صورة أرشيفية تجميع بين الموسيقار والمطرب المصري محمد عبد الوهاب والمطربة اللبنانية فيروز- تعبيرية
صورة أرشيفية تجميع بين الموسيقار والمطرب المصري محمد عبد الوهاب والمطربة اللبنانية فيروز- تعبيرية

على مرّ تاريخ الموسيقى العربية، غنى مطربون ومطربات عرب في مديح السلطة الحاكمة في بلدانهم، أو في بلدان أخرى طلباً للمال أو النفوذ والحظوة.

حدث ذلك مع فنانين مشهورين وفنانات مشهورات، بل مع "أعظم" مطربي ومطربات العالم العربي باعتراف النقاّد.

"موسيقار الأجيال" محمد عبد الوهاب عُرف فعلياً بلقب "مطرب الملوك والأمراء" لكثرة تواجده وغنائه في حفلاتهم، إذ غنى للملك المصري فاروق الأول، آخر ملوك مصر، فذكره بالاسم بشكل مباشر في أغنية "الفن"، من كلماتها "والفن مين أنصفه غير كلمة من مولاه/ والفن مين شرّفه غير الفاروق".

وبمناسبة جلوس فاروق على العرش، غنى أغنية "الشباب" وفيها يقول "من كتر غيرتي عليك في القلب خبيتك/ وقلت لك يا فاروق القلب ده بيتك".

ثم سرعان ما غنى بعد سقوطه لجمال عبد الناصر ووضع ألحاناً لأكثر من أغنية غناها مشاهير مصر للزعيم المصري أحد قادة ثورة الضباط الأحرار.

ثم غنى عبد الوهاب لأنور السادات، خليفة عبد الناصر، وكانت علاقته طيبة مع حسني مبارك ولكنه لم يغن له بالاسم بشكل صريح.

ولم يقتصر غناء عبد الوهاب على زعماء بلاده، بل غنى لملوك في دول أخرى، بينها العراق والسعودية، حيث قدم أغنية للملك عبد العزيز آل سعود بمناسبة زيارته التاريخية للملك فاروق، من كلماتها "يا رفيع التاج من آل سعود/ يومنا أجمل أيام الوجود".

وقدم أغنية أخرى لملك العراق من كلمات "أمير الشعراء" أحمد شوقي، كما غنى لسوريا في زمن حافظ الأسد، نشيداً حماسياً حمل عنوان "يجعلها عمار"، وفيها يذكر حافظ الأسد بالاسم "يد وهبها الله لينا/ يد الأسد اللي بيحمينا/ حافظ عهده/ والله يساعده/ ويجعلها عمار...".

 

الناقد الموسيقي فكتور سحاب يدافع عن الاتهامات التي تطال عبد الوهاب في هذا السياق، ويقول في كتابه "محمد عبد الوهاب- سيرة موسيقية"، إن عبد الوهاب قدم عشرات الأناشيد الوطنية، و"ما أشيع عن أنه كان انتهازياً يغني لمن هم في السلطة، خصوصاً الملك فاروق، وأنه غنى لعبد الناصر زعيم العروبة الخالد، ثم عاد وغنى لأنور السادات، استغله كثير من أصحاب النزعات اليسارية ليصموا فن محمد عبدالوهاب بأنه رجعي ولا وطني ولا قومي"، وذلك على خلفية دعم عبد الوهاب للسادات في زيارته إلى اسرائيل، كما يقول سحّاب.

"كوكب الشرق" أم كلثوم بدورها غنّت للملك فاروق وكانت مقرّبة من بلاطه، ثم غنّت لثورة الضباط الأحرار وأصبحت مقربة من عبد الناصر وقدمت عدداً كبيراً من الأغنيات الداعمة للنظام الناصري، وقد خصص الكاتب اللبناني حازم صاغية كتاباً بعنوان "الهوى دون أهله" لتفنيد علاقة أم كلثوم بالسلطة ذهب فيه إلى حد وصف أم كلثوم بأنها "مجرد حكواتية تعيد وتعمم قول النظام كأحد أجهزة الدولة التوتاليتارية الناصرية".

