صورة أرشيفية تجميع بين الموسيقار والمطرب المصري محمد عبد الوهاب والمطربة اللبنانية فيروز- تعبيرية
صورة أرشيفية تجميع بين الموسيقار والمطرب المصري محمد عبد الوهاب والمطربة اللبنانية فيروز- تعبيرية

على مرّ تاريخ الموسيقى العربية، غنى مطربون ومطربات عرب في مديح السلطة الحاكمة في بلدانهم، أو في بلدان أخرى طلباً للمال أو النفوذ والحظوة.

حدث ذلك مع فنانين مشهورين وفنانات مشهورات، بل مع "أعظم" مطربي ومطربات العالم العربي باعتراف النقاّد.

"موسيقار الأجيال" محمد عبد الوهاب عُرف فعلياً بلقب "مطرب الملوك والأمراء" لكثرة تواجده وغنائه في حفلاتهم، إذ غنى للملك المصري فاروق الأول، آخر ملوك مصر، فذكره بالاسم بشكل مباشر في أغنية "الفن"، من كلماتها "والفن مين أنصفه غير كلمة من مولاه/ والفن مين شرّفه غير الفاروق".

وبمناسبة جلوس فاروق على العرش، غنى أغنية "الشباب" وفيها يقول "من كتر غيرتي عليك في القلب خبيتك/ وقلت لك يا فاروق القلب ده بيتك".

ثم سرعان ما غنى بعد سقوطه لجمال عبد الناصر ووضع ألحاناً لأكثر من أغنية غناها مشاهير مصر للزعيم المصري أحد قادة ثورة الضباط الأحرار.

ثم غنى عبد الوهاب لأنور السادات، خليفة عبد الناصر، وكانت علاقته طيبة مع حسني مبارك ولكنه لم يغن له بالاسم بشكل صريح.

ولم يقتصر غناء عبد الوهاب على زعماء بلاده، بل غنى لملوك في دول أخرى، بينها العراق والسعودية، حيث قدم أغنية للملك عبد العزيز آل سعود بمناسبة زيارته التاريخية للملك فاروق، من كلماتها "يا رفيع التاج من آل سعود/ يومنا أجمل أيام الوجود".

وقدم أغنية أخرى لملك العراق من كلمات "أمير الشعراء" أحمد شوقي، كما غنى لسوريا في زمن حافظ الأسد، نشيداً حماسياً حمل عنوان "يجعلها عمار"، وفيها يذكر حافظ الأسد بالاسم "يد وهبها الله لينا/ يد الأسد اللي بيحمينا/ حافظ عهده/ والله يساعده/ ويجعلها عمار...".

 

الناقد الموسيقي فكتور سحاب يدافع عن الاتهامات التي تطال عبد الوهاب في هذا السياق، ويقول في كتابه "محمد عبد الوهاب- سيرة موسيقية"، إن عبد الوهاب قدم عشرات الأناشيد الوطنية، و"ما أشيع عن أنه كان انتهازياً يغني لمن هم في السلطة، خصوصاً الملك فاروق، وأنه غنى لعبد الناصر زعيم العروبة الخالد، ثم عاد وغنى لأنور السادات، استغله كثير من أصحاب النزعات اليسارية ليصموا فن محمد عبدالوهاب بأنه رجعي ولا وطني ولا قومي"، وذلك على خلفية دعم عبد الوهاب للسادات في زيارته إلى اسرائيل، كما يقول سحّاب.

"كوكب الشرق" أم كلثوم بدورها غنّت للملك فاروق وكانت مقرّبة من بلاطه، ثم غنّت لثورة الضباط الأحرار وأصبحت مقربة من عبد الناصر وقدمت عدداً كبيراً من الأغنيات الداعمة للنظام الناصري، وقد خصص الكاتب اللبناني حازم صاغية كتاباً بعنوان "الهوى دون أهله" لتفنيد علاقة أم كلثوم بالسلطة ذهب فيه إلى حد وصف أم كلثوم بأنها "مجرد حكواتية تعيد وتعمم قول النظام كأحد أجهزة الدولة التوتاليتارية الناصرية".

