صورة أرشيفية للفنان والأستاذ خالد جبر - تعبيرية
صورة أرشيفية للفنان والأستاذ خالد جبر - تعبيرية

في أواسط يونيو عام 1985 ظهر الفنان التشكيلي خالد جبر لأول مرة على شاشة تلفزيون العراق، ليقدم أول حلقة من برنامج الأطفال التعليمي الأكثر شهرة "المرسم الصغير"، التي فاجأ نجاحها المبهر حتى الفنان نفسه، ليصل عدد حلقات البرنامج 2000، تم بثها على مدى  35 عاماً، أسست لأجيال محبة للألوان وعاشقة للحياة.

يصف مُدرس التربية الفنية عدي علي، الفنان جبر، بأنه "معلمنا الأول الذي تمكن من محاورة عقل الطفل وتدريبه على أول خطوة له في عالم الرسم والخط العربي. أخذ بأيدينا وسرنا معه في الطريق إلى عالم الألوان والجمال".

يبين علي الذي حصل على شهادة الماجستير في التربية الفنية، لـ"ارفع صوتك": "جبر  ألهم أجيالا بأكملها كانت تتلهف بانتظار حلقات برنامجه، لنقع أولاً في حب عالم الرسم وليتحول لاحقاً من هواية طفولة إلى دراسة في معهد الفنون الجميلة ثم مهنة خلال مراحلنا العمرية اللاحقة، فقد ألهمني أن أكون مُدرساً للرسم وأشعر أنني أكمل اليوم ما بدأه هذا الفنان المتميز".

 

"الرسام الصغير"

ولد جبر لأب ينتمي إلى السلك العسكري في مدينة الحبانية بمحافظة الأنبار عام 1954، وبدأت موهبته الفطرية في الرسم بالظهور في سن مبكرة، مستخدماً أجزاء الطابوق الأصفر والجص الأبيض وبقايا البطاريات المستعملة للرسم على أسفلت الشارع والرصيف المحاذي لمنزلهم.

جذب الرسام الطفل أنظار المارة، فقد كان يقضي ساعات طويلة في رسم أشكال غريبة أو حيوانات وأشجار وسيارات وبيوت على امتداد ذلك الشارع.

وبفضل ذلك، حصل على تشجيع كبير من المارة وسكان البيوت المجاورة. وكان المدرب الراحل عمو بابا في شبابه أحد أكثر المؤثرين والمشجعين له، وكان كلما مر بجبر يبتسم له ويقول بود كبير "ارسم حبيبي خلودي".

هذا الاستغراق بالرسم في الشارع قاطعه حادث كاد أن يودي بحياة جبر، حين اصطدم به سهواً رجل على دراجة، لُينقل إلى المستشفى وهو مصاب بجروح نازفة في الرأس والساق وكسر في اليد.

حينها، كان جبر الطفل يخشى من ردة فعل والده العسكري المتزمت، فهو كان يرسم في الشارع دون علم والده خلال التحاقه بواجبه في محافظة أخرى، وما حصل بعدها أن منعه أبوه من الخروج إلى الشارع، واشترى له سبورة وطباشير ملونة، ليترك جمهور الشارع الذي أطلق عليه أول لقب فني في حياته وهو "الرسام الصغير الأسمر".

 

شهرة وطنية

سرعان ما دخل خالد جبر الطفل إلى المدرسة الابتدائية لتظهر موهبته في الرسم من خلال رسمه المميز للحروف والرسوم التوضيحية في القراءة الخلدونية، ليصبح طفلاً ذا شعبية  كبيرة ليس في مدرسته فحسب، بل في العراق بأكمله.

حصل ذلك حين قام برسم لوحات لرئيس الوزراء الراحل عبد الكريم قاسم، اشترك على أثرها بمعرض فني للطفولة آنذاك عُرضت فيه لوحاته تلك، ووصلت رسوماته لمعرض في وزارة التربية رعاه عبد الكريم قاسم نفسه عام 1962 ليلتقيه ويتحدث معه.

أثر ذلك اللقاء الذي انتهى بتشجيع كبير من رئيس الوزراء للطفل الذي توقع له أن يكون في المستقبل "فناناً للشعب"، مع تكريم مادي بمبلغ دينار واحد أخرجه الزعيم من جيبه الخاص مع صورة موقعه منه لا تزال حتى الآن موجودة لدى جبر.