ووثّق الكاتب كريم جمال الدين في كتاب صادر حديثاً بعنوان "أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي"، دورها في تحويل صوتها وشهرتها إلى "سلاح فعّال" وأداة من أدوات "إزالة آثار العدوان" التي خلفتها هزيمة يونيو 1967.

ومثل عبد الوهاب لم يقتصر غناء أم كلثوم للسلطة على بلادها فقط، بل غنت لملوك ورؤساء في بلدان عربية أخرى، حيث غنّت أم كلثوم للملك العراقي قبل أن تغني للانقلاب عليه بعدها بسنوات.

وكان الغناء لعبد الناصر شائعاً بين فناني تلك المرحلة، فغنى له عبد الحليم حافظ عشرات الأغاني، وكذلك فعل الموسيقار فريد الأطرش الذي قدم له أغنيتين بصوته ولحن لفنانين آخرين أغنيات موضوعها مديح عبد الناصر.

كما غنى كثير من الفنانين لملوك ورؤساء عرب، فغنى الأطرش في زفاف الملك حسين، ملك الأردن، وغنى عبد الحليم حافظ لملك المغرب الحسن الثاني في أكثر من مناسبة.

الفنانة وردة الجزائرية غنت لمعمّر القذافي "الغلا إن زاد زيدك يا فاتح غلا/ والغلا إن زاد يزيدك يا معمر غلا"، وهو ما تسبب لها بمشكلات في مصر بسبب غضب الرئيس أنور السادات من الأغنية، فأمر بطردها من مصر، ولم تصطلح العلاقة بين وردة والسادات إلا بعد ان اعتذرت له مبررة ما فعلته بأنها لم يكن لديها "وعي سياسي كافٍ".

عندما توفي الفنان اللبناني سامي كلارك في فبراير العام الماضي، ظهر تسجيل قديم من عام 1980 لأغنية بعنوان "لبيك يا صدّام" غنّاها للرئيس العراقي الأسبق صدّام حسين، وعلى أثر ذلك، بدأ عدد من روّاد التواصل الاجتماعي بتداول مقاطع لأغنيات قدّمها فنانون عرب وعراقيون لصدام، بينها مقاطع لكبار الفنانين والفنانات العرب، كـ"موّال" غنته الفنانة اللبنانية صباح، وأغنية للبنانية سميرة توفيق، وأخرى للبناني وديع الصافي، من كلماتها "صدام وهذا عراق العرب قد خلدا/ وهذا جيشك قد أبلى وقد صمدا"، وكان غنى أيضاً لحافظ الأسد.

واستعاد آخرون على مواقع التواصل، أغنية من بدايات الفنان العراقي كاظم الساهر، كان خصصها لصدّام حسين، وقد كلّفته منعه من الغناء في الكويت لاحقاً، على الرغم من أنه اعتذر أكثر من مرة عنها.

وفي بيان صوتي أذاعه الساهر بعد الجدل حول دعوته للغناء في الكويت عام 2017، أكد الساهر أنه "لم يتغير منذ دخوله الفن، ولا اهتمامات لديه سوى الفن الجميل ونشر الصفاء والسلام والمحبة والود والفرح، وأنه لا شأن له بالسياسة".

المغني العراقي، كاظم الساهر. أرشيف
"كل ده كان ليه؟"... عندما أعلنت الرقابة المصرية "الحرب" على كاظم الساهر
علاقة الفنان العراقي الشهير بمصر قديمة من قدم الظاهرة التي شكّلها في العالم العربي والنجاح الكبير الذي حققه. وقد استقر الساهر في مصر لسنوات قليلة خلال التسعينيات بعد تركه العراق، لكنه اضطر بعدها إلى ترك مصر بعدما واجه تحديات جدية في مواجهة الرقابة المصرية والاعلام المصري.

وكان الساهر قد تعرض لانتقادات كثيرة ترافقت مع نشر صوره مع عدي صدام حسين، وفي مقابلة مع صحيفة "الرياض" السعودية عام 2008، أكد الساهر أنه لم يلتق بصدّام حسين، بينما كان على معرفة بنجليه قصي وعدي ويجلس معهما.

