كاظم الساهر من صفحته على فايسبوك
كاظم الساهر من صفحته على فايسبوك

في عام 1997 وضمن ألبوم "في مدرسة الحبّ"، أصدر المطرب والملحّن العراقي كاظم الساهر أغنية "زيديني عشقاً" من كلمات الشاعر السوري الراحل نزار قبّاني.

القصيدة من ديوان "أشعار خارجة على القانون"، وتحمل في الديوان عنوان "جسمك خارطتي"، والأغنية كما يروي الساهر في حوار مع المذيعة المصرية منى الشاذلي، خضعت للرقابة وجرى حذف كلمات منها عند إصدارها.

وطال مقص الرقيب عدداً من أغنيات الساهر وفعل فعله في قصائد قباني الذي اضطر إلى تعديل كلمات مراعاة للمشاعر المحافظة والتقاليد.

كما خضعت القصائد لحذف أبيات وإضافة أخرى لأسباب تلحينية، على ما يروي الساهر في المقابلة نفسها، إذ قام قباني بالاتصال به بعد تسجيل أغنية "زيديني عشقاً"، لإضافة بيتين هما "يا أحلى امرأة بين نساء الكون أحبيني/ يا من أحببتك حتى احترق الحب أحبّيني"، ليضطر الساهر إلى إعادة تلحين الأغنية وتسجيلها من جديد.  

الرقابة شالت كلام من اغنية زيديني عشقا .. اسرار كاظم الساهر

الرقابة شالت كلام من اغنية زيديني عشقا .. اسرار كاظم الساهر #معكم_منى_الشاذلي

Posted by ‎برنامج معكم منى الشاذلي‎ on Friday, September 2, 2022

في المقابلة تسأل الشاذلي الساهر عن تغيير "جسمك خارطتي" لتصير "حبك خارطتي" وعمّا إذا كان الأمر لأسباب تلحينية أم بسبب الرقابة، فيجيبها الساهر: "بصراحة بسبب الرقابة".

وفي كتابه "حكايات الأغاني- رحلة القصيدة من الديوان إلى الأغنية"، يقول فارس يواكيم، إن التغيير في هذه الكلمة جاء "مراعاة للمشاعر المحافظة"، كما يذكر تعديلات أخرى خضعت لها القصيدة من بينها استبدال كلمة "اضطجعي" بكلمة "ظلّي"، لتصير "وظلّي قربي غنّيلي" وذلك أيضاً "مراعاة للتقاليد".

ويتحدث يواكيم عن تعديلات أخرى أسبابها تلحينية كمثل استبدال عبارة "وجعي يمتد كبقعة زيت" بـ"وجعي يمتد كسرب حمام"، لأن "التعديل أنسب للغناء"، واستبدال "من بيروت إلى الصين" بـ"من بغداد إلى الصين" بما أن الساهر مطرب عراقي.

كما أن كلمة أخرى في القصيدة أخضعها الساهر مع قباني للتعديل قبل غنائها مراعاة للتقاليد هي "نكهة كفري ويقيني" كما جاءت في الديوان، فاستبدلت "كفري" في الأغنية بـ"شكّي" لتفادي الإشكاليات التي قد تسبّبها.

المغني العراقي، كاظم الساهر. أرشيف
"كل ده كان ليه؟"... عندما أعلنت الرقابة المصرية "الحرب" على كاظم الساهر
علاقة الفنان العراقي الشهير بمصر قديمة من قدم الظاهرة التي شكّلها في العالم العربي والنجاح الكبير الذي حققه. وقد استقر الساهر في مصر لسنوات قليلة خلال التسعينيات بعد تركه العراق، لكنه اضطر بعدها إلى ترك مصر بعدما واجه تحديات جدية في مواجهة الرقابة المصرية والاعلام المصري.

ويحكي الساهر في المقابلة أيضاً، عن أغنية أخرى هي "التحديات" وهي قصيدة من ديوان "أشعار خارجة على القانون" لقباني، خضعت بدورها للرقابة في بعض الدول الخليجية حيث اضطر إلى قصّ مقطع "فما من قبلة أخذت أو أعطيت/ ليس لي فيها حلول أو حضور"، وإزالتها من الأغنية.

