعي، واصفاً النتيجة بأنها "جميلة". 

ويوضح: "هناك مسار لا يمكن الوقوف في وجهه، ولا يمكن للمواقف الأخلاقية أن تمنع حدوثه وانتشاره، لهذا يفضّل الانتظار ومراقبة ما سينتج عن هذه التكنولوجيا، تماما كما حدث في تطور تقنيات كثيرة دخلت على الموسيقى العربية، وكانت لها إيجابياتها وسلبياتها. فالتطور دائماً يطرح إشكالية التأثير بشكل سلبي على الأشكال المعتمدة".

"والموسيقى الشرقية مع اختراع التسجيل على الأسطوانات، مثلاً، كانت أمام تحدي خسارة أحد أهمّ عناصرها ألا وهو هامش الارتجال، الذي راح يضيق بشكل كبير في الموسيقى العربية، كما أنه ألغى أشكالاً كثيرة من الغناء كانت موجودة، بسبب محدودية الوقت الذي يسمح به التسجيل، فهل كان في الإمكان الوقوف في وجه هذا التطور؟ بالطبع لا"، يتابع سحاب.

ويلفت إلى أن "الحل الوحيد كان في الإصرار على الإبقاء على هوامش للارتجال خلال التسجيلات للحفاظ على خاصية جميلة من خواص الموسيقى العربية".

هذه النقطة يوافق عليها الناقد الموسيقي فادي العبدالله، مؤكداً لـ"ارفع صوتك"، أن تطور التقنيات "يؤدي حكماً إلى تغير في نسيج الموسيقى"، ومن الأمثلة على "دخول الأسطوانة ثم الميكروفون والسينما والإذاعة وغيرها، التي أنهت بدورها جماليات معينة وأنشأت جماليات جديدة".

"وهذا أمر لا مفرّ منه على أية حال، وإذا نظرنا إلى حال الموسيقى العربية الحية اليوم، فهي على الأغلب في جهة الراب والمهرجانات بمختلف أنماطها واختلاطها، وهو أيضا وليد تطور تقنيات إلكترونية سمحت للجميع بالتوصل إلى إنتاج الموسيقى وتوزيعها"، يضيف العبدالله.

لكن ما الذي سيغيره الذكاء الاصطناعي في إنتاج الموسيقى؟ يرجح العبدالله "أننا لا نستطيع تصور ما سيقدمه من أدوات للراغبين، خصوصاً لجهة مزج الأصوات والميكروتوناليتي والتلاعب الدقيق جدا بالاصوات والإيقاعات وبالزمن".

ويرى أن "تركيب صوت شخص على أغنية لشخص آخر -على الأرجح- أقل درجة من قدرات الذكاء الاصطناعي".

وقد يكون ما نحن بصدده من تداخل بين الذكاء الاصطناعي والموسيقى العربية "موضة وتنتهي"، بحسب العبدالله، متابعاً: "قد تتحول إلى امر معتاد جدا بالضبط كمثل اعتياد الجميع إدماج موسيقى من أغاني أم كلثوم في إنتاجات حديثة عبر تطور الدي جي واهتماماتهم. وهذا قد يطوّر مهنة جديدة، مثلما حصل للدي جي واستخدام عينات من موسيقى سابقة ومزجها (سامبلينغ)".

لكن على مستوى أعمق، هل تشكّل هذه التقنية تهديداً للموسيقى الشرقية؟زياد سحاب لا يبدو خائفاً، وهو ينادي بالتعامل مع هذه الظاهرة بـ"ذكاء غير اصطناعي"، وأن "نقرأ التحديات التي يطرحها وعلى أية جماليات ممكن أن يؤثّر ونحاول أن نعمل على الإضاءة أكثر على هذه الجماليات والعمل للحفاظ عليها وعدم فقدانها"

فيما يقول العبدالله: "من يريد أن يغني غناءً شرقياً فليتفضل، ولن تقضي عليه الآلة، بل ربما يقضي عليه سوء فهم العصر وأدواته ووسائط الانتشار فيه. أما مساحة انتشار الموسيقى الشرقية فلا تزال متسعة وعدد المقبلين عليها سيظل كافياً".