ووثّق الكاتب كريم جمال الدين في كتاب صادر حديثاً بعنوان "أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي"، دورها في تحويل صوتها وشهرتها إلى "سلاح فعّال" وأداة من أدوات "إزالة آثار العدوان" التي خلفتها هزيمة يونيو 1967.

ومثل عبد الوهاب لم يقتصر غناء أم كلثوم للسلطة على بلادها فقط، بل غنت لملوك ورؤساء في بلدان عربية أخرى، حيث غنّت أم كلثوم للملك العراقي قبل أن تغني للانقلاب عليه بعدها بسنوات.

وكان الغناء لعبد الناصر شائعاً بين فناني تلك المرحلة، فغنى له عبد الحليم حافظ عشرات الأغاني، وكذلك فعل الموسيقار فريد الأطرش الذي قدم له أغنيتين بصوته ولحن لفنانين آخرين أغنيات موضوعها مديح عبد الناصر.

كما غنى كثير من الفنانين لملوك ورؤساء عرب، فغنى الأطرش في زفاف الملك حسين، ملك الأردن، وغنى عبد الحليم حافظ لملك المغرب الحسن الثاني في أكثر من مناسبة.

الفنانة وردة الجزائرية غنت لمعمّر القذافي "الغلا إن زاد زيدك يا فاتح غلا/ والغلا إن زاد يزيدك يا معمر غلا"، وهو ما تسبب لها بمشكلات في مصر بسبب غضب الرئيس أنور السادات من الأغنية، فأمر بطردها من مصر، ولم تصطلح العلاقة بين وردة والسادات إلا بعد ان اعتذرت له مبررة ما فعلته بأنها لم يكن لديها "وعي سياسي كافٍ".

عندما توفي الفنان اللبناني سامي كلارك في فبراير العام الماضي، ظهر تسجيل قديم من عام 1980 لأغنية بعنوان "لبيك يا صدّام" غنّاها للرئيس العراقي الأسبق صدّام حسين، وعلى أثر ذلك، بدأ عدد من روّاد التواصل الاجتماعي بتداول مقاطع لأغنيات قدّمها فنانون عرب وعراقيون لصدام، بينها مقاطع لكبار الفنانين والفنانات العرب، كـ"موّال" غنته الفنانة اللبنانية صباح، وأغنية للبنانية سميرة توفيق، وأخرى للبناني وديع الصافي، من كلماتها "صدام وهذا عراق العرب قد خلدا/ وهذا جيشك قد أبلى وقد صمدا"، وكان غنى أيضاً لحافظ الأسد.

واستعاد آخرون على مواقع التواصل، أغنية من بدايات الفنان العراقي كاظم الساهر، كان خصصها لصدّام حسين، وقد كلّفته منعه من الغناء في الكويت لاحقاً، على الرغم من أنه اعتذر أكثر من مرة عنها.

وفي بيان صوتي أذاعه الساهر بعد الجدل حول دعوته للغناء في الكويت عام 2017، أكد الساهر أنه "لم يتغير منذ دخوله الفن، ولا اهتمامات لديه سوى الفن الجميل ونشر الصفاء والسلام والمحبة والود والفرح، وأنه لا شأن له بالسياسة".

المغني العراقي، كاظم الساهر. أرشيف
"كل ده كان ليه؟"... عندما أعلنت الرقابة المصرية "الحرب" على كاظم الساهر
علاقة الفنان العراقي الشهير بمصر قديمة من قدم الظاهرة التي شكّلها في العالم العربي والنجاح الكبير الذي حققه. وقد استقر الساهر في مصر لسنوات قليلة خلال التسعينيات بعد تركه العراق، لكنه اضطر بعدها إلى ترك مصر بعدما واجه تحديات جدية في مواجهة الرقابة المصرية والاعلام المصري.

