صورة تجمع أم كلثوم بجمال عبد الناصر الذي غنت لحركته أيضاً- تعبيرية
صورة تجمع أم كلثوم بجمال عبد الناصر الذي غنت لحركته أيضاً- تعبيرية

علاقة متناقضة جمعت بين المطربة المصرية أم كلثوم، وأفراد العائلة الهاشمية التي حكمت العراق، فبعد أن دعوها لغناء حفلين شهيرين، خرجت منهما بصداقة عددٍ كبير من أفراد الأسرة، على رأسهم الأميرة عبدية، كانت أم كلثوم من أوائل الذين باركوا ما أطلق عليه "ثورة ١٤ تموز" أو "الانقلاب العسكري" عام 1958، الذي أفضى إلى مقتل جميع أفراد العائلة من بينهم عبدية، وباستثناء الأميرة بديعة بنت الحسين.

الأميرة بديعة مع ابنها محمد- صورة من أرشيف موقع "تاريخ العراق"
الأميرة بديعة.. الناجية الوحيدة من العائلة الهاشمية التي حكمت العراق
بالرغم من أن الأميرة بديعة بنت الحسين لم تلعب أدواراً مؤثرة طيلة حُكم أسرتها الهاشمية للعراق، إلا أن التاريخ خلّد اسمها بعدما أنقذتها الصدفة وأنجتها من المجزرة الدموية التي أودت بعائلتها كلها، في أحداث ما يُسمى "ثورة" أو "انقلاب" 14 تموز/ يوليو 1958، التي أطاحت بالحكم الملكي في البلاد.

الزيارة الأولى: احتفاء مُبهِر

"بشرى عظمى نزفها إلى العراق أجمع.. الآنسة أم كلثوم في بغداد.. وستبدأ أولى حفلاتها في أوتيل الهلال"، بهذه الكلمات زفّت جريدة بغدادية نبأ وصول "كوكب الشرق" إلى العراق، خطوة وصفتها الصحافة العراقية حينها بـ"المقدم الميمون".

وكما هو متوقّع، حقّق ذلك الحفل نجاحًا ساحقًا ظلَّ العراقيون يتذكرونه لأيامٍ طويلة بعدها، وفي كتابه "شعراء بغداد من تأسيسها حتى اليوم" وصف علي الخاقاني زيارة أم كلثوم بأنها كانت "مهرجانًا فنيًا وموسمًا أدبيًا".

قضت أم كلثوم 33 يوما في العراق، أحيت خلالها عدة حفلات، وتسابق كبار الشعراء العراقيون على  مدح موهبتها الاستثنائية، منهم الشاعر معروف الرصافي الذي قال "اسمحي لي قبل الرحيل كلامًا.. ودعيني أموت فيكِ هيامًا"، بينما أنشد جميل الزهاوي "الفن روض أنيف غير مسؤوم... وأنتِ بلبله يا أم كلثوم".

صرّحت أم كلثوم لجريدة عراقية بسعادتها الكبيرة بما حظيت به من استقبال حافل في العراق، قائلة "أي شكر أستطيع أن أسديه إلى أهل العراق الكريم الذين طوقوا جيدي بقلائد المنن والتكريم، لقد كانوا ورثة أمة ملكت أكثر من نصف العالم وكانوا المثل الأعلى في الإقبال على الحفلات التي أحييتها تشجيعا للفن والموسيقى".

واختتمت "الست" حديثها للصحافة البغدادية قائلة: "سأعود إلى بلادي فخورة بما لقيت، حافظةً للعراق وأهله أجمل الذكرى وأطيب الأثر".