وهو أيضاً غير خائف من التطورات التقنية ولا من تعدد الأنماط الموسيقية، مؤكداً "لا أرى الاحتكار شرطاً لاستمرار الموسيقى الشرقية".

ويشير إلى أن "الآلة بلا مخيلة"، مستعيراً فكرة من الكاتب والفيلسوف الإيطالي أومبرتو إيكو، ومفادها أن "الذي يستطيع إنشاء نسق جمالي جديد غير مسبوق على درجة من القوة لأن يفرض نفسه ويفرض كوداً (شيفرة) جديداً للتواصل والفهم والإحساس بالجمال"، وهذا "الإنشاء"، في رأي العبدالله، "لا يستطيعه الذكاء الاصطناعي".

مواضيع ذات صلة:

مشهد من فيلم شفيقة ومتولي أحد أشهر الأفلام في تاريخ السينما المصرية، أخرجه الكردي علي بدرخان- تعبيرية
مشهد من فيلم شفيقة ومتولي أحد أشهر الأفلام في تاريخ السينما المصرية، أخرجه الكردي علي بدرخان- تعبيرية

في كتابهم "الأكراد في مصر عبر العصور"، تتبع المؤلفون درية عوني ومحمود زايد ومصطفى محمد عوض جذور العلاقات التاريخية بين الأكراد ومصر. بحسب الكتاب، فإن العلاقات الكردية المصرية بدأت في القرن الرابع عشر قبل الميلاد وتجسدت في عمليات التبادل التجاري والتأثير السياسي بين الميتانيين (أجداد الأكراد) وملوك مصر القديمة.

في العصور الإسلامية توطدت العلاقة بين الجانبين من خلال هجرة العديد من العناصر الكردية إلى مصر. وبرز اسم أبي الحسن سيف الدين علي بن سالار، وزير الخليفة الفاطمي الظافر بالله في القرن الثاني عشر الميلادي، واسم الأمير مجير الدين أبو الهيجاء الكردي في عصر السلطان قلاوون في القرن الثالث عشر، فضلاً عن الحكام والأمراء الأيوبيين الذين تولوا حكم مصر وسوريا والحجاز لمدة تقترب من مئة عام.

وخلال خمسينيات القرن العشرين عادت العلاقات الكردية المصرية إلى الواجهة مرة أخرى عقب استقلال مصر ونجاح ثورة "الضباط الأحرار"، إذ حظيت القضية الكردية بتعاطف ودعم القيادة السياسية المصرية ممثلة بالرئيس آنذاك جمال عبد الناصر.

في سنة 1957 تم إطلاق إذاعة مصرية ناطقة باللغة الكردية من القاهرة، أو القسم الكردي بإذاعة القاهرة، وكانت تبث البرامج الأدبية والشعر الكردي والموسيقى والأغاني الكردية. وقتها هرع السفير التركي في القاهرة لمقابلة عبد الناصر مسجلاً احتجاج أنقرة على افتتاح تلك الإذاعة، ليرد عليه الرئيس المصري قائلاً "معلوماتي تفيد بأنه لا وجود للأكراد في تركيا كما تقولون وأن هؤلاء الذين يوصفون بأنهم أكراد ما هم إلا أتراك جبليون، فلماذا إذا أنتم غاضبون من إذاعة كردية؟".

بعدها بسنة واحدة زار الزعيم الكردي مصطفى البارزاني القاهرة والتقى بعبد الناصر، وشهد اللقاء تأكيد عبد الناصر على حق الأكراد في المطالبة بحقوقهم القومية والتمتع بحقوقهم المشروعة داخل إطار الدولة العراقية.

تراجع زخم العلاقات الثنائية عقب وفاة عبد الناصر خصوصاً بعدما تخلت القيادة السياسية في مصر عن مشروعها الداعم للأقليات العرقية في منطقة الشرق الأوسط.