وكان الساهر قد تعرض لانتقادات كثيرة ترافقت مع نشر صوره مع عدي صدام حسين، وفي مقابلة مع صحيفة "الرياض" السعودية عام 2008، أكد الساهر أنه لم يلتق بصدّام حسين، بينما كان على معرفة بنجليه قصي وعدي ويجلس معهما.

وفي مقابلة في برنامج "العراب" مع الإعلامي اللبناني نيشان، نفى الساهر أن يكون قد أجبر على الغناء لصدّام، قائلاً "لم يجبرنا أحد على الغناء لصدام ويكذب كل من يدعي ذلك فكل المطربين العرب إلى جانب العراقيين غنوا له، فهل أُرغموا على ذلك؟!".

وفي عام 2008 نقلت وكالة "رويترز" خبراً عن قيام مطربة تونسية تدعى نوال غشام، بتأدية أغنية عن إعدام صدّام حسين، من كلماتها "لو كان نلقى من يطول وريدي.. يحكم علي اعدام يوم عيدي"، والأغنية من كلمات الشاعر الليبي المعروف علي الكيلاني، الذي كتب أيضاً كلمات الأغنية الشهيرة "وين الملايين ..الشعب العربي وين"، واشتركت في غنائها أمل عرفة وجوليا بطرس وسوسن الحمامي.

وبحسب الخبر، فإن الكيلاني قال لصحف تونسية محلية إنه اختار غشام لأداء هذه الأغنية لأنها برأيه "شجاعة ومناضلة".

ويتجدد الجدل دائماً حول دور الفن في دعم السياسة والغناء للملوك والرؤساء، مع كل حدث يقدم فيه فنانون على الغناء لزعيم أو رئيس أو ملك أو أمير.

وفي عرس ولي عهد الأردن الأمير الحسين بن عبدالله، اشتعل الجدل حول مشاركة فنانين وفنانات عرب بالغناء للأمير الشاب، واستعاد المغردّون قيام فنانين وفنانات قديماً وحديثاً بالغناء لشخصيات سياسية، من بينها أغان خصصها مطربون ومطربات لدعم رئيس النظام السوري بشار الأسد بعد اندلاع "الثورة السورية" ضده، وهو ما أثار جدلاً وانتقادات لعدد من الفنانين والفنانات.  

وبحسب عدد من النقّاد فإن تجربة الأخوين رحباني هي الأذكى في مجال التعامل مع الغناء للزعماء، اذا اعتمدا سياسة خلال مسيرتهما الطويلة مع فيروز قائمة على الالتزام بعدم ذكر أسماء قادة أو ملوك أو زعماء في الأغنيات التي قدمها الثلاثي، بحسب الناقد الفني محمود الزيباوي.

فيروز وأم كلثوم
بغداد في الأغاني.. أم كلثوم وفيروز وعبد الوهاب وكاظم الساهر وآخرون
من جيل المغنين والمغنيات الجدد، أطلقت الفنانة الأردنية ديانا كرزون في العام 2016 أغنية بعنوان "ودّيني على بغداد/ روحي مشتاقة لبغداد" من كلمات أحمد هندي وألحان علي بدر، وقد حصدت ملايين المشاهدات عبر موقع "يوتيوب". كما غنت الفنانة السورية فايا يونان في العام 2018 قصيدة للشاعر اللبناني زاهي وهبي وألحان حازم شاهين مطلعها "بغداد بين النهرين كتبها الله قصيدة/ بغداد بين الشفتين تعويذة عذراء".