بعد عودتها إلى مصر حرصت أم كلثوم على توطيد دعائم علاقتها بالبيت الهاشمي، فأرسلت تهنئة للملك غازي بزواجه من ابنة عمه الأميرة عالية ابنة علي بن الحسين 1934، وكان لافتا عند تناول الخبر هو وضع كلثوم في صفٍّ واحد مع البرقيات التي أرسلها زعماء العالم للتهنئة بالزفاف مثل جورج الخامس ملك بريطانيا ورضا بهلوي شاه إيران وموسوليني زعيم إيطاليا، الأمر الذي يعكس المكانة الكبرى التي حظيت بها أم كلثوم في العراق الهاشمي.

استمرّت هذه العلاقة لفترة طويلة من الزمن، ما أكدته الأميرة بديعة في مذكراتها "وريثة العروش"، كاشفة أنها خلال زيارتها إلى الإسكندرية في أكتوبر 1944 كانت أم كلثوم "ضيفتهم الدائمة" لتناول القهوة على ساحل البحر.

وصفتها الأميرة بديعة قائلة "هي صديقة أختي الأميرة عبدية الشخصية ومطربتها المفضلة، كانت تستمع إلى أغانيها باستمرار وتتصل بها هاتفيا سواءً من بغداد أو من الإسكندرية، وتتبادلان الرسائل والصور والأحاديث".

 

زيارة ملكية في 1946

الزيارة الثانية كانت أكثر بهاءً ورسمية، حيث كانت بناءً على دعوة رسمية للاحتفال بعيد ميلاد الملك فيصل الثاني، لذا حظيت باستقبالٍ حكومي حافل منذ لحظة وصولها المطار.

بحسب كتاب "سنوات ما قبل الثورة" لصبري أبو المجد، فإن أم كلثوم بعثت رسالة إلى جريدة "روز اليوسف" المصرية، وصفت فيها حجم الاحتفاء المذهل الذي استقبلته بها بغداد، تقول: "أُرسلت الحكومة لاستقبالي وأيضا رجال المحاماة والطب والسفراء والشاعر الكبير معروف الرصافي ورجال الصحافة، قُدمت لي باقات الزهور وأُعدّت لي سيارة خاصة يعلوها العلم المصري صارت تشقُّ الطريق بين هتاف وتصفيق الجمهور".

وفقا لرسالة أم كلثوم، فإنها تحركت من المطار إلى القصر مباشرة حيث تناولت العشاء بصحبة "أعاظم العراق"، على حدّ تعبيرها، وفي اليوم التالي تناولت العشاء مع الملك فيصل وعدد كبيرٍ من "أصحاب الجلالة"، خطوة أسعدتها، فاختتمت رسالتها قائلة "شكرًا لله على نعمائه".

في قصر الرحاب، غنّت أم كلثوم "يا ليلة العيد" و"غنيلي شوي شوي" و"يا دجلة ميتك عنبر"، وقدّمت أداءً رفيعًا أثار إعجاب الملك فقرّر منحها وسام "لرافدين، الذي لا يُمنح إلا للرجال، لكن بسببها عُدّل القانون وكانت أول امرأة تتقلّده.

ووفقًا لكتاب "أطياف السنا في الألحان والغنا" لمحمد الطريحي، فإن وزيرًا عراقيًا نقل لـ"ٍيدة الغناء العربي"، رغبة الوصي عبدالإله في الاستماع لأغنية "وحقك أنتَ المُنى والطلب"، فيما طلب السياسي المخضرم نوري السعيد أغنية "أفديه إن حفظ الهوى"، لكنها اعتذرت لهما لأنها لم تتمرّن عليهما منذ فترة ولم تعد تتذكر بعض كلماتهما.

وبحسب الطريحي "حافظ العراقيون على عادتهم في الاحتفاء بوفود أم كلثوم شِعرا فأنشد الشيخ جواد الشبيبي قائلاً (قمرية الدوح يا ذات الترانيم.. مع النسور على ورد الردى حومي)، فيما قال محمد باقر الشبيبي (سلام أم كلثوم.. سلام أنت مصباحي.. لقد هيجتِ أحزاني.. كما هيجتِ أفراحي)".