 

تفوق دراسي         

أصبحت الطريق واضحة أمام الفتى، ليخطو بثقة إلى معهد الفنون الجميلة. وأثناء دراسته، تأثر بفنانين عالميين وعراقيين منهم روبنز ورامبرانت وجواد سليم، كما درس باستفاضة لوحات المستشرقين والتخطيط والإنشاء والنسبة الذهبية والواقعية، وأنجز العديد من المعارض الفنية خلال تلك الفترة.

ولتفوقه في المعهد، أصبح جبر مدرساً فيه، وبقي كذلك عشرة أعوام، وتخصص بمادة الألوان والبورتريه ورسم  لوحاته وفق المدرسة التعبيرية.

كما اتجه إلى الصحافة المتخصصة ليكتب عن الفن والرسم ويؤلف أكثر من عشرة كتب في مجال تعليم الرسم.

أجواء الصحافة ولقاءاته مع عدد كبير من الإعلاميين خلال تلك الفترة بلورت لديه فكرة مشروع جديد حقق نجاحاً أكثر من المتوقع وخلد اسمه في تاريخ الفن التشكيلي العراقي.

 

البرنامج

نشأت فكرة  "المرسم الصغير" لدى جبر أثناء تردده على مبنى الإذاعة والتلفزيون العراقي لإجراء بعض المقابلات، حيث التقى مع المخرج الراحل طارق الحمداني الذي كان يحمل مسؤولية عدد من البرامج الموجهة إلى الأطفال، منها "دنيا العلوم" و"هيا بنا نلعب" و"قرقوز".

اقترح جبر على المخرج فكرة برنامج موجه إلى الأطفال لتعليم الرسم يتم من خلاله تقديم رسوم وقصص خاصة بالطفل، وبالفعل تم تصوير حلقة تجريبية، ما  إن عُرضت على الشاشة حتى بدأت الرسائل تنهال على القناة، تحمل رسومات لأطفال من مختلف محافظات العراق.

فاجأ نجاح الحلقة في أول أسبوع لها جميع العاملين، فتقرر الاستمرار في تصوير وعرض الحلقات  ونجح في كسب الجمهور والعائلة العراقية وتحديداً الأطفال، واستمر البرنامج تفاعلياً فكان يستقبل الأطفال في الاستوديو أو يتم التصوير في الطبيعة بهدف الرسم، كما كان يتم تنظيم مسابقات في الهواء الطلق.

كل هذه الفعاليات التي كانت تأخذ طريقها إلى المتلقي العراقي الطفل حولت البرنامج إلى واحد من البرامج الأكثر مشاهدة والأطول عمراً، تصل إليه يومياً عشرات الرسائل التي تحمل رسومات أطفال، بعضها كان يجد طريقه للعرض على الشاشة.

 

أطفال المرسم "الكبار"

حتى يومنا هذا تتابع العراقية زهرة راغب، برنامج "المرسم الصغير" برفقة أبنائها الثلاثة. تقول لـ"ارفع صوتك": "أشعر بأني أستعيد طفولتي حين أشاهد مع أطفالي البرنامج على المواقع الإلكترونية، أعلمهم أصول الرسم والألوان عبره، كما كنت أفعل وأنا في مثل سنهم". 

"ذكرياتي لا تتعلق بالبرنامج فحسب، بل بجانب جميل من طفولتي حين كان والدي رحمه الله يشتري لي الألوان بكل أنواعها لأتمكن من متابعة البرنامج والرسم، وأنا أفعل الشيء نفسه اليوم مع أبنائي"، تضيف زهرة.

العراقية شيرين السعداوي، كانت تتابع وترسم مع البرنامج أيضاً. تتذكر: "كانت لهفتي كبيرة وكنت أحسد الأطفال الذين يظهرون في حلقات كثيرة مع خالد جبر للرسم".

فيما بلغ حرص تبارك سامي على مواكبة البرنامج، أن تأخذ ألوانها وكراسة الرسم معها "حتى لو كانت في زيارة لأقاربها، لتشاهده هناك، خاصة أن البرنامج كان يُعرض يوم الجمعة".

