علاقة متناقضة جمعت بين المطربة المصرية أم كلثوم، وأفراد العائلة الهاشمية التي حكمت العراق، فبعد أن دعوها لغناء حفلين شهيرين، خرجت منهما بصداقة عددٍ كبير من أفراد الأسرة، على رأسهم الأميرة عبدية، كانت أم كلثوم من أوائل الذين باركوا ما أطلق عليه "ثورة ١٤ تموز" أو "الانقلاب العسكري" عام 1958، الذي أفضى إلى مقتل جميع أفراد العائلة من بينهم عبدية، وباستثناء الأميرة بديعة بنت الحسين.
الزيارة الأولى: احتفاء مُبهِر
"بشرى عظمى نزفها إلى العراق أجمع.. الآنسة أم كلثوم في بغداد.. وستبدأ أولى حفلاتها في أوتيل الهلال"، بهذه الكلمات زفّت جريدة بغدادية نبأ وصول "كوكب الشرق" إلى العراق، خطوة وصفتها الصحافة العراقية حينها بـ"المقدم الميمون".
وكما هو متوقّع، حقّق ذلك الحفل نجاحًا ساحقًا ظلَّ العراقيون يتذكرونه لأيامٍ طويلة بعدها، وفي كتابه "شعراء بغداد من تأسيسها حتى اليوم" وصف علي الخاقاني زيارة أم كلثوم بأنها كانت "مهرجانًا فنيًا وموسمًا أدبيًا".
قضت أم كلثوم 33 يوما في العراق، أحيت خلالها عدة حفلات، وتسابق كبار الشعراء العراقيون على مدح موهبتها الاستثنائية، منهم الشاعر معروف الرصافي الذي قال "اسمحي لي قبل الرحيل كلامًا.. ودعيني أموت فيكِ هيامًا"، بينما أنشد جميل الزهاوي "الفن روض أنيف غير مسؤوم... وأنتِ بلبله يا أم كلثوم".
صرّحت أم كلثوم لجريدة عراقية بسعادتها الكبيرة بما حظيت به من استقبال حافل في العراق، قائلة "أي شكر أستطيع أن أسديه إلى أهل العراق الكريم الذين طوقوا جيدي بقلائد المنن والتكريم، لقد كانوا ورثة أمة ملكت أكثر من نصف العالم وكانوا المثل الأعلى في الإقبال على الحفلات التي أحييتها تشجيعا للفن والموسيقى".
واختتمت "الست" حديثها للصحافة البغدادية قائلة: "سأعود إلى بلادي فخورة بما لقيت، حافظةً للعراق وأهله أجمل الذكرى وأطيب الأثر".
بعد عودتها إلى مصر حرصت أم كلثوم على توطيد دعائم علاقتها بالبيت الهاشمي، فأرسلت تهنئة للملك غازي بزواجه من ابنة عمه الأميرة عالية ابنة علي بن الحسين 1934، وكان لافتا عند تناول الخبر هو وضع كلثوم في صفٍّ واحد مع البرقيات التي أرسلها زعماء العالم للتهنئة بالزفاف مثل جورج الخامس ملك بريطانيا ورضا بهلوي شاه إيران وموسوليني زعيم إيطاليا، الأمر الذي يعكس المكانة الكبرى التي حظيت بها أم كلثوم في العراق الهاشمي.
استمرّت هذه العلاقة لفترة طويلة من الزمن، ما أكدته الأميرة بديعة في مذكراتها "وريثة العروش"، كاشفة أنها خلال زيارتها إلى الإسكندرية في أكتوبر 1944 كانت أم كلثوم "ضيفتهم الدائمة" لتناول القهوة على ساحل البحر.
وصفتها الأميرة بديعة قائلة "هي صديقة أختي الأميرة عبدية الشخصية ومطربتها المفضلة، كانت تستمع إلى أغانيها باستمرار وتتصل بها هاتفيا سواءً من بغداد أو من الإسكندرية، وتتبادلان الرسائل والصور والأحاديث".