وفي مقابلة في برنامج "العراب" مع الإعلامي اللبناني نيشان، نفى الساهر أن يكون قد أجبر على الغناء لصدّام، قائلاً "لم يجبرنا أحد على الغناء لصدام ويكذب كل من يدعي ذلك فكل المطربين العرب إلى جانب العراقيين غنوا له، فهل أُرغموا على ذلك؟!".

وفي عام 2008 نقلت وكالة "رويترز" خبراً عن قيام مطربة تونسية تدعى نوال غشام، بتأدية أغنية عن إعدام صدّام حسين، من كلماتها "لو كان نلقى من يطول وريدي.. يحكم علي اعدام يوم عيدي"، والأغنية من كلمات الشاعر الليبي المعروف علي الكيلاني، الذي كتب أيضاً كلمات الأغنية الشهيرة "وين الملايين ..الشعب العربي وين"، واشتركت في غنائها أمل عرفة وجوليا بطرس وسوسن الحمامي.

وبحسب الخبر، فإن الكيلاني قال لصحف تونسية محلية إنه اختار غشام لأداء هذه الأغنية لأنها برأيه "شجاعة ومناضلة".

ويتجدد الجدل دائماً حول دور الفن في دعم السياسة والغناء للملوك والرؤساء، مع كل حدث يقدم فيه فنانون على الغناء لزعيم أو رئيس أو ملك أو أمير.

وفي عرس ولي عهد الأردن الأمير الحسين بن عبدالله، اشتعل الجدل حول مشاركة فنانين وفنانات عرب بالغناء للأمير الشاب، واستعاد المغردّون قيام فنانين وفنانات قديماً وحديثاً بالغناء لشخصيات سياسية، من بينها أغان خصصها مطربون ومطربات لدعم رئيس النظام السوري بشار الأسد بعد اندلاع "الثورة السورية" ضده، وهو ما أثار جدلاً وانتقادات لعدد من الفنانين والفنانات.  

وبحسب عدد من النقّاد فإن تجربة الأخوين رحباني هي الأذكى في مجال التعامل مع الغناء للزعماء، اذا اعتمدا سياسة خلال مسيرتهما الطويلة مع فيروز قائمة على الالتزام بعدم ذكر أسماء قادة أو ملوك أو زعماء في الأغنيات التي قدمها الثلاثي، بحسب الناقد الفني محمود الزيباوي.

فيروز وأم كلثوم
بغداد في الأغاني.. أم كلثوم وفيروز وعبد الوهاب وكاظم الساهر وآخرون
من جيل المغنين والمغنيات الجدد، أطلقت الفنانة الأردنية ديانا كرزون في العام 2016 أغنية بعنوان "ودّيني على بغداد/ روحي مشتاقة لبغداد" من كلمات أحمد هندي وألحان علي بدر، وقد حصدت ملايين المشاهدات عبر موقع "يوتيوب". كما غنت الفنانة السورية فايا يونان في العام 2018 قصيدة للشاعر اللبناني زاهي وهبي وألحان حازم شاهين مطلعها "بغداد بين النهرين كتبها الله قصيدة/ بغداد بين الشفتين تعويذة عذراء".

أما الناقد عبده وازن، فيقول في مقالة انتقد فيها ما أعلنه زياد الرحباني عام 2013 عن أن أمه السيدة فيروز تحب أمين عام "حزب الله" حسن نصرالله، وهو ما أثار جدلاً كبيراً في لبنان حينذاك: "عرف الرحبانيان وفيروز، طوال مسارهم، زعماء ورؤساء لبنانيين وعرباً كثراً، لكنهم لم ينحازوا إلى رئيس أو حزب أو جماعة. لم يغنوا زعيماً البتة. حتى عبدالناصر في عز صعوده الجماهيري لم يغنوا له على خلاف ما فعلت أم كلثوم وعبدالوهاب وسواهما من المطربين الكبار. أحبوا جمال عبدالناصر لكنهم غنوا مصر. أحبوا زعماء القضية الفلسطينية لكنهم غنوا فلسطين، أجمل ما يمكن أن تغنى. غنوا سوريا أيضاً ولم يغنوا حافظ الأسد الذي تولى علاج عاصي الرحباني عندما حلت به الجلطة الدماغية عام 1974، بعد تقصير الدولة اللبنانية. غنوا بغداد وعمان ومكة".

