القبانجي وفرقته في مؤتمر الموسيقى العربية الأول
القبانجي وفرقته في مؤتمر الموسيقى العربية الأول

لما يزيد على أسبوعين، بين 14 مارس و3 إبريل 1932، انعقد مؤتمر الموسيقى العربية الأول في العاصمة المصرية القاهرة، وحضرته نخبة من علماء الموسيقى العرب والأجانب.

خصص الباحث والناقد في تاريخ الموسيقى العربية فيكتور سحاب كتاباً يوثق مجريات هذا المؤتمر والنقاشات التي دارت فيه، بالإضافة إلى ما ألقي من كلمات وما نشر من أخبار.

وقد كان هذا المؤتمر، بحسب سحّاب، "على الأرجح أهم مؤتمر للموسيقى العربيّة في العصر الحديث، على رغم أن المجمع العربي للموسيقى، وهو هيئة جليلة من علماء الموسيقى العرب، عقد عدّة مؤتمرات منذ تاريخه".

كان للعراق مشاركة مهمة في المؤتمر عبر وفد مؤلف من 12 عشر عضواً ترأسه محمد القبّانجي وهو ملحّن ومطرب وقارئ مقامات وأهم الروّاد في مجال المقام العراقي، وضمّ عازف العود عزوري هارون وعازف القانون يوسف زعرور الصغير وعازف الكمان صالح شميّل وقارئ الأغاني ابراهيم صالح... وغيرهم.

"وقد انتقي هؤلاء الأشخاص بعد بحث وتدقيق واستشارة أرباب الفن وكلّهم يحسنون الموسيقى الراقية القديمة على اختلاف أنواعها"، بحسب سكرتير مجلس الوزراء العراقي الذي أجرى معه مندوب جريدة "الصباح" المصرية حينها في العراق حواراً، حول التحضيرات لإرسال الوفد العراقي إلى القاهرة.

غلاف كتاب "مؤتمر الموسيقى العربية الأول"

وقد سأل مندوب "الصباح" سكرتير رئيس الوزراء العراقي عما إذا كانت حكومته قد "لاحظت عدم إرسال الموسيقيين الحديثين الذي يقلّدون الأسطوانات المصرية ويرددونها بلا ابتكار"، وهو ما يشير إلى وجود موجة من تقليد الفن المصري في عراق الثلاثينات، خصوصاً أن المؤتمر، بحسب المندوب "يريد من اشتراك العراق أن يسمع الموسيقى العراقيّة القديمة وسُلّمها". فأجاب السكرتير إن "الأشخاص الذين وقع عليهم الاختيار يُحسنون الموسيقى الراقية القديمة وكذلك الموسيقى الجديدة المقتبَسة مما هو متداوَل في مصر وسوريا.  فإذا طُلِب إليهم توقيع الألحان الراقية الصرفة فإنهم يوقّعونها كما هي دون مزجها بالموسيقى الجديدة".

وبحسب كتاب فيكتور سحاب فإن الوفد العراقي "قدّم أكبر تشكيلة من الإيقاعات تم تصنيفها وتدوين مقاساتها وفقاً للغة الموسيقية الحديثة"، كانت للعراق مساهمة في النقاش حول المقامات العربية، ومدى تقاطعها وتشابهها بين الدول العربية المختلفة.

وتبيّن أن "معظم المقامات العربيّة مشتركة، لكن بعضها يختصّ بإقليم عربي دون آخر. فجميع المقامات المستعملة في مصر، وهي اثنان وخمسون، تُستعمَل في حلب أيضاً.  ومقامات مُرّاكُش (المغرب) ثمانية عشر، منها سبعة عشر مقاماً في مصر، بأسماءٍ  بعضها مختلف".

أما مقامات العراق والجزيرة العربيّة، فصنّفها المؤتمر بـ"سبعة وثلاثين منها خمسة عشر مقاماً مستعملاً في مصر.  أما المقامات الأخرى فهي مؤلّفة من أجناس تشابه أجناس المقامات المصريّة".

أما في أنواع وأشكال الغناء والموسيقى فتبيّن للمؤتمرين، بعد المقارنة، أن "جميع الأنواع والأشكال (الموّال والموشّح والطقطوقة والقصيدة وغيرها) المستعمَلة في العراق مستعملة في مصر، ما عدا خمسة أنواع بينها التريالوغ (المحاورة بين ثلاثة) في الغناء، والتحميلة في المعزوفات الموسيقيّة".