أما الناقد عبده وازن، فيقول في مقالة انتقد فيها ما أعلنه زياد الرحباني عام 2013 عن أن أمه السيدة فيروز تحب أمين عام "حزب الله" حسن نصرالله، وهو ما أثار جدلاً كبيراً في لبنان حينذاك: "عرف الرحبانيان وفيروز، طوال مسارهم، زعماء ورؤساء لبنانيين وعرباً كثراً، لكنهم لم ينحازوا إلى رئيس أو حزب أو جماعة. لم يغنوا زعيماً البتة. حتى عبدالناصر في عز صعوده الجماهيري لم يغنوا له على خلاف ما فعلت أم كلثوم وعبدالوهاب وسواهما من المطربين الكبار. أحبوا جمال عبدالناصر لكنهم غنوا مصر. أحبوا زعماء القضية الفلسطينية لكنهم غنوا فلسطين، أجمل ما يمكن أن تغنى. غنوا سوريا أيضاً ولم يغنوا حافظ الأسد الذي تولى علاج عاصي الرحباني عندما حلت به الجلطة الدماغية عام 1974، بعد تقصير الدولة اللبنانية. غنوا بغداد وعمان ومكة".

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية تجمع بين العالمين المسلمين يوسف القرضاوي وعلي السيستاني
صورة تعبيرية تجمع بين العالمين المسلمين يوسف القرضاوي وعلي السيستاني

في العصور الوسطى، عرف المسلمون بعض الفنون التي تضمنت التمثيل بشكل أو بآخر، منها مسرح "خيال الظل" الذي ظهر في قصور أمراء العصر الفاطمي في القرن السادس الهجري، وفن "الأراجوز" الذي عُرف خلال العصرين الأيوبي والمملوكي وانتشر على نطاق واسع في العصر العثماني.

في القرن التاسع عشر الميلادي، بدأ التمثيل يأخذ مكانة مهمة في المجتمعات الإسلامية، باعتباره أحد الفنون المعروفة التي تمكنت من حصد إعجاب الجماهير.

في هذا السياق، اشتهرت أعمال السوري أبو خليل القباني، الذي يُعدّ أول من أسّس مسرحاً عربياً في دمشق، واللبناني مارون النقاش الذي مثّل أول رواية عربية عام 1848، والمصري عبد الله النديم الذي مثّل روايتي "الوطن" و"العرب" في مسرح "زيزينيا" بمدينة الإسكندرية وحضرها الخديوي إسماعيل.

على الرغم من كثرة الأعمال المسرحية والسينمائية والتلفزيونية التي قدمها الفنانون في العالم العربي، إلا أن النظرة العامة للتمثيل أُحيطت بالعديد من علامات الشك والارتياب من قبل علماء مسلمين ورجال دين عارضوا هذا الفن حتى أنهم أفتى بحُرمته.

في المقابل، كانت هناك فتاوى إسلامية أباحت التمثيل، والغناء أيضاً كما أسلفنا في مقال سابق نُشر على موقع "ارفع صوتك". 

 

الرفض: الرأي التقليدي

في كتابه "تاريخ آداب اللغة العربية"، عمل الأديب اللبناني جرجي زيدان على تفسير الرفض التقليدي لفن التمثيل في الأوساط الإسلامية، فقال إن "فن التمثيل من الفنون القديمة في قارة أوروبا منذ عهد اليونان، ونقل العرب في صدر الدولة العباسية علوم اليونان الطبيعية والفلسفية والرياضية، وتجاهلوا نقل أكثر آدابهم الأخلاقية، أو الشعرية والتاريخية، ومن جملتها التمثيل".

يفسر ذلك التجاهل بقوله "لعل السبب، تجافي المسلمين عن ظهور المرأة المسلمة على المسرح، فأزهر التمدن الإسلامي وأثمر وليس فيه ثمة تمثيل...".

بشكل عام، تعرض الممثلون والفنانون العرب للتجاهل والرفض بشكل واسع من قِبل المؤسسات الدينية الإسلامية لفترات طويلة من القرن العشرين. حيث أصدر بعض رجال الدين فتاواهم الرافضة لممارسة التمثيل، وعدّوه من "خوارم المروءة"، ومن أسباب سقوط الشهادة في المحاكم الشرعية.

