صورة مركبة للصحافية والكاتبة الهولندية يوديت نورينك، إلى جانب غلاق كتابها "العروس اليهودية"
صورة مركبة للصحافية والكاتبة الهولندية يوديت نورينك، إلى جانب غلاق كتابها "العروس اليهودية"

أقامت الصحافية والكاتبة الهولندية يوديت نورينك، لسنوات طويلة في كردستان العراق، حيث عملت بشكل رئيسي ضمن فرق وسائل إعلام هولندية وبلجيكية.

وألفت يوديت عددا من الكتب حول العراق، أهمها "العروس اليهودية". وتروي فيه قصة عائلة يهودية اضطرت لمغادرة العراق مكرهة مخلفة وراءها جنسيتها وممتلكاتها.

في مقابلة مع "ارفع صوتك"، تحاول يوديت اختصار 11 عاما قضتها في بلاد الرافدين، معربة عن "امتنانها لسنوات جعلتها أكثر ثراءً من حيث المعرفة والثقافة والفكر والصداقات التي كونتها مع أشخاص تفتقدهم كل يوم"، وفق تعبيرها. 

 

على مدى سنوات، عايشت فترات حاسمة من تاريخ العراق، فكيف تغيّر بنظرك؟

أقمت في العراق لمدة 11 عاماً واليوم، مضى أربعة أعوام منذ غاردتها. ولأكون صادقة، غادرت البلاد بسبب ما شعرت به من سلبية تحفزها الأحداث. أحزنني أنني لم ألمس أي تطور على الإطلاق وشعرت بالخيبة إزاء ردة فعل الجماهير من الفساد وعدم بذلهم كما ظهر لي الجهد الكافي لتغيير الوضع.

سافرت إلى العراق عام 2008 من أجل تطوير مركز إعلامي، وكنت مدفوعة برغبتي بتطوير الديمقراطية في البلاد، ذلك التفكير الغربي الساذج بعض الشيء، لأن تطور الديمقراطية استغرق في الغرب نفسه قروناً، ومن ثم هناك ذلك السؤال الذي يطرح: هل الديمقراطية كما طورناها في الغرب تصلح للشعوب في دول مثل العراق ولبنان؟ هناك الكثير من الإيجابيات والسلبيات.

وفي العراق، شعرت بسلبية إلى حد ما، وكان من الجيد أن أبتعد قليلا وأتخذ مسافة من كل المشاعر ومن كل ما رأيته كي أتمكن من رؤية الصورة الأكبر. ومع ذلك، خرجت من العراق ولا بد من أن أقول أني معجبة بالعراقيين مثلما أنا معجبة باللبنانيين وبالطريقة التي ينجحون فيها دائما بالنهوض بعض كل سقطة وبمحاولة البقاء على قيد الحياة.  

 

ما الصور التي تراود ذهنك عندما تفكرين بالعراق؟

الضيافة هي أول ما يتبادر إلى ذهني حين أفكر بأيامي في العراق. أينما حللت أو ذهبت في رحلاتي ومقابلاتي، كان يغمرني كرم الضيافة، هذا الكرم الذي لا يمكن مبادلته إلا بالقبول، فعندما يعرض عليك شيء لا يمكنك رفضه.

شعرت أن في هذه الضيافة ما هو جميل وما هو معقّد نوعاً ما، كأن أبحث مثلا عن عذر لعدم الذهاب لغداء بينما موعد الطعام بالنسبة لي يتزامن بعد ساعات، ثم هناك الكرم الجميل الذي يبقى راسخا في ذكرياتك.

أذكر أني زرت شيخاً ذات يوم وكانت عائلته تعاني بشدة من ممارسات داعش. لفتتني بيده السبحة ومضيت أتأملها، إذ أعجبتني كثيرا ونسيت لبرهة أن موقفي هذا سيعني أني لن أعود للبيت دون أن ترافقني كهدية. 

كنت أجمع السبحات من مختلف الأشكال والديانات، وبالفعل، لم أغادر بيت الشيخ دونها وها هي اليوم معلقة على الجدار مع مجموعتي كتذكار لمعاملة لطيفة جدا. 

 

ما الذي دفعك لسرد قصة يهود العراق؟

حكاية يهود العراق كانت مجهولة تماما بالنسبة لي، حيث لم أكن أعرف أنهم تواجدوا بأعداد كبيرة في البلاد ولعبوا دورا مهما.