أضفت تلك الزيارة المزيد من القوة في علاقة أم كلثوم بأغلب أفراد الأسرة الهاشمية حتى أنها وقفت في أكتوبر 1948 وراء ترشيح امرأة مصرية هي فايزة طرابلسي لتكون زوجةً للأمير عبدالإله الوصي على عرش العراق.

تقول الأميرة بديعة، في كتابها "وريثة العروش"، إنه عقب توقيع اتفاقية الهدنة مع إسرائيل زار الأمير الوصي الإسكندرية، وهناك عرّفته أم كلثوم بفائزة طرابلسي التي كانت "جميلة الوجه باسمة الثغر"، فنالت إعجاب الأميرتين بديعة وعبدية، وتمت الزيجة، التي استمرت عامين.

 

ظهور عبدالناصر

بحسب ما ورد في كتاب "عبدالناصر وأم كلثوم: علاقة خاصة جدًا" لحنفي المحلاوي، استمرت العلاقة القوية بين أم كلثوم والعائلة الملكية العراقية حتى عام 1949، أثبت ذلك ما جرى في حفلها (فبراير 1949)، حين قرّرت إهداء إحدى أغنياتها للملكة عالية زوجة الملك غازي وأم الملك فيصل الثاني، أما الأغنية الثانية فكانت من نصيب إحدى الأميرات المصريات.

تزامَن هذا الحفل مع استمرار حصار الجيش المصري في قرية الفالوجا الفلسطينية وحينها طالَب الضباط المُحاصَرون وعلى رأسهم جمال عبدالناصر من وزير الحربية المصري آنذاك محمد حيدر باشا بأن يُبلغ أم كلثوم، رغبتهم في سماع أغنيتها "غلبت اصالح روحي".

وبحسب رواية الصحافي مصطفى أمين، الصديق المقرّب لأم كلثوم، فإن هذا السبق أوقعها في حرج بسبب سابق وعدها لملكة العراق بإهداء الأغنية لها فابتكرت حلاً يُرضي به جميع الأطراف فغنّت "غلبت اصالح في روحي" بدلاً من الأغنية التي طلبتها الأميرة المصرية.
 

بعد هذه الواقعة بأربع سنوات، سيقود عبد الناصر "ثورة يوليو" التي أيّدتها أم كلثوم فوراً وسخّرت صوتها وشهرتها للترويج لها من المحيط إلى الخليج، بما تبنّته من سياسات معادية للأنظمة الملكية في دول الجوار وصدّرت أجندتها الثورية إلى ضباط الجيش العرب.

وكان أبرز نتائجها تنظيم "الضباط الأحرار" العراقي بقيادة عبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف، اللذين قادا "ثورة" ضد الملكية الهاشمية ابتدأت أحداثها بمجزرة دموية قضت على أغلب العائلة الهاشمية ومنهم صديقة أم كلثوم المقربة الأميرة عبدية.

رغم هذه المقتلة، فإن مصر اختارت أم كلثوم تحديداً للإعراب عن تأييدها الفوري لانقلاب الجيش العراقي، فأنشدت أغنية "بغداد يا قلعة الأسود" من أشعار محمود حسن إسماعيل، ثم أغنية "منصورة يا ثورة أحرار" للشاعر عبدالفتاح مصطفى، وكلا الأغنيتين من ألحان رياض السنباطي، وحققت الأغنية الأولى نجاحا كبيرا، حتى أنها اعتُبرت النشيد الوطني للثورة العراقية.

وعقب تنامي الخلافات بين عبدالناصر وعبدالكريم قاسم امتنعت أم كلثوم، عن الغناء للعراق إلا عند وقوع "حركة الشواف الانقلابية"، التي سعت للإطاحة بحُكم قاسم، فغنّت: "شعب العراق الحر ثار"، لكن الإذاعة المصرية لم تبثّها إلا مرات محدودة بسبب فشل حركة الشواف.