حالياً، يعيش أحفاد الأكراد الذين هاجروا إلى مصر في مناطق مختلفة من الدلتا والصعيد، وينتشرون في كافة المحافظات المصرية من الإسكندرية شمالاً إلى أسوان جنوباً، ولا يمكن تمييزهم عن المصريين إلا من خلال أسماء بعض العائلات الكردية الشهيرة مثل عائلة بدرخان وتيمور.

من جهة أخرى، يظهر الأثر الكردي في أسماء بعض المناطق والقرى في شتى أنحاء مصر، من ذلك قرية "منشأة الكردي" في محافظة الغربية، و"جزيرة الأكراد" في صعيد مصر، و"كفر الكردي"، و"ميت الأكراد" في محافظة الدقهلية، وحي "الزمالك" بالقاهرة، الذي يرجع اسمه إلى كلمة كردية الأصل تعني مصيف الملوك بحسب كتاب "الأكراد في مصر عبر العصور".

سياسياً

تمكن الأكراد المهاجرون إلى مصر من التأثير بشكل مباشر في تشكيل المشهد السياسي المصري منذ بدايات القرن التاسع عشر، ووقع ذلك من خلال الأسرة العلوية التي حكمت مصر -تحت السلطة الأسمية للعثمانيين- في الفترة بين 1805- 1952.

في السنين الأخيرة من القرن الثامن عشر قدم محمد علي باشا إلى مصر ضمن الجيش العثماني لقتال الحملة الفرنسية. وبعد فترة قصيرة تمكن من الصعود لسدة الحكم حين اختاره الأعيان والمشايخ والياً على مصر.

استغل محمد علي تلك الفرصة وأسس لحكم وراثي في أسرته وظل ورثته يقبضون على السلطة في القاهرة لقرابة قرن ونصف قرن.

في العديد من المناسبات، أقر أمراء الأسرة العلوية بالأصل الكردي لجدهم الأكبر.  على سبيل المثال في نوفمبر سنة 1949 نُشر حوار صحافي في مجلة "المصور" المصرية أجراه المفكر المصري عباس محمود العقاد مع ولي عهد مصر آنذاك الأمير محمد علي، جاء في هذا الحوار على لسان ولي العهد "...أحدّثكم بشيء قد يستغربه الكثيرون عن نشأة الأسرة العلوية، فإن الشائع أنها نشأت على مقربة من قولة في بلاد الأرناؤوط (ألبانيا)، ولكن الذي اطلعت عليه في كتاب ألّفه قاضي مصر على عهد محمد علي، أن أصل الأسرة من ديار بكر في بلاد الكرد، ومنها انتقل والد محمد علي وإخوانه إلى قولة، ثم انتقل أحد عميه إلى الأستانة، ورحل عمه الثاني في طلب التجارة، وبقي والد محمد علي في قولة. وقد عزز هذه الرواية ما سمعناه منقولاً عن الأمير حليم (أحد أحفاد محمد علي)، أنه كان يرجع بنشأة الأسرة إلى ديار بكر في بلاد الكرد...".

ثقافياً

أسهم لجوء الأكراد إلى مصر في خروج الصحافة الكردية إلى النور للمرة الأولى، ووقع ذلك في أواخر القرن التاسع عشر. في تلك الفترة سافر الأمير مقداد مدحت بدرخان وشقيقه عبد الرحمن إلى مصر بعد أن تم نفيهما من إسطنبول واستقرا في القاهرة، ثم قام الشقيقان بإصدار صحيفة "كردستان"، ونُشرت أول أعدادها من "دار الهلال" سنة 1898.

كتب مقداد مقالات الصحيفة باللهجة الكرمانجية المُستخدمة على نطاق واسع في تركيا وسوريا وأجزاء من العراق وإيران، كما كتب أيضاً باللهجة السورانية المُستخدمة من قِبل بعض الأكراد في إيران والعراق. وسلطت الصحيفة الضوء على معاناة الأكراد، وكان القائمون عليها يعملون على توزيعها مجانا في مختلف أنحاء كردستان (في المخيال الكردي) عبر دمشق وبيروت.