وسمع المؤتمرون من الوفد العراقي شرحاً عن المقامات العراقية وتسمياتها وخصوصياتها، وقد سئل الوفد عن المقام الإبراهيمي المعروف في مصر بالبياتي على الحسيني، وهل هو اسم النغم أو اسم المقام، فشرح الوفد للحاضرين، أن " هذا الاصطلاح اصطُلِح عليه في زمن إبراهيم الموصلي عندما كان يغنّيه. وقد سُمّي هذا المقام باسمه".

وسُئل الوفد أيضا عن المقام المنصوري "وهو الذي يبدأ في مصر بالصَّبا ويليه البياتي ثم المحيّر ثم حجاز ثم بياتي ثم صَبا"، فشرح الوفد أن  هذا المقام  كان يغنيه إبراهيم الموصلي في حضرة الرشيد وكان حينذاك الضارب على العود منصور زَلزَل. فلما سمع هذه النغمة صار يبكي ولذلك سُمّيت باسمه".

وبحسب حديث أجرته جريدة الصباح مع رئيس الوفد العراقي، فإن المؤتمرين "سمعوا منّا البستات وهي المعروفة في مصر بالطقاطيق. وقام الوفد العراقي بتسجيل مجموعة من الطقاطيق  والأدوار التي تمّت تعبئتها من مقامات الإبراهيمي والمنصوري والصَّبا والراست ونهر زاوي وعبوديّة والمخالفي".

وقدّم الوفد العراقي كذلك، كما هو موثّق في أحد أعداد "الصباح"، مجموعة من التقاسيم التي أداها أعضاؤه، فعزف  يوسف مير زعرور تقسيمات على القانون وقام عزوري هارون بتقاسيم اللامي على العود وقام صالح شميّل بتقاسيم عشّاق على الكمان وإبراهيم أفندي صالح على الرقّ ويوسف پتّو قدم تقاسيم على السنطور.

وبحسب القبّانجي، فإن وفد العراق قام في الحفلة التي أحياها في معهد الموسيقى الشرقية  بـ"إلقاء مارش جلالة الملك رمز الأخوّة بين مصر والعراق"، وهو من تلحين عزوري هارون، و"نشيد لجلالة الملك فؤاد" من تأليف خضر الطائي وتلحين القبّانجي.

كما قدم الوفد مجموعة من الألحان على المقامات العراقية وخصوصاً المقام الإبراهيمي من بينها "فجر النوى لاح" وطقطوقة "ما دار حسنك بشمّر"، و"النوم حرمني". ونقل القبّانجي أن رئيس لجنة التسجيل أبلغ رئيس المؤتمر وسكرتيره أن "الجوق العراقي هو الحجر الثمين الذين يعتّد به في المؤتمر".

وبحسب خبر صغير نشرته إحدى الصحف على هامش المؤتمر، فإن "حضرات أعضاء مؤتمر الموسيقى من السورييّن والعراقيّين شربوا الشاي بعد ظهر الإثنين في دار حضرة الآنسة أم كلثوم تلبية لدعوتها". وقد لقي الوفدان العراقي والسوري من حفاوتها بهما "ما ألهج ألسنتهم بالشكر لها".

ومعروف أن أم كلثوم  زارت العراق بعد أشهر من المؤتمر في نوفمبر من العام نفسه ملهى فندق "الهلال" في شارع الرشيد، أحد أشهر أماكن السهر في العاصمة بغداد آنذاك.

مواضيع ذات صلة:

توماج صالحي في صورة من حسابه على انستغرام
توماج صالحي في صورة من حسابه على انستغرام

"نحن صوت الغضب الشعبي الذي جرى إسكاته، لا تنعتنا بالمتمردين، نحن الثوار". "كانت جريمة شخص ما أن شعرها كان يتدفق في مهب الريح. كانت جريمتها أنها كانت شجاعة وصريحة".

هذا نموذج من كلمات أغاني مغي الراب الإيراني الشهير توماج صالحي التي قد تكّلفه حياته.

بسبب هذه الكلمات وغيرها، حكم القضاء الإيراني على توماج بعقوبة الإعدام، بعد إدانته باتهامات تتعلق بالاضطرابات التي شهدتها إيران في عامي 2022 و2023 على خلفية مقتل الشابة مهسا أميني في أحد فروع الشرطة، بعد إلقاء القبض عليها لاتهامها بارتداء حجاب "غير لائق".

في أعقاب نجاح "الثورة الإسلامية" في إيران في العام 1979 جرى حظر جميع أنواع الموسيقى في البداية.

بعدها "رضخ قادة الجمهورية الإسلامية للحاجة إلى السماح ببعض الموسيقى"، كما تقول الباحثة ناهد سيامدوست في كتابها "أغنية الثورة: سياسة الموسيقى في إيران".