حين أقمت هناك، اكتشفت تراثهم بالصدفة، وكنت محظوظة للغاية لأن أحد زملائي الأكراد كان مهتما بهذا الموضوع أيضاً. قمنا سويا بزيارة أماكن سكنها اليهود وتمكنت من العثور على عائلة كردية لا تزال تتكلم لغة قديمة، وزاد فضولي كلما وجدت أثرا وبدأت بالبحث عن المزيد.

أدى كل ذلك لتأليفي كتاب "العروس اليهودية"، ونشرته باللغة الإنجليزية والهولندية وأنتظر نشر النسخة العربية. بالطبع، الكتاب من نسج خيالي لكنه مبني على بعض القصص الحقيقية التي اكتشفتها خلال البحث والاتصالات التي أجريتها، كما يستند إلى حد كبير للتاريخ كما فهمته.

من المثير للاهتمام أن العديد من الناس من الجيل الأكبر سنا يشعرون بالأسف حقاً لأن اليهود غادروا في السبعينيات، وسررت بالتعرف على بعض من آخر اليهود المغادرين من بغداد.

حاولت زيارة واحد منهم على الأقل، لكن ذلك لم يكن سهلاً دائمًا. هذا يبعث شعوراً بضياع التراث، وهكذا أصبح بحثي بحثا شخصيا وشيئا كان علي فعله حقا وأظهره لأشخاص لم يسمعوا ربما أبدا عن يهود العراق.

وأنا سعيدة جداً لأن الكتاب لا يزال يُباع باللغة الألمانية وباللغة الإنجليزية على موقع أمازون والكردية في كردستان وأتمنى أن تجد الترجمة العربية موطناً أيضاً، لأن هناك الكثيرين ممن لا يدرون عن هذه الفترة المهمة من التاريخ.

 

في رحلة بحثك، ماذا اكتشفت عن يهود العراق ومجالات عملهم؟

يقدم يهود العراق مثالا لما تشعر به الأقليات اليوم. بمجرد أن أفكر بهم، تتبادر إلى ذهني قصص المسيحيين في العراق لأنهم قالوا في الوقت الحالي "إننا يهود العراق من قبل، نفقد تأثير الأشخاص ونشعر بالتهديد".

اليهود والمسيحيون والأيزيديون ومجموعات أخرى لطالما عاشت إلى جانب المسلمين، لكنها بقيت مغلقة على نفسها على الرغم من تبادل الزيارات. كانت تقاليد اليهود صارمة للغاية من حيث المعنى والأعياد الدينية، إذ كانوا محافظين وإلى حد كبير مجموعة تعتني ببعضها البعض.

في الوقت نفسه لعبوا دورا كبيرا على سبيل المثال في بغداد. في مجال التمويل، كانت معظم الموارد المالية قبل الخمسينيات تمر عبر البنوك اليهودية والمستشارين الماليين اليهود، كما لعبوا دورا غاية في الأهمية في التجارة وفي الكثير من المهن والحرف الأخرى مثل تجارة الذهب وصناعة المجوهرات وكانوا جزءا كبيرا من نسيج المجتمع.

لذلك، في لحظة رحيلهم، تركوا فراغا كبيرا، ما زال حاضراً، خصوصا أن بعض اليهود الذين غادروا العراق شغلوا مناصب رفيعة وكانوا أطباء ومحامين وما إلى ذلك.

لا بد أنه لم يسهل ملء هذا الفراغ وأدركت الحكومة ذلك مع مغادرة الآلاف الأوائل في الخروج بموجب قانون إسقاط الجنسية عن اليهود عام 1950، الذي يسمح لهم بمغادرة العراق إذا تخلوا عن الجنسية العراقية وتركوا جميع ممتلكاتهم.

وبينما وجد الكثيرون طرقاً لتهريب أموالهم، خشي آخرون أنهم ما عادوا محطّ ترحيب، فاضطروا إلى المغادرة مخلفين ممتلكاتهم، ومنهم من أعطاها للأصدقاء والأقارب مع الإشارة إلى اختلاف الوضع بين المدن. ففي أربيل، وجدت أن الكثير من العقارات لا تزال مملوكة لأصحابها الأصليين على الرغم من أن آخرين يقيمون فيها، حيث يستفيد أصحابها من حساب خاص تُجمع فيه الإيجارات.

 

هل من مكان ليهود العراق في الذاكرة الجماعية؟

بالنسبة للذاكرة الجماعية، أعتقد أن وقتا طويلا جدا قد مضى على وجودهم ورحل آخرهم في السبعينيات وفي التسعينيات. هناك أجيال من العراقيين أبصرت النور دون معرفة أي شيء عن اليهود وتقاليدهم. اختفت القصص عنهم... ولهذا أشعر أن كتابي يحتاج إلى مكانه للمساعدة في إعادة الاهتمام.