أثارت هذه الخطوة غضب الأميرة بديعة، التي كشفت في مذكراتها أن أم كلثوم "كانت تستعد لإحياء حفل زواج الملك فيصل الثاني 1958، لكنها بدلاً من ذلك غنّت لقاتليه!"

قالت الأميرة بديعة: "ربما ألتمس لها الأعذار في أنها لم تعزّني بمقتل صديقتها الأميرة عبدية، لكني لا أجد لها عُذراً في أنها غنّت لعبدالناصر قصيدة الجواهري في مدحه بعد مقتل أهلي، ولهذا انكمشت نفسي منها".

في مذكراتها أيضاً، كشفت الأميرة الراحلة، عن آخر لقاءٍ جمع بينها وأم كلثوم، وذلك حين تُوفيت أم فايزة طرابلسي طليقة الأمير عبدالإله عام 1961، خلال أداء الأميرة بديعة واجب العزاء. فوجئت بدخول أم كلثوم عليها المكان، فقرّرت الرحيل مباشرة لـ"عدم قُدرتها على البقاء ورؤية أم كلثوم" على حد وصفها.

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية تجمع بين العالمين المسلمين يوسف القرضاوي وعلي السيستاني
صورة تعبيرية تجمع بين العالمين المسلمين يوسف القرضاوي وعلي السيستاني

في العصور الوسطى، عرف المسلمون بعض الفنون التي تضمنت التمثيل بشكل أو بآخر، منها مسرح "خيال الظل" الذي ظهر في قصور أمراء العصر الفاطمي في القرن السادس الهجري، وفن "الأراجوز" الذي عُرف خلال العصرين الأيوبي والمملوكي وانتشر على نطاق واسع في العصر العثماني.

في القرن التاسع عشر الميلادي، بدأ التمثيل يأخذ مكانة مهمة في المجتمعات الإسلامية، باعتباره أحد الفنون المعروفة التي تمكنت من حصد إعجاب الجماهير.

في هذا السياق، اشتهرت أعمال السوري أبو خليل القباني، الذي يُعدّ أول من أسّس مسرحاً عربياً في دمشق، واللبناني مارون النقاش الذي مثّل أول رواية عربية عام 1848، والمصري عبد الله النديم الذي مثّل روايتي "الوطن" و"العرب" في مسرح "زيزينيا" بمدينة الإسكندرية وحضرها الخديوي إسماعيل.

على الرغم من كثرة الأعمال المسرحية والسينمائية والتلفزيونية التي قدمها الفنانون في العالم العربي، إلا أن النظرة العامة للتمثيل أُحيطت بالعديد من علامات الشك والارتياب من قبل علماء مسلمين ورجال دين عارضوا هذا الفن حتى أنهم أفتى بحُرمته.

في المقابل، كانت هناك فتاوى إسلامية أباحت التمثيل، والغناء أيضاً كما أسلفنا في مقال سابق نُشر على موقع "ارفع صوتك". 

 

الرفض: الرأي التقليدي

في كتابه "تاريخ آداب اللغة العربية"، عمل الأديب اللبناني جرجي زيدان على تفسير الرفض التقليدي لفن التمثيل في الأوساط الإسلامية، فقال إن "فن التمثيل من الفنون القديمة في قارة أوروبا منذ عهد اليونان، ونقل العرب في صدر الدولة العباسية علوم اليونان الطبيعية والفلسفية والرياضية، وتجاهلوا نقل أكثر آدابهم الأخلاقية، أو الشعرية والتاريخية، ومن جملتها التمثيل".

يفسر ذلك التجاهل بقوله "لعل السبب، تجافي المسلمين عن ظهور المرأة المسلمة على المسرح، فأزهر التمدن الإسلامي وأثمر وليس فيه ثمة تمثيل...".