"إلى هذا الحد كنا متعلقين به في طفولتنا"، تؤكد تبارك لـ"ارفع صوتك".

من جهته، يقول علي الجبوري، إن البرنامج "لم يعلمنا فقط حب الرسم، بل خلق منا جيلاً محباً للألوان وعاشقاً للحياة، ومع الأسف نجد هذا الدرس ملغياً في مدارسنا اليوم".

ولم تكتف مروج الخزرجي بمتابعة البرنامج. توضح لـ"ارفع صوتك": "كنا أنا وشقيقي قبل 25 عاماً نتابع البرنامج ونضع رسوماتنا في ظروف ونرسلها عبر البريد، وننتظر كل أسبوع عسى أن يختارها خالد جبر لعرضها على الشاشة، وكنا نحزن عندما لا يحصل ذلك".

وتستدرك بالقول "كانت أجمل أيام الطفولة واليوم لا نرى ذلك، فالأطفال منشغلون بالهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية".

 

"معلّم الأجيال"

تحول حسين الرسام من طفل يهوى الرسم على إيقاع "المرسم الصغير" إلى فنان تشكيلي. يمثل خالد جبر بالنسبة له "معلم الأجيال والراعي الأول للطفولة في العراق". 

يضيف لـ"ارفع صوتك": "جبر لم يؤسس برنامجاً فقط بل أسس هوية للكثير من أبناء جيلي ممن كانوا أطفالاً ينتظرون حلقات البرنامج بفارغ الصبر لتطبيق قواعد الرسم على صفحاتنا البيضاء".

كما تقول فاطمة الرميثي وهي تستذكر طفولتها المبكرة بابتسامة على وجهها، أنها كانت "متعلقة بشدة ببرنامج المرسم الصغير، ففي صبيحة كل يوم جمعة تهيئ أدوات الرسم وتجلس أمام التلفزيون قبل أن يبدأ البرنامج بساعات".

وتتابع فاطمة التي تعمل اليوم مقدمة لبرامج تلفزيونية: "كنت أنتظره بفارغ الصبر، وكانت والدتي  تعرف مدى حبي وتعلقي بالبرنامج فتحرص على توفير الهدوء ولا تصدر أي ضوضاء يمكن أن تشغلني عن المتابعة لأتمكن من رسم لوحاتي".

وتختم حديثها مع "ارفع صوتك" قائلة "حين نتحدث عن خالد جبر وبرنامجه في تعليم الرسم فإننا نقف أمام طفولتنا وهي بكامل أناقتها".

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية تجمع بين العالمين المسلمين يوسف القرضاوي وعلي السيستاني
صورة تعبيرية تجمع بين العالمين المسلمين يوسف القرضاوي وعلي السيستاني

في العصور الوسطى، عرف المسلمون بعض الفنون التي تضمنت التمثيل بشكل أو بآخر، منها مسرح "خيال الظل" الذي ظهر في قصور أمراء العصر الفاطمي في القرن السادس الهجري، وفن "الأراجوز" الذي عُرف خلال العصرين الأيوبي والمملوكي وانتشر على نطاق واسع في العصر العثماني.

في القرن التاسع عشر الميلادي، بدأ التمثيل يأخذ مكانة مهمة في المجتمعات الإسلامية، باعتباره أحد الفنون المعروفة التي تمكنت من حصد إعجاب الجماهير.

في هذا السياق، اشتهرت أعمال السوري أبو خليل القباني، الذي يُعدّ أول من أسّس مسرحاً عربياً في دمشق، واللبناني مارون النقاش الذي مثّل أول رواية عربية عام 1848، والمصري عبد الله النديم الذي مثّل روايتي "الوطن" و"العرب" في مسرح "زيزينيا" بمدينة الإسكندرية وحضرها الخديوي إسماعيل.

على الرغم من كثرة الأعمال المسرحية والسينمائية والتلفزيونية التي قدمها الفنانون في العالم العربي، إلا أن النظرة العامة للتمثيل أُحيطت بالعديد من علامات الشك والارتياب من قبل علماء مسلمين ورجال دين عارضوا هذا الفن حتى أنهم أفتى بحُرمته.

في المقابل، كانت هناك فتاوى إسلامية أباحت التمثيل، والغناء أيضاً كما أسلفنا في مقال سابق نُشر على موقع "ارفع صوتك". 