يُعبر الشيخ السعودي بكر أبو زيد عن تلك الرؤية في كتابه "حكم التمثيل"، فيذكر أن التمثيل نوع من أنواع الكذب، ويستشهد بالحديث المنسوب للصحابي عبد الله بن مسعود "الكذب لا يصلح في جد ولا هزل، ولا يَعد أحدكم صبيّه شيئاً ثم لا يُنجزه"، يتابع بعدها "...وعليه فلا يمتري عاقل، أن (التمثيل) من أولى خوارم المروءة، ولذا فهو من مُسقِطات الشهادة قضاء، وما كان كذلك، فإن الشرع لا يُقرّه في جملته. ومن المسلمات أن التمثيل لا يحترفه أهل المروءات، ولا من له صفة تذكر في العقل والدين...".

الرأي نفسه، ذهب إليه المفتي الأسبق للمملكة العربية السعودية عبد العزيز بن باز. جاء في إحدى فتاواه: "...الذي يظهر لنا أن التمثيل من باب الكذب، التمثيل أنه يمثل عمر، أو يمثل أبا جهل، أو يمثل فرعون، أو يمثل النبي، كلها في ما نعلم وفي ما نفتي به أنها من الكذب، يكفي الآخرين ما كفى الأولين...".

جدارية تصور الشاعر العراقي مظفر النواب بريشة الفنانة العراقية وجدان الماجد على جدار خرساني في العاصمة بغداد.
من محمد عبده إلى كمال الحيدري.. فتاوى أباحت الرسم والنحت
عرفت فنون الرسم والتصوير والنحت حضوراً قوياً في الثقافة الأوروبية في العصور الوسطى، وتماشى هذا الحضور مع غلبة المعتقدات الدينية المسيحية التي لا ترى بأساً في تصوير الإنسان والكائنات الحية، على النقيض من ذلك، ظهرت معارضة قوية لتلك الفنون في البلاد الإسلامية.

 

تصاعد الجدل بين الممثلين ورجال الدين

شهدت العقود السابقة اشتعال الجدل بين الممثلين ورجال الدين بسبب عدد من الأعمال الفنية السينمائية والتلفزيونية. وكانت ظاهرة تمثيل الأنبياء والصحابة أحد أهم الأسباب المثيرة للجدل والنقاش بين الطرفين>

وفيما حاول الممثلون تجسيد الشخصيات الدينية الروحية الأكثر تأثيراً في أعمالهم، فإن رجال الدين المسلمين -على الجانب الآخر- رفضوا ذلك بشكل كامل، وأصروّا أن تبقى الشخصيات بعيدة عن أي تجسيد أو تمثيل للحفاظ على القداسة المرتبطة بها في الوجدان المسلم.

بشكل عام، تعود فكرة تجسيد الأنبياء بشكل درامي لفترة مبكرة من عمر الصناعة السينمائية في البلاد العربية. ففي عام 1926، عُرض على الممثل المصري يوسف بك وهبي تمثيل شخصية الرسول محمد من قِبل شركة إنتاج ألمانية- تركية.

وافق وهبي في البداية وانتشر الخبر في الصحف، حتى خرج الأزهر وهاجم المشروع. كتب وهبي في مذكراته أنه اعتذر عن بطولة العمل بعدما تلقى تهديداً من جانب الملك فؤاد ملك مصر -آنذاك- بالنفي والحرمان من الجنسية المصرية.

لا ننسى أن تلك الأحداث وقعت بعد سنتين فحسب من سقوط الدولة العثمانية، كان الملك فؤاد وقتها يسعى للحصول على لقب "الخليفة"، وكان من المهم بالنسبة له أن يظهر في صورة "المدافع عن الإسلام والنبي" ضد أي تشويه محتمل.