زيارة ملكية في 1946
الزيارة الثانية كانت أكثر بهاءً ورسمية، حيث كانت بناءً على دعوة رسمية للاحتفال بعيد ميلاد الملك فيصل الثاني، لذا حظيت باستقبالٍ حكومي حافل منذ لحظة وصولها المطار.
بحسب كتاب "سنوات ما قبل الثورة" لصبري أبو المجد، فإن أم كلثوم بعثت رسالة إلى جريدة "روز اليوسف" المصرية، وصفت فيها حجم الاحتفاء المذهل الذي استقبلته بها بغداد، تقول: "أُرسلت الحكومة لاستقبالي وأيضا رجال المحاماة والطب والسفراء والشاعر الكبير معروف الرصافي ورجال الصحافة، قُدمت لي باقات الزهور وأُعدّت لي سيارة خاصة يعلوها العلم المصري صارت تشقُّ الطريق بين هتاف وتصفيق الجمهور".
وفقا لرسالة أم كلثوم، فإنها تحركت من المطار إلى القصر مباشرة حيث تناولت العشاء بصحبة "أعاظم العراق"، على حدّ تعبيرها، وفي اليوم التالي تناولت العشاء مع الملك فيصل وعدد كبيرٍ من "أصحاب الجلالة"، خطوة أسعدتها، فاختتمت رسالتها قائلة "شكرًا لله على نعمائه".
في قصر الرحاب، غنّت أم كلثوم "يا ليلة العيد" و"غنيلي شوي شوي" و"يا دجلة ميتك عنبر"، وقدّمت أداءً رفيعًا أثار إعجاب الملك فقرّر منحها وسام "لرافدين، الذي لا يُمنح إلا للرجال، لكن بسببها عُدّل القانون وكانت أول امرأة تتقلّده.
ووفقًا لكتاب "أطياف السنا في الألحان والغنا" لمحمد الطريحي، فإن وزيرًا عراقيًا نقل لـ"ٍيدة الغناء العربي"، رغبة الوصي عبدالإله في الاستماع لأغنية "وحقك أنتَ المُنى والطلب"، فيما طلب السياسي المخضرم نوري السعيد أغنية "أفديه إن حفظ الهوى"، لكنها اعتذرت لهما لأنها لم تتمرّن عليهما منذ فترة ولم تعد تتذكر بعض كلماتهما.
وبحسب الطريحي "حافظ العراقيون على عادتهم في الاحتفاء بوفود أم كلثوم شِعرا فأنشد الشيخ جواد الشبيبي قائلاً (قمرية الدوح يا ذات الترانيم.. مع النسور على ورد الردى حومي)، فيما قال محمد باقر الشبيبي (سلام أم كلثوم.. سلام أنت مصباحي.. لقد هيجتِ أحزاني.. كما هيجتِ أفراحي)".
أضفت تلك الزيارة المزيد من القوة في علاقة أم كلثوم بأغلب أفراد الأسرة الهاشمية حتى أنها وقفت في أكتوبر 1948 وراء ترشيح امرأة مصرية هي فايزة طرابلسي لتكون زوجةً للأمير عبدالإله الوصي على عرش العراق.
تقول الأميرة بديعة، في كتابها "وريثة العروش"، إنه عقب توقيع اتفاقية الهدنة مع إسرائيل زار الأمير الوصي الإسكندرية، وهناك عرّفته أم كلثوم بفائزة طرابلسي التي كانت "جميلة الوجه باسمة الثغر"، فنالت إعجاب الأميرتين بديعة وعبدية، وتمت الزيجة، التي استمرت عامين.
ظهور عبدالناصر
بحسب ما ورد في كتاب "عبدالناصر وأم كلثوم: علاقة خاصة جدًا" لحنفي المحلاوي، استمرت العلاقة القوية بين أم كلثوم والعائلة الملكية العراقية حتى عام 1949، أثبت ذلك ما جرى في حفلها (فبراير 1949)، حين قرّرت إهداء إحدى أغنياتها للملكة عالية زوجة الملك غازي وأم الملك فيصل الثاني، أما الأغنية الثانية فكانت من نصيب إحدى الأميرات المصريات.