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لفرقة لبنانية مختصة بالموسيقى والغناء الصوفي- ا ف ب
صورة أرشيفية لفرقة لبنانية مختصة بالموسيقى والغناء الصوفي- تعبيرية

عرفت الحضارة العربية الإسلامية تنوعاً فريداً من نوعه، إذ حظي معظم الفنون برعاية السلاطين والأمراء في شتى أنحاء العالم الإسلامي، وأثبتت الموسيقى حضورها كأحد الفنون المهمة في بلاطات الحكام والأوساط الشعبية على السواء.

وتمكن الموسيقيون -رغم النظرة الفقهية السائدة المحرمة للموسيقى- من ممارسة فنهم أغلب الأحيان. فعلى ماذا استند الفقهاء في تحريمهم للموسيقى والغناء؟ وكيف انتشرت الموسيقى رغم ذلك؟ وما أبرز الفتاوى التي أباحت الموسيقى قديماً وحديثاً؟

 

التحريم والمنع

وقف أغلب الفقهاء المسلمين موقفاً متشدداً من الموسيقى والغناء، مستندين إلى مجموعة من الأدلة والشواهد، منها "الآية السادسة من سورة لقمان" ونصها "...وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ...".

قال بعض الصحابة -منهم عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن العباس- إن "لهو الحديث الوارد في الآية هو الغناء" كما ذكر محمد بن جرير الطبري في تفسيره.

أيضاً، استند الفقهاء لبعض الأحاديث والآثار التي رفضت إجازة الغناء والألحان، من ذلك ما ورد في "صحيح البخاري" منسوباً للرسول محمد "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر (الزنا) والحرير والخمر والمعازف"، و"صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمة، ورنة عن مصيبة". فضلاً عن الأثر المنسوب لعبد الله بن مسعود "الغناءُ ينبتُ النفاقَ في القلبِ كما ينبتُ الماءُ البقل".

اعتماداً على تلك الأدلة، ذهب عدد كبير من الفقهاء إلى تحريم الموسيقى والغناء بشكل قاطع، أمثال شمس الدين القرطبي، وابن الصلاح، وابن القيم الجوزية، وابن رجب الحنبلي، وابن حجر الهيثمي وابن تيمية.

كما ذكر محمد ناصر الدين الألباني في كتابه "سلسلة الأحاديث الصحيحة" أن المذاهب الفقهية السنية الأربعة "اتفقت على تحريم آلات الطرب كلها".

لم يقتصر هذا التحريم على علماء أهل السنة والجماعة وحدهم، بل شاركهم فيه أغلب الفقهاء المنتمين إلى المذهب الشيعي الإمامي. على سبيل المثال، أجاب السيد علي السيستاني، المرجع الشيعي الأعلى في العراق على سؤال حول حكم الغناء بأن "...الغناء حرام كله وهو الكلام اللهوي الذي يؤدي بالألحان المتعارفة عند أهل اللهو واللعب، بل يحرم أيضاً علي الأحوط الكلام غير اللهوي الذي يؤدي بتلك الألحان...".

 

أسباب الانتشار

عرفت الموسيقى والأغاني طريقها إلى مختلف أنحاء دولة الخلافة الإسلامية، وتمكنت من الانتشار بين العامة والخاصة على السواء، كما وثق المؤرخون.

بدأ هذا الانتشار في بدايات الحضارة الإسلامية. يذكر الإمام محمد بن علي الشوكاني في كتابه "الفتح الرباني" أن المؤرخين نقلوا العديد من الروايات التي تثبت أن بعض الصحابة سمعوا الغناء والموسيقى ولم يجدوا فيهما بأساً على الإطلاق. من هؤلاء  عبد الله بن الزبير الذي "كان له جوار عوادات".

وأورد الشوكاني أن "عبد الله بن عمر بن الخطاب دخل على ابن الزبير وكان بجواره عود، فقال له (ما هذا يا صاحب رسول الله؟) فناوله إياه، فتأمله ابن عمر، وقال (هذا ميزان شامي)، فرد ابن الزبير (توزن به العقول)".