بشكل عام، تعرض الممثلون والفنانون العرب للتجاهل والرفض بشكل واسع من قِبل المؤسسات الدينية الإسلامية لفترات طويلة من القرن العشرين. حيث أصدر بعض رجال الدين فتاواهم الرافضة لممارسة التمثيل، وعدّوه من "خوارم المروءة"، ومن أسباب سقوط الشهادة في المحاكم الشرعية.

يُعبر الشيخ السعودي بكر أبو زيد عن تلك الرؤية في كتابه "حكم التمثيل"، فيذكر أن التمثيل نوع من أنواع الكذب، ويستشهد بالحديث المنسوب للصحابي عبد الله بن مسعود "الكذب لا يصلح في جد ولا هزل، ولا يَعد أحدكم صبيّه شيئاً ثم لا يُنجزه"، يتابع بعدها "...وعليه فلا يمتري عاقل، أن (التمثيل) من أولى خوارم المروءة، ولذا فهو من مُسقِطات الشهادة قضاء، وما كان كذلك، فإن الشرع لا يُقرّه في جملته. ومن المسلمات أن التمثيل لا يحترفه أهل المروءات، ولا من له صفة تذكر في العقل والدين...".

الرأي نفسه، ذهب إليه المفتي الأسبق للمملكة العربية السعودية عبد العزيز بن باز. جاء في إحدى فتاواه: "...الذي يظهر لنا أن التمثيل من باب الكذب، التمثيل أنه يمثل عمر، أو يمثل أبا جهل، أو يمثل فرعون، أو يمثل النبي، كلها في ما نعلم وفي ما نفتي به أنها من الكذب، يكفي الآخرين ما كفى الأولين...".

جدارية تصور الشاعر العراقي مظفر النواب بريشة الفنانة العراقية وجدان الماجد على جدار خرساني في العاصمة بغداد.
من محمد عبده إلى كمال الحيدري.. فتاوى أباحت الرسم والنحت
عرفت فنون الرسم والتصوير والنحت حضوراً قوياً في الثقافة الأوروبية في العصور الوسطى، وتماشى هذا الحضور مع غلبة المعتقدات الدينية المسيحية التي لا ترى بأساً في تصوير الإنسان والكائنات الحية، على النقيض من ذلك، ظهرت معارضة قوية لتلك الفنون في البلاد الإسلامية.

 

تصاعد الجدل بين الممثلين ورجال الدين

شهدت العقود السابقة اشتعال الجدل بين الممثلين ورجال الدين بسبب عدد من الأعمال الفنية السينمائية والتلفزيونية. وكانت ظاهرة تمثيل الأنبياء والصحابة أحد أهم الأسباب المثيرة للجدل والنقاش بين الطرفين>

وفيما حاول الممثلون تجسيد الشخصيات الدينية الروحية الأكثر تأثيراً في أعمالهم، فإن رجال الدين المسلمين -على الجانب الآخر- رفضوا ذلك بشكل كامل، وأصروّا أن تبقى الشخصيات بعيدة عن أي تجسيد أو تمثيل للحفاظ على القداسة المرتبطة بها في الوجدان المسلم.

بشكل عام، تعود فكرة تجسيد الأنبياء بشكل درامي لفترة مبكرة من عمر الصناعة السينمائية في البلاد العربية. ففي عام 1926، عُرض على الممثل المصري يوسف بك وهبي تمثيل شخصية الرسول محمد من قِبل شركة إنتاج ألمانية- تركية.

وافق وهبي في البداية وانتشر الخبر في الصحف، حتى خرج الأزهر وهاجم المشروع. كتب وهبي في مذكراته أنه اعتذر عن بطولة العمل بعدما تلقى تهديداً من جانب الملك فؤاد ملك مصر -آنذاك- بالنفي والحرمان من الجنسية المصرية.

لا ننسى أن تلك الأحداث وقعت بعد سنتين فحسب من سقوط الدولة العثمانية، كان الملك فؤاد وقتها يسعى للحصول على لقب "الخليفة"، وكان من المهم بالنسبة له أن يظهر في صورة "المدافع عن الإسلام والنبي" ضد أي تشويه محتمل.

