"قوية طموحة وصاحبة إرادة، تحمل الكثير من الأحلام التي يجب أن تتحقق، فالحياة لا تتكرر، وعلينا أن نعيشها بحلوها ومرها"، بهذه الكلمات تصف الفنانة التشكيلية السورية دعاء البسطاطي نفسها.
ولدت دعاء (32 عاما) بلا يدين، واستطاعت تحدي الصعوبات والعوائق التي وقفت في وجهها، لتحصد نجاحا وتألقا، وترسم عبر ريشة تمسكها بإحدى قدميها عشرات اللوحات، وتقيم العديد من المعارض الفردية، وتشارك بمعارض جماعية، وتنال عشرات شهادات التقدير المحلية والدولية.
تقيم في العاصمة السورية دمشق، ودرست في كلية الفنون الجميلة قسم الاتصالات البصرية، وهي خريجة معهد "أدهم إسماعیل" للفنون التشكيلية.
أقامت دعاء مؤخرا معرضا في دمشق، احتوى 35 لوحة تحت عنوان "رحلة عمر"، وتنتمي جميعها للمدرسة الواقعية، راويةً حياة الإنسان منذ ولادته حتى لحظة موته. كما وثقت عبر مجموعتها، معاناة الأطفال في دور الأيتام، وكبار السن في دور المسنين، بالإضافة لاتسام العديد من اللوحات بالأمل رغم الألم.
تقول دعاء في حديثها مع "ارفع صوتك": "منذ أن وعيت على الدنيا، وأنا أستخدم قدمي لفعل أي شيء، ولم يكن لدي فرق بين اليدين والقدمين. وحين أصبحت في الثالثة عشرة من عمري، بدأت أختي تحضر لي صورا لأرسمها، فأحببت الرسم وبدأت بتطوير مهاراتي في هذا المجال، وكانت الصعوبات التي واجهتها في البداية بالنسبة لي تحد عليّ أن أواجهه مهما كان صعبا، وكنت أجتازه فيصبح سهلا".
دعم كبير تلقته دعاء من عائلتها وهذا ما ترك أثرا كبيرا لديها، تؤكد "أهلي وأختي كان لهم أثر كبير، فمن خلال دعمهم تمكنت من تطوير موهبتي، ودخلت كلية فنون جميلة وأصبحت فنانة تشكيلية".
"تخصصي غرافيكي جميل، تمكنت من خلاله أن أخرج الكثير من الأفكار من داخلي، واستطعت من خلاله التعبير عن دعاء، ولهذا السبب أحببته كثيرا وتخصصت به، أما الشخص الذي شجعني منذ الطفولة للرسم فهي أختي التي كانت وما زالت سندا وداعما كبيرا لي".
احتفاء وطني بأعمالها
في جعبة دعاء العديد من شهادات التقدير ودروع التكريم، بينها درع تكريمي من قبل مؤسسة "الفكر العربي" في العاصمة اللبنانية بيروت، لموهبتها في الرسم وتغلبها على الإعاقة، وشهادة من مسابقة رسم يابانية.
كما حصلت على درع تكريمي لمشاركتها في معرض الوقاية من المخدرات، بالإضافة إلى دروع تكريمية عدة من مديرية ثقافة حلب، ومؤسسة "أفكار لذوي الهمم" ضمن فعالية ومعرض فردي أقيم في دار الأوبرا، وغير ذلك من شهادات التكريم والتقدير لأعمالها.
توضح دعاء: "كل تكريم يعطيني قوة وإرادة وإصرارا على تحقيق أحلامي بشكل أكبر، وأكثر تكريم أثر بي كان أول تكريم حصلت عليه وأنا بعمر ١٤ عاما، من مؤسسة الفكر العربي في بيروت، كما كُرّمت وأنا طفلة مع أشخاص مهمين ولهم قيمة في المجتمع، ومن خلال هذا التكريم ازددت إصرارا وقوة إرادة وثقة بالنفس".
ومن المعارض المحلية والدولية التي شاركت فيها دعاء، مشروع عمل في أوكرانيا وفي بريطانيا والأردن، كما شاركت في معارض جماعية عدة منها معرض "الربيع والخريف" السنوي في "خان أسعد باشا" على مدى أربع سنوات، ومعرض "تحیة إلی تشرین"، ومعرضين متتاليين لمكافحة المخدرات، ومعرض "تجارب أنثوية" على مدى خمس سنوات، كذلك شاركت في "مهرجان بلودان"، وغيرها من فعاليات.
وكان أول معارضها الفردية في المركز الثقافي في كفرسوسة بعنوان "الحلم" عام 2018، تلاه معرض في دار الأوبرا، وآخر في حلب، وفي مركز صحنايا الثقافي، وفي مركز أبو رمانة الثقافي، بالإضافة إلى معرضها الأخير "رحلة عمر" هذا الشهر.
مسيرة "ملهِمة"
تعرضت دعاء في صغرها لمواقف مسيئة وتنمر من قبل أشخاص عديدين، إلا أنها واجهته بإصرار وقوة، وفق تعبيرها، مؤكدة أنها "حققت ما تتمناه وغيرت نظرة الناس إليها".
تقول لـ"ارفع صوتك": "منذ طفولتي كنت أرفض كلمة معاقة أو أي تسمية أخرى، وكان الناس حين يرونني في الشارع يقولون (هي بنت معاقة)، لكن كانت لدي القوة وكنت أضحك بوجههم، ويزيد إصراري حتى أغير فكرهم، وبقوة إرادتي نجحت وغيرت هذا الأمر عندهم، والآن حين يرونني يقولون (هي الفنانة التشكيلية دعاء)".
وتشير إلى أنها "صاحبة طموح وقوة إرادة، ولديها الكثير من الأحلام لتحقيقها، فالحياة لا تتكرر وعلينا أن نعيشها بحلوها ومرها".
"ومن خلال مسيرتي أفرح كثيرا لأنني ألهمت العديد من الأشخاص الذين أصبح لديهم قوة إرادة، وتخطوا ظروفهم بعدما رأوا ما تمكنت من فعله"، تتابع دعاء.
وتبيّن أن لجميع لوحاتها مكانة كبيرة في قلبها وفيها جزء من روحها، ولكن هناك لوحة هي الأغلى والأحب، هي "لوحة والدها"، لأنه وقبل وفاته "كان السند والداعم لها في كل شيء تقوم به، ورحل عن هذه الدنيا قبل أن يرى ما وصلت له وما أصبحت عليه".
وتخبرنا عن "أكبر أحلامها" وهو "إقامة معرض فردي خارج سوريا، من خلاله يعرف الناس في الخارج دعاء وعملها ونجاحها".
