قليلة هي القصائد التي تحولت إلى أغنيات من أعمال الشاعر العراقي بدر شاكر السياب (1926-1964). وحاله في ذلك كحال نازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي كما يلاحظ الباحث في مجال الفن والموسيقى فارس يواكيم في كتابه "حكايات الأغاني: رحلة القصيدة من الديوان إلى الأغنية".
ويسجّل يواكيم أن قصائد هؤلاء الثلاثة التي لبست الأنغام قليلة، وأنه تمكّن من رصد أغنية واحدة من كلمات البياتي جرى تلحينها، و"قد يكون هناك أغنية أو أكثر من شعر نازك أو البياتي، لكنها في حال وجودها، حبيسة وسط ثقافي معين ومحصور ولم تخرج إلى الجمهور الكبير عشّاق الغناء في العالم العربي".
ويقول الباحث اللبناني أن لبدر شاكر السياب "نزرا يسيرا من القصائد الملحّنة"، وأن "هذا القليل ظلّ في إطار أغاني النخبة"، ويعطي مثلاً على ذلك قصيدة "أنشودة المطر" الشهيرة التي لحنها وغناها الفنان السوري عابد عزارية، ولم تلق شهرة واسعة، حتى أقدم المطرب السعودي محمد عبده على تلحين القصيدة نفسها في العام 1992، فـ"بلغت بفضل شعبيته مسامع الجمهور الكبير".
ويذكر يواكيم في كتابه أغنية لم تلق رواجاً من كلمات السيّاب غناها الفنان اللبناني أحمد قعبور من ألحان غازي مكداشي، في فترة انتشار الأغاني السياسية في بيروت، وكلمات الأغنية مأخوذة من قصيدة "الأسلحة والأطفال"، وقد اختار قعبور مقطعاً من وسط القصيدة ليبدأ به الأغنية: "عصافير أم صبية تمرح/ أم الماء من صخرة ينضح/ ولكن على جقة دامية/ وقبّرة تصدح/ ولكن على خربة بالية".
يخصص يواكيم باباً من كتابه للحديث عن أغنية "أنشودة المطر" والمقاطع التي اختارها محمد عبده لتلحينها وغنائها، حيث لم يلحنها كلها بل "اختصر منها بعض الأبيات" وغيّر ترتيب بعضها الآخر، كما قام بتعديل بعض الكلمات لضرورات تلحينية، وبقي المطلع المشهور ذاته: "عيناكِ غابتا نخيل ساعة السحر/ أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر".
الناقد الموسيقي عبد الرحمن طاحون في تحليله للأغنية عبر برنامجه الذي يقدمه عبر منصة "يوتيوب" يقول إن قصيدة السيّاب الصعبة مع اللحن "الدسم" الذي وضعه عبده "أعاد إلينا الطرب الأصيل والجميل" وهي "واحدة من روائع محمد عبده".
وإضافة إلى محمد عبده، غنى كل من كاظم الساهر وفؤاد سالم قصائد للسياب، فقد لحّن الأول وغنى قصيدة "لا تزيديه لوعة" العاطفية وجعل من هذه الأغنية عنواناً لألبومه الصادر في العام 2011.
يقول مطلع الأغنية: "لا تزيديه لوعة فهو يلقاكِ لينسى لديكِ بعض اكتئابه"، وهي ليست من أشهر أغاني الساهر، لكنها نالت عدد مشاهدات لا بأس به على موقع يوتيوب.
أما الثاني، فؤاد سالم، فقد لحّن وغنى قصيدة "غريب على الخليج"، وهي قصيدة يعكس فيها السيّاب غربته عن العراق بعد عيشه فترة في الكويت، وربما يكون سالم قد اختارها لأنه عاش مشاعر مشابهة بعد اضطراره إلى ترك العراق بسبب مضايقات سياسية في العام 1977 والعيش فترة طويلة في الكويت، لينتقل بعدها إلى الإمارات ثم السعودية ومنها إلى أميركا، قبل أن يعود إلى العراق في العام 2003، ولكن ظروف البلاد أجبرته على تركها مرة أخرى إلى سوريا التي توفّي فيها في العام 2013.
وفي أغنيته، يقول سالم من كلمات السيّاب: "صوت تفجّر في قرارة نفسي الثكلى: عراق/ كالمدّ يصعد، كالسحابة، كالدموع إلى العيون/ الموج يصرخ بي: عراق/ والريح تعول بي: عراق عراق عراق... ليس سوى عراق".
اللافت أن جميع الأغنيات التي لحّنت للسيّاب أخذت من قصائده جوّها الحزين المليء بالشجن، وهي تعكس إلى حال الشاعر الذي عاش المعاناة والغربة، حال العراق الذي عاش سنوات من القهر والحداد.