يقول إنه حاول التحايل على الرقابة وتغيير كلمة "قبلة" بكلمة "فلّة"، لكن مع ذلك رفضت الرقابة في هذه الدول تضمين الأغنية هذا المقطع.

والساهر اختار ألّا يلحن عدداً من أبيات المقطع الأول من القصيدة، وبحسب يواكيم، فإن "المرء يدرك سبب غيابها عن الأغنية" بمجرّد قراءتها، يقول قباني فيها: "أتحدى كل عشاقك يا سيدتي/ من ملوك ومشاهير وقوّاد عظام/ أن يكونوا صنعوا تختك من ريش النعام/ أو يكونوا أطعموا نهديك، يا سيدتي/ بلح البصرة أو توت الشآم".

وقباني شاعر إشكالي توفي عام 1998، وتناولت قصائده مواضيع سياسية واجتماعية حسّاسة، ما أدى إلى منع بعض دواوينه في دول عربية، وخضوع بعض قصائده المغنّاة للتعديل والحذف والإضافات للتحايل على الرقابة ولمراعاة التقاليد الاجتماعية، وهو أمر تعرضت له أيضاً عشرات الأغنيات في العالم العربي، لمغنين وشعراء آخرين اصطدموا بدورهم بالرقابة والتقاليد.  

مواضيع ذات صلة:

"نصب الإصبع" في منطقة الجادرية في بغداد- من مواقع التواصل الإجتماعي
"نصب الإصبع" في منطقة الجادرية في بغداد- من مواقع التواصل الإجتماعي

لم يكن الاعتراض على "نصب الإصبع" والخلاف حول جماليته ومدى ملاءمته الذوق العام الأول من نوعه في العراق، فقد تكرر الجدل في السنوات العشرين الماضية حول بعض النصب والتماثيل التي أقيمت في أماكن عامة.

أثارت هذه النُصب والتماثيل اعتراضات كبيرة وموجات من السخرية، إما لأنها "بلا معنى" وفق تعبير المعترضين أو لأنها منفذة بطريقة تبدو صادمة للجمهور، أو لأنها لا توافق المعايير الفنية العالية برأي الكثير من العراقيين، بالنظر إلى تاريخ البلد الحافل بمظاهر الفن والجمال العمراني الممتد منذ آلاف السنين.

بالنسبة إلى أليكس فون تانزيلمان، فإن "التماثيل ليست محايدة، ولا توجد في الفراغ"، كما تحاجج في كتابها "تماثيل متساقطة"، الذي خصصته للحديث عن 12 تمثالاً "صنعت التاريخ" وفق تعبيرها، ومن بين هذه التماثيل أشارت لتمثال صدّام حسين الشهير في ساحة "الفردوس" الذي تحول سقوطه عام 2003 إلى رمز لسقوط نظام حزب البعث.

تانزيلمان ترى أن "ما يحدد ردود أفعالنا تجاه التماثيل هو ما تمثله، ومَن رفعها، ومَن دافع عنها، ومَن قام بإسقاطها ولماذا؟ط فكل هذه العوامل "نحتاجها لفهم لماذا يشكّل انتصاب تمثال أو سقوط آخر أهمية أكثر من انتصاب أو سقوط تمثال آخر، ولماذا يختلف ردّ فعل الناس تجاه هذه الأصنام من ثقافة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر".

من هنا فإن بعض التماثيل التي تحمل معان سياسية أو ثقافية إشكالية، قد تثير الجدل أكثر من غيرها. أما في حالة "نصب الإصبع" وما أثير حوله، فكان مسألة مرتبطة بشكل أساسي بالقيمة الفنية، واعتبار نقابة الفنانين العراقيين أن هذا النصب "لا ينتمي إلى حضارة وادي الرافدين لا زماناً ولا مكاناً ولا يرمز إلى قيم ومعتقدات وتاريخ بغداد الحضارة ويخلو من القيم الفنية والجمالية الرصينة"، كما جاء في كتابها الذي وجهته إلى أمانة بغداد.