قابلت مؤرخين اثنين أبديا اهتماماً كبيرا، لكنهما لا يجدان الكثير من المعلومات، وخلال فترة حكم صدام حسين اختفت الكثير من الآثار؛ لذلك ليس من السهل فهم ما حدث بالضبط. 

 

كيف كانت تجربتك كشاهدة على صعود داعش؟

مع وصول داعش، اختبرنا فترة صعبة. أذكر الثالث من أغسطس، حين دخل التنظيم منطقة سنجار، التي تعد منطقة تاريخية للأقلية الأيزيدية، ليقتل ويختطف الآلاف من الأيزيديين.

توليت نقل القصص مع أني لست مراسلة حرب، فتحدثت عن قصص نساء اختطفن وتمكنّ من الفرار.

عندما سيطر تنظيم داعش على ثلث العراق كان الأمر صادمًا، حيث فقدنا الشعور بالأمان. كيف لمجموعة من المتطرفين أن تفرض إرادتها على الملايين من الناس؟ بذلت جهدا لأفهم ردود فعل الناس، وحاولت أن أفهم كيف يتجهون للتطرف.

لقد كانت فترة تسودها الغرابة، ولم نعد نعرف أين موطن الخطر والصورة كانت تزداد قتامة.

والآن بعد مضي تسع سنوات، لا يزال آلاف الأيزيديين عاجزين عن العودة إلى ديارهم لأسباب سياسية وعسكرية، وما زالوا عالقين في المعسكرات.

ينطبق الشيء نفسه على عائلات مقاتلي داعش، خصوصاً أن بعضها لم ترغب بمشاركة رجالها ضمن صفوف، لكن لا يمكنهم العودة أيضاً لأنهم مكروهون ولا تستطيع الحكومة مساعدتهم.

بعد العراق، لم أستطع بسهولة تخطي الصدمات التي عشتها، واستغرق الأمر عامين منّي واحتجت للاستشارة النفسية، كي أتمكن من التعايش مع الواقع. الأمر لم يكن سهلاً إطلاقاً!

مواضيع ذات صلة:

ina.iq
الراحل يُعدّ من أبرز الكتّاب المهتمين في مجال الثقافة الشعبية والفلكلور والدراسات التراثية في العراق | Source: ina.iq

توفي الكاتب باسم عبد الحميد حمودي، أحد أبرز الأسماء في مجال الأدب الشعبي والتراثي العراقي، الجمعة عن 87 عاماً، بعد مسيرة طويلة عكست خلالها أعماله اهتماماً كبيراً بالثقافة الشعبية والفلكلور.

ونعى رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني والاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق، الذي كان حمودي عضواً فيه، في بيان "رحيل الناقد والباحث القدير باسم عبد الحميد حمودي الذي فارق الحياة فجر الجمعة عن 87 عاما بعد مسيرة حافلة بالعلم والثقافة والمنجزات في مجال الفلكلور".

ويُعدّ حمودي المولود في بغداد عام 1937، من أبرز الكتّاب المهتمين في مجال الثقافة الشعبية والفلكلور والدراسات التراثية، وارتبطت مؤلفاته بدراسات الحياة الشعبية والعادات والتقاليد، مستفيداً من تنقله المستمر بين المدن التي عمل فيها مدرّساً.

بدأ اهتمام حمودي في مجال النشر في منتصف خمسينات القرن العشرين في جريدة "المجتمع" البغدادية. وبسبب النقص في المجلات العراقية آنذاك، اضطر لنشر كتاباته في مجلة "الأديب" في بيروت، وكانت تتصل كلها بالتراث الشعبي.

وعُيّن حمودي منتصف الثمانينيات رئيساً لتحرير مجلة "التراث الشعبي"، ومن أبرز مؤلفاته "سحر الحقيقة"، وكتاب "تغريبة الخفاجي عامر العراقي" الذي أُعيد طبعه في القاهرة عام 2000، و"شارع الرشيد"، و"عادات وتقاليد الحياة الشعبية العراقية".

وواصل الباحث والأديب الراحل عمله الصحافي منذ عام 2003 وحتى عام 2018 في صحيفة "المدى"، وواظب على نشر مقالات أسبوعية حتى أيامه الاخيرة في صحيفة "الصباح".