 

الرفض: الرأي التقليدي

في كتابه "تاريخ آداب اللغة العربية"، عمل الأديب اللبناني جرجي زيدان على تفسير الرفض التقليدي لفن التمثيل في الأوساط الإسلامية، فقال إن "فن التمثيل من الفنون القديمة في قارة أوروبا منذ عهد اليونان، ونقل العرب في صدر الدولة العباسية علوم اليونان الطبيعية والفلسفية والرياضية، وتجاهلوا نقل أكثر آدابهم الأخلاقية، أو الشعرية والتاريخية، ومن جملتها التمثيل".

يفسر ذلك التجاهل بقوله "لعل السبب، تجافي المسلمين عن ظهور المرأة المسلمة على المسرح، فأزهر التمدن الإسلامي وأثمر وليس فيه ثمة تمثيل...".

بشكل عام، تعرض الممثلون والفنانون العرب للتجاهل والرفض بشكل واسع من قِبل المؤسسات الدينية الإسلامية لفترات طويلة من القرن العشرين. حيث أصدر بعض رجال الدين فتاواهم الرافضة لممارسة التمثيل، وعدّوه من "خوارم المروءة"، ومن أسباب سقوط الشهادة في المحاكم الشرعية.

يُعبر الشيخ السعودي بكر أبو زيد عن تلك الرؤية في كتابه "حكم التمثيل"، فيذكر أن التمثيل نوع من أنواع الكذب، ويستشهد بالحديث المنسوب للصحابي عبد الله بن مسعود "الكذب لا يصلح في جد ولا هزل، ولا يَعد أحدكم صبيّه شيئاً ثم لا يُنجزه"، يتابع بعدها "...وعليه فلا يمتري عاقل، أن (التمثيل) من أولى خوارم المروءة، ولذا فهو من مُسقِطات الشهادة قضاء، وما كان كذلك، فإن الشرع لا يُقرّه في جملته. ومن المسلمات أن التمثيل لا يحترفه أهل المروءات، ولا من له صفة تذكر في العقل والدين...".

الرأي نفسه، ذهب إليه المفتي الأسبق للمملكة العربية السعودية عبد العزيز بن باز. جاء في إحدى فتاواه: "...الذي يظهر لنا أن التمثيل من باب الكذب، التمثيل أنه يمثل عمر، أو يمثل أبا جهل، أو يمثل فرعون، أو يمثل النبي، كلها في ما نعلم وفي ما نفتي به أنها من الكذب، يكفي الآخرين ما كفى الأولين...".

جدارية تصور الشاعر العراقي مظفر النواب بريشة الفنانة العراقية وجدان الماجد على جدار خرساني في العاصمة بغداد.
من محمد عبده إلى كمال الحيدري.. فتاوى أباحت الرسم والنحت
عرفت فنون الرسم والتصوير والنحت حضوراً قوياً في الثقافة الأوروبية في العصور الوسطى، وتماشى هذا الحضور مع غلبة المعتقدات الدينية المسيحية التي لا ترى بأساً في تصوير الإنسان والكائنات الحية، على النقيض من ذلك، ظهرت معارضة قوية لتلك الفنون في البلاد الإسلامية.

 

تصاعد الجدل بين الممثلين ورجال الدين

شهدت العقود السابقة اشتعال الجدل بين الممثلين ورجال الدين بسبب عدد من الأعمال الفنية السينمائية والتلفزيونية. وكانت ظاهرة تمثيل الأنبياء والصحابة أحد أهم الأسباب المثيرة للجدل والنقاش بين الطرفين>

وفيما حاول الممثلون تجسيد الشخصيات الدينية الروحية الأكثر تأثيراً في أعمالهم، فإن رجال الدين المسلمين -على الجانب الآخر- رفضوا ذلك بشكل كامل، وأصروّا أن تبقى الشخصيات بعيدة عن أي تجسيد أو تمثيل للحفاظ على القداسة المرتبطة بها في الوجدان المسلم.

بشكل عام، تعود فكرة تجسيد الأنبياء بشكل درامي لفترة مبكرة من عمر الصناعة السينمائية في البلاد العربية. ففي عام 1926، عُرض على الممثل المصري يوسف بك وهبي تمثيل شخصية الرسول محمد من قِبل شركة إنتاج ألمانية- تركية.