بعد سنوات، تابعت أسرة بدرخان نشاطها الثقافي والفني في مصر من خلال إخراج وإنتاج الأفلام السينمائية. في هذا السياق، تميزت أعمال المخرج أحمد بدرخان الذي يُعدّ أحد رواد السينمائيين في مصر.

أخرج بدرخان عشرات الأفلام منها "نشيد الأمل"، و"دنانير"، و"فاطمة"، "ومجد ودموع". سار علي بدرخان على درب أبيه، فعمل هو الآخر في حقل الإخراج السينمائي، وقدم العديد من الأعمال التي لامست أهم مشكلات المجتمع المصري، مثل فيلم "الكرنك" الذي انتقد المعتقلات وكبت الحريات في عهد جمال عبد الناصر،  وفيلم "الجوع" الذي تناول إحدى القصص الواردة في ملحمة الحرافيش للأديب نجيب محفوظ، وفيلم "أهل القمة" الذي قدم نقداً واضحاً لسياسات الانفتاح الاقتصادي في زمن محمد أنور السادات، فضلاً عن فيلم "شفيقة ومتولي" المُستوحى من حكاية شعبية شهيرة متداولة في كافة أنحاء صعيد مصر.

في 2017 توج بدرخان مشواره السينمائي عندما فاز بجائزة النيل وهي أرفع جائزة تمنحها مصر سنوياً في مجالات الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية.

في السياق ذاته، تميز العديد من الأكراد المصريين في ميادين الأدب والفكر. من هؤلاء أفراد الأسرة التيمورية، على رأسهم الأديب أحمد تيمور باشا الذي ولد في القاهرة عام 1871 من أب كردي وأم تركية، وكان عضواً في كل من المجمع العلمي العربي بدمشق، والمجلس الأعلى لدار الكتب.

ألف أحمد تيمور باشا العديد من الكتب ومن أشهرها "الأمثال العامية" الذي يُعدّ مرجعا لا غنى عنه لدراسة الفلكلور المصري.

كما برزت شقيقته عائشة التيمورية التي تُعتبر إحدى رائدات الحركة النسوية في العالم العربي، وضمت الأسرة الابنين محمد ومحمود اللذين تميزا في مجال كتابة الروايات والقصص.

في المجال الشعري، احتضنت مصر الشاعر الكبير أحمد شوقي. ولد شوقي في القاهرة عام 1868 ونشر الكثير من المسرحيات والدواوين الشعرية. من أشهر أعماله مسرحية "مصرع كليوباترا"، ومسرحية "مجنون ليلى"، ومسرحية "قمبيز"، فضلاً عن العديد من المدائح النبوية.

بشكل عام، اشتهر شوقي بلقب "أمير الشعراء"، ويُعدّ أحد أهم شعراء اللغة العربية في العصور الحديثة. تحدث شوقي عن أصوله الكردية في مقدمة الطبعة الأولى من ديوانه "الشوقيات"، فكتب "سمعت أبي يرد أصلنا إلى الأكراد فالعرب، ويقول إن والده قدم هذه الديار يافعاً يحمل وصية من أحمد باشا الجزار إلى والي مصر محمد علي باشا...".

كذلك، امتد النفوذ الكردي في مصر إلى ساحات الفكر والثقافة، وتمثل ذلك في شخص المفكر الموسوعي عباس محمود العقاد. ولد العقاد في أسوان عام 1889، لأب مصري وأم من أصول كردية من ديار بكر. اشتهر بتأليفه للعشرات من الكتب في مجالات التاريخ والفلسفة والأدب وعلم الاجتماع والسيرة الذاتية، كما اشتهر بسلسلة العبقريات التي حلل فيها شخصيات العديد من الصحابة في التراث الإسلامي.