وأضاف أن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب كان من المشهورين بسماع الموسيقى، وأن عبد الله بن عمر لما وجد رجلاً يريد أن يبيع جارية تضرب على العود، نصح الرجل بعرضها على ابن جعفر، فنفذ الرجل مشورته، وباع الجارية.

في السياق نفسه، أكد الشوكاني أن معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص سمعا الغناء، وأن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز كان معتاداً على سماع الموسيقى قبل أن يصل لكرسي الخلافة.

بشكل عام، تتعدد الأمثلة على انتشار الموسيقى والغناء في الدولة الإسلامية، وكثيراً ما عُرف الموسيقيون بممارسة العلوم الشرعية. في أواخر القرن الثاني الهجري اشتهر آمر مفتي المدينة، يوسف بن الماجشون، ويذكر المزي في كتابه "تهذيب الكمال" أنه "كان مولعاً بسماع الغناء ارتجالاً وغير ارتجال..."، كما يُنقل عن المحدث المشهور يحي بن معين أنه كان يذهب ليوسف ليسمع منه الحديث "وجواريه في بيت آخر يَضربْنَ بالمِعْزفة، يقصد آلة العزف...".

في القرن الثالث الهجري، وبالتزامن مع حالة الترف التي عرفها المسلمون تحت لواء الدولة العباسية، ظهر الموسيقي الشهير أبو إسحاق الموصلي الذي كان مقرباً بشكل كبير من الخليفة هارون الرشيد. وقد وصفه شمس الدين الذهبي في كتابه "سيّر اعلام النبلاء" بأنه "ذو الفنون... صاحب الموسيقى، والشعر الرائق...".

كما ظهر تلميذه أبو الحسن علي بن نافع الموصلي، المعروف باسم زرياب. بذل زرياب جهوداً كبيرة لنقل الموسيقى المشرقية للغرب بعدما غادر بغداد وسافر إلى الأندلس، لينضوي تحت لواء الدولة الأموية في قرطبة.

من جهة أخرى، لعب زرياب دوراً مؤثراً في تطوير التقنيات الموسيقية عندما أضاف وتراً خامساً للعود، وأدخل على الموسيقى مقامات لم تكن معروفة قبله، أما أعظم أعماله فكان إشرافه على "دار المدنيات" التي اُفتتحت زمن الخليفة عبد الرحمن الأوسط وضمت العشرات من المغنيات البارعات في فنون الغناء والعزف.

في القرن الرابع الهجري، ازداد انتشار فن الموسيقى في جنبات العالم الإسلامي حتى قام أبو الفرج الأصفهاني بتأليف كتابه الشهير "الأغاني"، وهو موسوعة أدبية، جمع فيها الاصفهاني الأغاني والألحان المتميزة في عصره والعصور السابقة عليه مع ذكر الطرق المختلفة للغناء.

 

إباحة الموسيقى

بدأ الاتجاه الفقهي المُجيز للموسيقى يزداد قوة في الأندلس في القرن الخامس الهجري على يد الفقيه الظاهري الشهير أبو محمد علي بن حزم القرطبي.

في كتابه "المُحلى"، شكك ابن حزم في جميع الأحاديث التي ذكرت تحريم الغناء والموسيقى، وقال "لا يصح في هذا الباب -يقصد باب تحريم الموسيقى والغناء- شيء أبداً، وكل ما فيه موضوع، ووالله لو أسند جميعه أو واحد منه فأكثر من طريق الثقات إلى رسول الله لما ترددنا في الأخذ به...".

في الوقت نفسه تقريباً، كان حجة الإسلام أبو حامد الغزالي يقود حملة روحانية صوفية لتذكية النفس في المشرق الإسلامي، فأباح الغناء والسماع باعتباره وسيلة لخلاص الروح وتحريرها.

مما قاله الغزالي في ذلك "مَن لم يحرّكه الربيعُ وأزهاره، والعودُ وأوتاره، فهو فاسدُ المزاج ليس له علاج".

في العصر الحديث، تزايدت الفتاوى المُجيزة للغناء والموسيقى بشكل ملحوظ، ففي كتابه "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث" تعرض الشيخ المصري محمد الغزالي لتلك المسألة الجدلية، قائلاً "النبي مدح صوت الصحابي أبي موسى الأشعري عندما سمعه يتغنى بالقرآن. وقال له (لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود)". يعلق الغزالي على تلك القصة "لو كان المزمار آلة رديئة ما قال له ذلك. وقد سمع رسول الله الدف والمزمار دون تحرج، ولا أدري من أين حرم البعض الموسيقى ونفر في سماعها؟".