ومع ذلك، تتابع سيامدوست، "خنق قادة الثورة الموسيقى التي لا تخدم مصالحهم السياسية والأيديولوجية، وحظروا الموسيقى التي يرون أنها تهدد تلك المصالح، وسهلوا ظهور ثقافة موسيقية شعبية ولكنها ضحلة، في حين تزدهر ثقافة فرعية عاجزة رسميًا ولكنها مفعمة بالحيوية خارج المجال العام الرسمي".

توماج صالحي ينتمي إلى هذا النوع من الموسيقى التي تغضب النظام. وهو تخصّص بموسيقى "الراب" التي تلقى قبولاً كبيراً من فئة الشباب. والراب شكل موسيقي متفرّع من الهيب هوب، وهناك خلاف حول قصة نشأة هذا الفن، إذ يقول البعض انه بدأ في أميركا فيما يشير آخرون إلى أماكن أخرى، كما يؤكد الباحث سيد عبد الحميد في كتابه "فن الشارع- حكايات عن كتابة الراب والموسيقى".
 

يخلق مغنو الراب الخاصون بكل بلد ما يناسبه من كلمات ومواضيع، بحسب عبد الحميد، وهو فنّ يعتمد على الإيقاع السريع للكلمات والموسيقى (beat)، ويصيغ المغني أكبر عدد من الأفكار في جمل قليلة جداً، تشكّل موضوع الأغنية.

هذا النوع من الغناء السريع والمكثّف والمباشر في معانيه جعل من توماج صالحي، الذي يبلغ من العمر 33 عاماً، أحد أكثر المغنين شعبية في إيران، خاصة بعد أن دعم في أغانيه الاحتجاجات التي استمرت شهوراً وجرى قمعها بالقوة.

اعتقل صالحي في أكتوبر 2022 بعد الإدلاء بتصريحات علنية داعمة للاحتجاجات على مستوى البلاد، وواجه منذ البداية تهماً خطيرة، من بينها تهمة "الإفساد في الأرض" التي تصل عقوبتها إلى الإعدام.

وفي العاشر من يوليو 2023، قضى الفرع الأول من المحكمة الثورية في أصفهان بعدم إثبات حد تهمة "الإفساد في الأرض" ضد صالحي، وحكم عليه بالسجن ست سنوات وفقاً للقانون الإسلامي.

بدا حينذاك أن "الرابر" الإيراني نجا من مصير الإعدام، ثم شهدت قضيته انفراجاً آخر في 18 نوفمبر من العام 2023، حيث أطلقت المحكمة سراحه بكفالة مالية بعد إلغاء الحكم وإعادة القضية إلى المحكمة الابتدائية.

أمضى صالحي 12 يوماً خارج السجن فقط. والتقى خلالها بالمخرجين الإيرانيين جعفر بناهي ومحمد رسولوف، الذين مرّا بتجارب السجن وقد أطلق سراحهما أيضاً بكفالة. لكن سرعان ما أعادت السلطات الإيرانية اعتقال المغني الشاب في الثلاثين من نوفمبر، وفتحت قضية جديدة ضده، بعد نشره فيديو على الإنترنت اتهم فيه المحققين بإساءة معاملته.

وفي 18 أبريل الجاري، عقد الفرع الأول للمحكمة الثورية في طهران جلسة محاكمة جديدة لصالحي، بعد إضافة تهم جديدة إلى القضية، بحسب محاميه. وحكمت المحكمة عليه بالإعدام بتهمة "الإفساد في الأرض"، كما اتهمت المحكمة الثورية صالحي بـ"التحريض على الفتنة والتجمع والتآمر والدعاية ضد النظام والدعوة إلى أعمال شغب"، بحسب المحامي.

منظمة "هيومن رايتس ووتش" وصفت الحكم ضد صالحي بأنه "اعتداء وحشي وشائن على الحريات الأساسية والحق في محاكمة عادلة". وقالت الباحثة في شؤون إيران في المنظمة تارا سبهري فر إن "الحكومة الإيرانية جعلت المحاكم الجائرة حجر أساس في قمعها الوحشي للمعارضة الشعبية".

محامي صالحي أكد أن "الحكم شابته أخطاء قانونية كبيرة، بما في ذلك تعارضه مع حكم المحكمة العليا"، مؤكداً أن موكّله عازم على الاستئناف.

فهل تنجح الضغوط على إيران من نشطاء حقوق الإنسان والمنظمات الدولية في فكّ حبل المشنقة عن رقبة توماج صالحي؟