في خمسينيات القرن العشرين، جُسدت شخصيات بعض الصحابة درامياً. على سبيل المثال قدمت السينما المصرية فيلم "بلال مؤذن الرسول" سنة 1953، وفيلم "خالد بن الوليد" سنة 1958 من بطولة وإنتاج وإخراج الممثل المصري حسين صدقي. عُرف صدقي بتوجهاته الإسلامية في الفترة الأخيرة من حياته، وكان اختيار شخصية خالد بن الوليد تحديداً لتجسيدها في عمل سينمائي أمراً مفهوماً لما لتلك الشخصية من حضور طاغٍ في الثقافة الإسلامية السنيّة التقليدية.

تفجر الجدل مرة أخرى حول تجسيد شخصيات الصحابة في سبعينيات القرن العشرين. في تلك الفترة أُعلن الاتفاق على تصوير فيلم "الرسالة" بنسختيه العربية والإنجليزية للمخرج السوري مصطفى العقاد، واختيرت نخبة من الفنانين العرب والأجانب للمشاركة في تقديم هذا المشروع الضخم.

شاع حينها أن صناع العمل حصلوا على موافقة الأزهر، مما أثار رفضاً من جانب الكثير من رجال الدين. مثلاً، أرسل الشيخ السعودي عبد العزيز بن باز إلى شيخ الأزهر رسالة يستهجن فيها الموافقة على الفيلم، جاء فيها "من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المُكرم صاحب السماحة الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر… فإني أستغرب إقرار الأزهر لإخراج الفيلم المذكور؛ فإن كان ما نُسب إليه صحيحاً فإني أطلب من فضيلتكم العمل على سحب الفتوى الصادرة من الأزهر في هذا الشأن إن أمكن ذلك، أو إبداء رأيكم في الموضوع براءةً للذمة، وخروجاً من التبعة، وتعظيماً للنبي وأصحابه –رضي الله عنهم– وصيانةً لهم عن كل ما قد يؤدي إلى تنقصهم بوجه من الوجوه…".

تسببت ردود الأفعال الغاضبة في إعلان الأزهر رفضه مشروع الفيلم، فأصدر الشيخ عبد الحليم محمود بياناً وقعه معه مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة، ورد في نصّه: "نعلن عدم الموافقة على إنتاج فيلم بعنوان (محمد رسول الله) أو أي فيلم يتناول بالتمثيل-على أي وضع كان- شخصية الرسول- صلى الله عليه وسلم- أو شخصيات الصحابة- رضي الله عنهم".

علل البيان الرفض بأن تلك الأفلام "تحط من قدر هذه الشخصيات المقدسة في نظر المسلم".

استجاب الملك الحسن الثاني ملك المغرب الراحل لنداء الشيخ محمود ومنع تصوير الفيلم في المغرب، وتم استكمال التصوير بعدها في ليبيا بدعم من نظام الرئيس الليبي السابق معمر القذافي.

لم ينته الصدام بين الممثلين ورجال الدين عند هذا الحد. فعلى مدار السنوات الماضية، شهدت أروقة المحاكم وصفحات الجرائد وقائع الجدل المتصاعد حول العديد من الأعمال الفنية التي لم تحصل على موافقة الرقابة الأزهرية، منها فيلم "القادسية"، من إنتاج دائرة السينما والمسرح العراقية سنة 1981، الذي جسد شخصية الصحابي سعد بن أبي وقاص، وفيلم "المهاجر" 1994، الذي قيل إنه "يصور سيرة حياة النبي يوسف".

من جهة أخرى، اُتهم العديد من الممثلين بالدعوة لـ"إشاعة الفحشاء والإباحية والعُري" من قِبل بعض رجال الدين، وارتبطت تلك الاتهامات بظاهرة "حجاب واعتزال الفنانات" التي تصاعدت في حقبة الثمانينيات.