ذهب رجل العالم السنّي يوسف القرضاوي إلى المعنى نفسه، عندما ناقش حكم الغناء في بحث منشور على موقعه الإلكتروني، قال في خاتمته "...والذي نفتي به ونطمئن إليه من بين تلك الأقوال إن الغناء -في ذاته- حلال فالأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص صحيح بحرمتها، وكل ما ورد في تحريم الغناء إما صريح غير صحيح أو صحيح غير صريح...".

هذا التوجه المُجيز للغناء، سيزداد قوة عندما يرتبط ببعض المؤسسات الدينية الرسمية كالأزهر ودار الإفتاء، فضلاً عن بعض المرجعيات الشيعية القوية في العالم الإسلامي. على سبيل المثال، قال مفتي مصر الأسبق علي جمعة في فتوى رسمية "الأغاني والموسيقى منها ما هو مُبَاحٌ سماعه ومنها ما هو مُحَرَّمٌ؛ وذلك لأن الغناء كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح... فالموسيقى والغناء المباح: ما كان دينياً أو وطنياً أو كان إظهاراً للسرور والفرح في الأعياد والمناسبات...".

المعنى نفسه، ذهب إليه شيخ الازهر السابق محمد سيد طنطاوي، عندما أجاب على سؤال حول حكم اتخاذ الموسيقى مهنة ومورد رزق، حيث قال "سماع الموسيقى وحضور مجالسها وتعلمها أياً كانت آلاتها من المباحات، ما لم تكن محركةً للغرائز باعثةً على الهوى والغواية والغزل والمجون مقترنةً بالخمر والرقص والفسق والفجور واتُّخِذَت وسيلةً للمحرمات...".

الأمر ذاته، قال به المرجع الشيعي اللبناني السابق محمد حسين فضل الله، عندما اعتبر أنّ الأغاني "لا تدخل في باب المحرّمات، إذا ما لامست القيم الإنسانيّة والفكرية العميقة في مضمونها، وترافقت مع موسيقى راقية".

في السنوات الأخيرة، بدأ الموقف الفقهي المتسامح مع الموسيقى والغناء يكسب أرضاً جديدة في السعودية وباقي دول الخليج العربي، تزامن ذلك التغيير الفقهي مع تغير سياسة النظام الحاكم في السعودية عقب وصول الأمير محمد بن سلمان إلى منصب ولي العهد في سنة 2017.

وتُعدّ فتوى الشيخ السعودي عادل الكلباني، إمام الحرم المكي السابق، التي أباح فيها الغناء، من أشهر الحالات المبينة لتغير وجهة نظر بعض الفقهاء بخصوص الحكم في تلك المسألة.

أكد الكلباني في فتواه أن الغناء مباح "شريطة ألا يصحبه مجون أو سكر أو تلفظٌ بكلامٍ ماجن"، وأنه "لا يوجد نص صريح في الكتاب أو السنة ينص على تحريم الغناء"، كما ذكر أنه "يمكن تعليم الموسيقى في مدارس السعودية".

أثارت الفتوى الكثير من ردود الفعل داخل السعودية وخارجها، خصوصاً بعدما تبعتها فتوى مشابهة من الداعية الإماراتي وسيم يوسف، إذ تراجع في فتواه عن رأيه السابق في تحريم الموسيقى، وقال في برنامجه "من رحيق الإيمان"، الذي تبثه قناة "أبو ظبي" إن أدلة تحريم الموسيقى "ضعيفة. ولا يمكن التعويل عليها".

اُنتقدت  تلك الفتاوى من قِبل العديد من علماء السعودية المحافظين على النهج الوهابي السلفي. في هذا السياق، قال مفتي عام السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، إن "الدعاة الذين غيروا مواقفهم تجاه الغناء وسماع الموسيقى منتكسون عن الحق"، واستبعد أن تكون خطوة تغيير آرائهم نابعة من مراجعات فكرية حقيقية.