في خمسينيات القرن العشرين، جُسدت شخصيات بعض الصحابة درامياً. على سبيل المثال قدمت السينما المصرية فيلم "بلال مؤذن الرسول" سنة 1953، وفيلم "خالد بن الوليد" سنة 1958 من بطولة وإنتاج وإخراج الممثل المصري حسين صدقي. عُرف صدقي بتوجهاته الإسلامية في الفترة الأخيرة من حياته، وكان اختيار شخصية خالد بن الوليد تحديداً لتجسيدها في عمل سينمائي أمراً مفهوماً لما لتلك الشخصية من حضور طاغٍ في الثقافة الإسلامية السنيّة التقليدية.

تفجر الجدل مرة أخرى حول تجسيد شخصيات الصحابة في سبعينيات القرن العشرين. في تلك الفترة أُعلن الاتفاق على تصوير فيلم "الرسالة" بنسختيه العربية والإنجليزية للمخرج السوري مصطفى العقاد، واختيرت نخبة من الفنانين العرب والأجانب للمشاركة في تقديم هذا المشروع الضخم.

شاع حينها أن صناع العمل حصلوا على موافقة الأزهر، مما أثار رفضاً من جانب الكثير من رجال الدين. مثلاً، أرسل الشيخ السعودي عبد العزيز بن باز إلى شيخ الأزهر رسالة يستهجن فيها الموافقة على الفيلم، جاء فيها "من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المُكرم صاحب السماحة الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر… فإني أستغرب إقرار الأزهر لإخراج الفيلم المذكور؛ فإن كان ما نُسب إليه صحيحاً فإني أطلب من فضيلتكم العمل على سحب الفتوى الصادرة من الأزهر في هذا الشأن إن أمكن ذلك، أو إبداء رأيكم في الموضوع براءةً للذمة، وخروجاً من التبعة، وتعظيماً للنبي وأصحابه –رضي الله عنهم– وصيانةً لهم عن كل ما قد يؤدي إلى تنقصهم بوجه من الوجوه…".

تسببت ردود الأفعال الغاضبة في إعلان الأزهر رفضه مشروع الفيلم، فأصدر الشيخ عبد الحليم محمود بياناً وقعه معه مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة، ورد في نصّه: "نعلن عدم الموافقة على إنتاج فيلم بعنوان (محمد رسول الله) أو أي فيلم يتناول بالتمثيل-على أي وضع كان- شخصية الرسول- صلى الله عليه وسلم- أو شخصيات الصحابة- رضي الله عنهم".

علل البيان الرفض بأن تلك الأفلام "تحط من قدر هذه الشخصيات المقدسة في نظر المسلم".

استجاب الملك الحسن الثاني ملك المغرب الراحل لنداء الشيخ محمود ومنع تصوير الفيلم في المغرب، وتم استكمال التصوير بعدها في ليبيا بدعم من نظام الرئيس الليبي السابق معمر القذافي.

لم ينته الصدام بين الممثلين ورجال الدين عند هذا الحد. فعلى مدار السنوات الماضية، شهدت أروقة المحاكم وصفحات الجرائد وقائع الجدل المتصاعد حول العديد من الأعمال الفنية التي لم تحصل على موافقة الرقابة الأزهرية، منها فيلم "القادسية"، من إنتاج دائرة السينما والمسرح العراقية سنة 1981، الذي جسد شخصية الصحابي سعد بن أبي وقاص، وفيلم "المهاجر" 1994، الذي قيل إنه "يصور سيرة حياة النبي يوسف".

من جهة أخرى، اُتهم العديد من الممثلين بالدعوة لـ"إشاعة الفحشاء والإباحية والعُري" من قِبل بعض رجال الدين، وارتبطت تلك الاتهامات بظاهرة "حجاب واعتزال الفنانات" التي تصاعدت في حقبة الثمانينيات.