وافق وهبي في البداية وانتشر الخبر في الصحف، حتى خرج الأزهر وهاجم المشروع. كتب وهبي في مذكراته أنه اعتذر عن بطولة العمل بعدما تلقى تهديداً من جانب الملك فؤاد ملك مصر -آنذاك- بالنفي والحرمان من الجنسية المصرية.

لا ننسى أن تلك الأحداث وقعت بعد سنتين فحسب من سقوط الدولة العثمانية، كان الملك فؤاد وقتها يسعى للحصول على لقب "الخليفة"، وكان من المهم بالنسبة له أن يظهر في صورة "المدافع عن الإسلام والنبي" ضد أي تشويه محتمل.

في خمسينيات القرن العشرين، جُسدت شخصيات بعض الصحابة درامياً. على سبيل المثال قدمت السينما المصرية فيلم "بلال مؤذن الرسول" سنة 1953، وفيلم "خالد بن الوليد" سنة 1958 من بطولة وإنتاج وإخراج الممثل المصري حسين صدقي. عُرف صدقي بتوجهاته الإسلامية في الفترة الأخيرة من حياته، وكان اختيار شخصية خالد بن الوليد تحديداً لتجسيدها في عمل سينمائي أمراً مفهوماً لما لتلك الشخصية من حضور طاغٍ في الثقافة الإسلامية السنيّة التقليدية.

تفجر الجدل مرة أخرى حول تجسيد شخصيات الصحابة في سبعينيات القرن العشرين. في تلك الفترة أُعلن الاتفاق على تصوير فيلم "الرسالة" بنسختيه العربية والإنجليزية للمخرج السوري مصطفى العقاد، واختيرت نخبة من الفنانين العرب والأجانب للمشاركة في تقديم هذا المشروع الضخم.

شاع حينها أن صناع العمل حصلوا على موافقة الأزهر، مما أثار رفضاً من جانب الكثير من رجال الدين. مثلاً، أرسل الشيخ السعودي عبد العزيز بن باز إلى شيخ الأزهر رسالة يستهجن فيها الموافقة على الفيلم، جاء فيها "من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المُكرم صاحب السماحة الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر… فإني أستغرب إقرار الأزهر لإخراج الفيلم المذكور؛ فإن كان ما نُسب إليه صحيحاً فإني أطلب من فضيلتكم العمل على سحب الفتوى الصادرة من الأزهر في هذا الشأن إن أمكن ذلك، أو إبداء رأيكم في الموضوع براءةً للذمة، وخروجاً من التبعة، وتعظيماً للنبي وأصحابه –رضي الله عنهم– وصيانةً لهم عن كل ما قد يؤدي إلى تنقصهم بوجه من الوجوه…".

تسببت ردود الأفعال الغاضبة في إعلان الأزهر رفضه مشروع الفيلم، فأصدر الشيخ عبد الحليم محمود بياناً وقعه معه مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة، ورد في نصّه: "نعلن عدم الموافقة على إنتاج فيلم بعنوان (محمد رسول الله) أو أي فيلم يتناول بالتمثيل-على أي وضع كان- شخصية الرسول- صلى الله عليه وسلم- أو شخصيات الصحابة- رضي الله عنهم".

علل البيان الرفض بأن تلك الأفلام "تحط من قدر هذه الشخصيات المقدسة في نظر المسلم".

استجاب الملك الحسن الثاني ملك المغرب الراحل لنداء الشيخ محمود ومنع تصوير الفيلم في المغرب، وتم استكمال التصوير بعدها في ليبيا بدعم من نظام الرئيس الليبي السابق معمر القذافي.

لم ينته الصدام بين الممثلين ورجال الدين عند هذا الحد. فعلى مدار السنوات الماضية، شهدت أروقة المحاكم وصفحات الجرائد وقائع الجدل المتصاعد حول العديد من الأعمال الفنية التي لم تحصل على موافقة الرقابة الأزهرية، منها فيلم "القادسية"، من إنتاج دائرة السينما والمسرح العراقية سنة 1981، الذي جسد شخصية الصحابي سعد بن أبي وقاص، وفيلم "المهاجر" 1994، الذي قيل إنه "يصور سيرة حياة النبي يوسف".