كما انتقد فنانون عراقيون "رداءة" بعض النصب الموضوعة في الساحات العامة العراقية، لانخفاض قيمتها الفنية كونها "تُصنع من مواد رديئة تجعلها غير قابلة للصمود أمام عوامل الزمن" على حدّ تعبيرهم.

وقبل أن تثير هذه الأعمال حفيظة المتخصصين والنقاد والفنانين، يسبق الرأي العام العراقي غالباً الجميع إلى إثارة الجدل حولها، وتحويل الكثير منها إلى مادة للسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي.

في عام 2014 مثلاً، أطلق مواطنون في البصرة لقب "الباذنجانة" على نصب فني يرمُز إلى النفط، بسبب شكله الذي يشبه ثمرة الباذنجان.

كما أطلق مواطنون في الناصرية على تمثال المرأة السومرية لقب "السعلوة"، لما اعتبروه "بشاعة في منظرها"، في إشارة إلى أسطورة "السعلوة" المستمدة من التراث الشعبي.

كما أثار تمثال في النجف يمثل أسداً سخرية مواطنين بسبب "تنفيذه السيء".

وإلى الجدل الفني والجمالي المتصل بالذوق العام، يخوض الجمهور مع كل حدث مماثل في مسألة الكلفة المالية لهذه الأعمال، التي كلف بعضها آلاف الدولارات، ما اعتبره مستخدون عراقيون في مواقع التواصل "باباً للفساد".

** FILE ** The toppled statue of Saddam Hussein is seen in Firdos Square downtown Baghdad in this April 9, 2003 file photo. The…
تماثيل ونصب صدّام بعد 20 عاماً على سقوطه.. "الاستذكار في مواجهة النسيان"
ينقل شامل عبد القادر في كتابه "قصة سقوط صدام حسين"، عن تمارة التكريتي، بنت الأخ غير الشقيق لصدام، إن "عمها صدام كان يزورها في المنزل كل يوم وكان قد حضر يوم 7 ابريل 2003 وكانت معنوياته عالية، وقال: "اطمئنوا فنحن سننتصر في هذه المنازلة". وأضافت أنه جاء إلى منزلهم يوم 9 ابريل، وكان يشاهد الأحداث عبر التلفاز ورأى الشعب العراقي وهو يسقط تمثاله بمساعدة المعدات الأميركية، وتألّم كثيراً وذهب ولم نره بعدها"

نقيب الفنانين العراقيين جبار جودي يشرح لـ"ارفع صوتك" أن ما أثير بسبب "نصب الإصبع" هو "مسألة فنية وجمالية وترتبط بالذوق العام لأن التمثال معروض في مكان على تماس مع الشارع، وإن كان واضعوه هم أصحاب فندق خاص في منطقة الجادرية".

جودي يرى أن "سمعة العراق الفنية تفرض على النقابة أن تلعب دورها في حماية الذوق العام والفن من الأعمال التي تفتقر إلى الحد الأدنى من القيم الفنية والجمالية".

قبل عام 2003 كانت هناك لجنة تهتم بهذه الأمور، وتعطي الأذونات لرفع التماثيل والنصب في الساحات العامة والشوارع، بحسب جودي، مبيّناً "اليوم من واجب أي أحد يريد أن يضع تمثالاً في مكان عام أو مكان خاص يتصل بالمجال العام أن يرجع إلى نقابة الفنانين بحسب توجيهات الأمانة العامة لمجلس الوزراء".

ويؤكد "كل الساحات العراقية يجب أن تعكس الإرث العراقي القيّم في مجال الفنون، لأن بلاد ما بين النهرين لديها حضارة تمتد إلى سبعة آلاف سنة، ويجب أن نحافظ دائماً على هذه الحضارة من خلال التنوع الفني فيها والحفاظ على المستوى العالي للأعمال الفنية".

ويشير جودي إلى أن النقابة "فتحت حواراً مع أصحاب الفندق الذين وضعوا نصب الإصبع، من أجل اتخاذ قرار يتعلق بإزالته والإعلان عن مسابقة لتصميم وتنفيذ النصب من خلال فنانين تشكيليين عراقيين معروفين بإنجازاتهم وتاريخهم الفني".