وقيل وقتها إن "وراء تلك الظاهرة جماعات إسلامية تدفع أموالاً طائلة للفنانات المحجبات مقابل حجابهن وابتعادهنّ عن الوسط الفني".

 

فتاوى أجازت التمثيل

شهدت السنوات الأخيرة حالة من الهدوء النسبي بين رجال الدين والممثلين، وصدرت العديد من الفتاوى التي أباحت العمل بالتمثيل. من تلك الفتاوى، التي أصدرها الشيخ السعودي ابن عثيمين اعتماداً على أن هذا النوع من الفن من الأمور الخارجة عن العبادات الشرعية "...والأصل في غير العبادات الحل والإباحة، وهذا من فضل الله عز وجل: أن يسر على العباد ما لم يحرمه عليهم، فإذا كان الأصل الحل، فإنه لا بد من إقامة الدليل على التحريم..."، وفق تعبيره.

نشر الشيخ المصري يوسف القرضاوي مضمون الحكم نفسه على موقعه الإلكتروني، وذلك عندما أجاب على سؤال من إحدى شركات الإنتاج الفني حول حكم تقديم مسلسل عن الصحابي خالد بن الوليد، فقال "...قد أصبح التمثيل في عصرنا من مميزات الحياة المعاصرة، وأصبحت له معاهده وكلياته وخريجوه، وصار له عشاقه ومريدوه، وغدت له صور شتّى في المسرح وفي الأفلام وفي المسلسلات وغيرها. كما غدا يطرق أبواب الحياة الفردية والأسرية والاجتماعية والسياسية والدولية وغيرها. وأمسى له تأثيراته الهائلة في حياة الناس إيجاباً وسلباً... واستقر الأمر على جواز التمثيل بصفة عامة، إذا كان من ورائه عظة وعبرة للناس، ولم يشتمل على منكر يُحرمه الشرع، من قول أو فعل، أو مشهد...".

في السياق ذاته، أفتى علي جمعة، مفتي الديار المصرية السابق بأن التمثيل في حد ذاته ودراسته واستعماله من أجل إيصال الخير للناس "لا بأس به". ك

ما قال الداعية الإسلامي المصري خالد الجندي، إن "الفن بشكل عام، ومهنة التمثيل خاصة، ليست حراماً، إذا كان في النطاق المقبول والمحترم والهادف، لأن الفن رسالة قيّمة، إذا تم استخدامها بشكل صحيح".

وتابع أن التمثيل "جزء وأداة من أدوات الفن، وتعريف التمثيل، هو ضرب المثل، وهذا الضرب مذكور في القرآن، حيث قال الله تعالى "ويضرب الله الأمثال للناس"، وعندما وصف الله نوره، ضرب مثلاً أيضاً عندما قال في كتابه "مثل نوره كمشكاة"، وأن "الله عندما كان يرسل الملائكة إلى الرسل، كانت تتجسد في شكل البشر، مثل سيدنا جبريل، عندما نزل على سيدنا محمد".

يبدو موقف رجال الدين من التمثيل أكثر قبولاً في الأوساط الشيعية. على سبيل المثال، أجاب المرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني على سؤال حول حكم التمثيل الفني في المسرح أو التلفزيون بكونه "حلالاً".

كما أباح تمثيل دور المرأة بواسطة الرجل ولم ير أن ذلك التمثيل يدخل في باب التشبيه المنهي عنه في الحديث "لَعنَ رسُولُ اللَّهِ المُتَشبِّهين مِن الرِّجالِ بِالنساءِ، والمُتَشبِّهَات مِن النِّسَاءِ بِالرِّجالِ".

من جهة أخرى، أفتى السيستاني بجواز تجسيد الأنبياء على الشاشة بشرط مراعاة "مستلزمات التعظيم والتبجيل"، وعدم اشتماله "على ما يسيء إلى صورهم المقدسة في النفوس".