تزامَن هذا الحفل مع استمرار حصار الجيش المصري في قرية الفالوجا الفلسطينية وحينها طالَب الضباط المُحاصَرون وعلى رأسهم جمال عبدالناصر من وزير الحربية المصري آنذاك محمد حيدر باشا بأن يُبلغ أم كلثوم، رغبتهم في سماع أغنيتها "غلبت اصالح روحي".
وبحسب رواية الصحافي مصطفى أمين، الصديق المقرّب لأم كلثوم، فإن هذا السبق أوقعها في حرج بسبب سابق وعدها لملكة العراق بإهداء الأغنية لها فابتكرت حلاً يُرضي به جميع الأطراف فغنّت "غلبت اصالح في روحي" بدلاً من الأغنية التي طلبتها الأميرة المصرية.
بعد هذه الواقعة بأربع سنوات، سيقود عبد الناصر "ثورة يوليو" التي أيّدتها أم كلثوم فوراً وسخّرت صوتها وشهرتها للترويج لها من المحيط إلى الخليج، بما تبنّته من سياسات معادية للأنظمة الملكية في دول الجوار وصدّرت أجندتها الثورية إلى ضباط الجيش العرب.
وكان أبرز نتائجها تنظيم "الضباط الأحرار" العراقي بقيادة عبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف، اللذين قادا "ثورة" ضد الملكية الهاشمية ابتدأت أحداثها بمجزرة دموية قضت على أغلب العائلة الهاشمية ومنهم صديقة أم كلثوم المقربة الأميرة عبدية.
رغم هذه المقتلة، فإن مصر اختارت أم كلثوم تحديداً للإعراب عن تأييدها الفوري لانقلاب الجيش العراقي، فأنشدت أغنية "بغداد يا قلعة الأسود" من أشعار محمود حسن إسماعيل، ثم أغنية "منصورة يا ثورة أحرار" للشاعر عبدالفتاح مصطفى، وكلا الأغنيتين من ألحان رياض السنباطي، وحققت الأغنية الأولى نجاحا كبيرا، حتى أنها اعتُبرت النشيد الوطني للثورة العراقية.
وعقب تنامي الخلافات بين عبدالناصر وعبدالكريم قاسم امتنعت أم كلثوم، عن الغناء للعراق إلا عند وقوع "حركة الشواف الانقلابية"، التي سعت للإطاحة بحُكم قاسم، فغنّت: "شعب العراق الحر ثار"، لكن الإذاعة المصرية لم تبثّها إلا مرات محدودة بسبب فشل حركة الشواف.
أثارت هذه الخطوة غضب الأميرة بديعة، التي كشفت في مذكراتها أن أم كلثوم "كانت تستعد لإحياء حفل زواج الملك فيصل الثاني 1958، لكنها بدلاً من ذلك غنّت لقاتليه!"
قالت الأميرة بديعة: "ربما ألتمس لها الأعذار في أنها لم تعزّني بمقتل صديقتها الأميرة عبدية، لكني لا أجد لها عُذراً في أنها غنّت لعبدالناصر قصيدة الجواهري في مدحه بعد مقتل أهلي، ولهذا انكمشت نفسي منها".
في مذكراتها أيضاً، كشفت الأميرة الراحلة، عن آخر لقاءٍ جمع بينها وأم كلثوم، وذلك حين تُوفيت أم فايزة طرابلسي طليقة الأمير عبدالإله عام 1961، خلال أداء الأميرة بديعة واجب العزاء. فوجئت بدخول أم كلثوم عليها المكان، فقرّرت الرحيل مباشرة لـ"عدم قُدرتها على البقاء ورؤية أم كلثوم" على حد وصفها.