من جهة أخرى، اُتهم العديد من الممثلين بالدعوة لـ"إشاعة الفحشاء والإباحية والعُري" من قِبل بعض رجال الدين، وارتبطت تلك الاتهامات بظاهرة "حجاب واعتزال الفنانات" التي تصاعدت في حقبة الثمانينيات.

وقيل وقتها إن "وراء تلك الظاهرة جماعات إسلامية تدفع أموالاً طائلة للفنانات المحجبات مقابل حجابهن وابتعادهنّ عن الوسط الفني".

 

فتاوى أجازت التمثيل

شهدت السنوات الأخيرة حالة من الهدوء النسبي بين رجال الدين والممثلين، وصدرت العديد من الفتاوى التي أباحت العمل بالتمثيل. من تلك الفتاوى، التي أصدرها الشيخ السعودي ابن عثيمين اعتماداً على أن هذا النوع من الفن من الأمور الخارجة عن العبادات الشرعية "...والأصل في غير العبادات الحل والإباحة، وهذا من فضل الله عز وجل: أن يسر على العباد ما لم يحرمه عليهم، فإذا كان الأصل الحل، فإنه لا بد من إقامة الدليل على التحريم..."، وفق تعبيره.

نشر الشيخ المصري يوسف القرضاوي مضمون الحكم نفسه على موقعه الإلكتروني، وذلك عندما أجاب على سؤال من إحدى شركات الإنتاج الفني حول حكم تقديم مسلسل عن الصحابي خالد بن الوليد، فقال "...قد أصبح التمثيل في عصرنا من مميزات الحياة المعاصرة، وأصبحت له معاهده وكلياته وخريجوه، وصار له عشاقه ومريدوه، وغدت له صور شتّى في المسرح وفي الأفلام وفي المسلسلات وغيرها. كما غدا يطرق أبواب الحياة الفردية والأسرية والاجتماعية والسياسية والدولية وغيرها. وأمسى له تأثيراته الهائلة في حياة الناس إيجاباً وسلباً... واستقر الأمر على جواز التمثيل بصفة عامة، إذا كان من ورائه عظة وعبرة للناس، ولم يشتمل على منكر يُحرمه الشرع، من قول أو فعل، أو مشهد...".

في السياق ذاته، أفتى علي جمعة، مفتي الديار المصرية السابق بأن التمثيل في حد ذاته ودراسته واستعماله من أجل إيصال الخير للناس "لا بأس به". ك

ما قال الداعية الإسلامي المصري خالد الجندي، إن "الفن بشكل عام، ومهنة التمثيل خاصة، ليست حراماً، إذا كان في النطاق المقبول والمحترم والهادف، لأن الفن رسالة قيّمة، إذا تم استخدامها بشكل صحيح".

وتابع أن التمثيل "جزء وأداة من أدوات الفن، وتعريف التمثيل، هو ضرب المثل، وهذا الضرب مذكور في القرآن، حيث قال الله تعالى "ويضرب الله الأمثال للناس"، وعندما وصف الله نوره، ضرب مثلاً أيضاً عندما قال في كتابه "مثل نوره كمشكاة"، وأن "الله عندما كان يرسل الملائكة إلى الرسل، كانت تتجسد في شكل البشر، مثل سيدنا جبريل، عندما نزل على سيدنا محمد".

يبدو موقف رجال الدين من التمثيل أكثر قبولاً في الأوساط الشيعية. على سبيل المثال، أجاب المرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني على سؤال حول حكم التمثيل الفني في المسرح أو التلفزيون بكونه "حلالاً".

كما أباح تمثيل دور المرأة بواسطة الرجل ولم ير أن ذلك التمثيل يدخل في باب التشبيه المنهي عنه في الحديث "لَعنَ رسُولُ اللَّهِ المُتَشبِّهين مِن الرِّجالِ بِالنساءِ، والمُتَشبِّهَات مِن النِّسَاءِ بِالرِّجالِ".

من جهة أخرى، أفتى السيستاني بجواز تجسيد الأنبياء على الشاشة بشرط مراعاة "مستلزمات التعظيم والتبجيل"، وعدم اشتماله "على ما يسيء إلى صورهم المقدسة في النفوس".