وقيل وقتها إن "وراء تلك الظاهرة جماعات إسلامية تدفع أموالاً طائلة للفنانات المحجبات مقابل حجابهن وابتعادهنّ عن الوسط الفني".

 

فتاوى أجازت التمثيل

شهدت السنوات الأخيرة حالة من الهدوء النسبي بين رجال الدين والممثلين، وصدرت العديد من الفتاوى التي أباحت العمل بالتمثيل. من تلك الفتاوى، التي أصدرها الشيخ السعودي ابن عثيمين اعتماداً على أن هذا النوع من الفن من الأمور الخارجة عن العبادات الشرعية "...والأصل في غير العبادات الحل والإباحة، وهذا من فضل الله عز وجل: أن يسر على العباد ما لم يحرمه عليهم، فإذا كان الأصل الحل، فإنه لا بد من إقامة الدليل على التحريم..."، وفق تعبيره.

نشر الشيخ المصري يوسف القرضاوي مضمون الحكم نفسه على موقعه الإلكتروني، وذلك عندما أجاب على سؤال من إحدى شركات الإنتاج الفني حول حكم تقديم مسلسل عن الصحابي خالد بن الوليد، فقال "...قد أصبح التمثيل في عصرنا من مميزات الحياة المعاصرة، وأصبحت له معاهده وكلياته وخريجوه، وصار له عشاقه ومريدوه، وغدت له صور شتّى في المسرح وفي الأفلام وفي المسلسلات وغيرها. كما غدا يطرق أبواب الحياة الفردية والأسرية والاجتماعية والسياسية والدولية وغيرها. وأمسى له تأثيراته الهائلة في حياة الناس إيجاباً وسلباً... واستقر الأمر على جواز التمثيل بصفة عامة، إذا كان من ورائه عظة وعبرة للناس، ولم يشتمل على منكر يُحرمه الشرع، من قول أو فعل، أو مشهد...".

في السياق ذاته، أفتى علي جمعة، مفتي الديار المصرية السابق بأن التمثيل في حد ذاته ودراسته واستعماله من أجل إيصال الخير للناس "لا بأس به". ك

ما قال الداعية الإسلامي المصري خالد الجندي، إن "الفن بشكل عام، ومهنة التمثيل خاصة، ليست حراماً، إذا كان في النطاق المقبول والمحترم والهادف، لأن الفن رسالة قيّمة، إذا تم استخدامها بشكل صحيح".

وتابع أن التمثيل "جزء وأداة من أدوات الفن، وتعريف التمثيل، هو ضرب المثل، وهذا الضرب مذكور في القرآن، حيث قال الله تعالى "ويضرب الله الأمثال للناس"، وعندما وصف الله نوره، ضرب مثلاً أيضاً عندما قال في كتابه "مثل نوره كمشكاة"، وأن "الله عندما كان يرسل الملائكة إلى الرسل، كانت تتجسد في شكل البشر، مثل سيدنا جبريل، عندما نزل على سيدنا محمد".

يبدو موقف رجال الدين من التمثيل أكثر قبولاً في الأوساط الشيعية. على سبيل المثال، أجاب المرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني على سؤال حول حكم التمثيل الفني في المسرح أو التلفزيون بكونه "حلالاً".

كما أباح تمثيل دور المرأة بواسطة الرجل ولم ير أن ذلك التمثيل يدخل في باب التشبيه المنهي عنه في الحديث "لَعنَ رسُولُ اللَّهِ المُتَشبِّهين مِن الرِّجالِ بِالنساءِ، والمُتَشبِّهَات مِن النِّسَاءِ بِالرِّجالِ".

من جهة أخرى، أفتى السيستاني بجواز تجسيد الأنبياء على الشاشة بشرط مراعاة "مستلزمات التعظيم والتبجيل"، وعدم اشتماله "على ما يسيء إلى صورهم المقدسة في النفوس".