شغفَ المستشرق الفرنسي لويس ماسنيون بالحسين بن المنصور الحلاّج، الشاعر الصوفي الشهير، وعمل على ترجمة شعره وسيرة حياته>
واستعرض ماسنيون الامتداد الروحي للحلاج الذي يجعله يحيى في الذاكرة حتى بعد قرون على وفاته، بقوله، إن "دم الحلاج يعتبر بذرة روحية تضمن استمرار الإلهام لمحبّيه. وأقواله ترسم له حياة بعد موته، ذات طابع حضاري عميق".
في ذلك ربما تفسير لاستمرار أشعار الحلّاج بالتداول على الألسنة حتى يومنا هذا، خصوصاً عبر الغناء، حيث شكّلت مادة لأعمال موسيقية عربية، اختار عبرها فنّانون وفنّانات عرب أن يلحّنوا هذه القصائد ويغنّوها، وتنتشر بشكل كبير بين مختلف الأجيال والجماهير المتنوعة ثقافياً.
من المعروف أن الصوفية ترتبط بالموسيقى والرقص في عمقها، وفي هذا المجال يقول جلال الدين الرومي كما ينقل عنه محمد فيّاض في كتابه "تاريخ التصوّف الإسلامي"، إن "ثمة طرق كثيرة توصل إلى الله أما أنا فقد اخترت طريق الرقص والموسيقى".
ويؤدي دراويش هذه الطريقة، الذِكر، مصحوباً بالرقص والموسيقى. وحرص صوفيو آسيا الصغرى، بحسب فيّاض، على أن يكون الغناء والموسيقى جزءاً لا ينفصل عن حلقات ذكرهم ومجالس تصوفهم.
لا غرابة إذن من اقتران أشعار الحلّاج بالموسيقى، ولا عجب أن تكون قريبة من أذن المستمعين، بسبب مواضيعها التي تمسّ غالباً أحاسيسهم وأرواحهم، خصوصاً مع مصاحبتها ألحاناً تواكبها إلى آذان المستمعين.
ولا يقتصر الأمر على معتنقي الصوفية، بل يتجاوز غناء كلمات الحلّاج حدود الصوفية ليلمس جمهوراً أوسع من فئات مختلفة، بعضها لا تربطه بالصوفية أي صلة تُذكر.
وجعل فنانون مشهورون كلمات الحلّاج مادة لأغنياتهم، ونقلوها إلى جمهورهم الذي أحبها، وكثيرون لا يعرفون صاحبها ولا خلفياته، ولا يربطون بينها وبين الصوفية. فيظن العديد منهم، مثلاً، أن "يا نسيم الريح قولي للرشا/ لم يزدني الورد إلا عطشا" من قصيدة الحلاّج التي لحّنها وغنّاها الفنان مارسيل خليفة، أغنية عاطفية يتوجه بها حبيب إلى حبيبته، ولا يدركون معناها الصوفي إذا لم يطّلعوا على هوية كاتبها وسيرته المأسوية التي انتهت به قتيلاً على يد الدولة العباسية لاتهامه بالزندقة والإلحاد.
الفنان العراقي كاظم الساهر غنّى أبياتاً عديدة من قصائد الحلّاج، لاقت رواجاً كبيراً بين جمهوره، مثل "رأيتُ ربي بعين قلبي"، و"عجبتُ منك ومنّي"، وقصيدة "والله ما طلعت شمس ولا غربت" الشهيرة، وكل هذه القصائد لحنها الساهر وغنّاها، ونالت مئات آلاف المشاهدات على موقع "يوتيوب" وحده.
ويحرص الساهر على تقديم كاتب القصائد قبل غنائها، فيقول إنها من كلمات الحلاّج حينما يغنيها على المسرح.
مثله يفعل الفنان التونسي ظافر يوسف، إذ يحضر الحلاج في أعماله بشكل كبير، خصوصاً أنه يمزج بين موسيقى الجاز والأسلوب الصوفي في الغناء.
واختار قصائد مثيرة للجدل من أعمال الحلاج، أبرزها "كفرت بدين الله" التي تسببت ليوسف بمشكلة في مهرجان قرطاج، بالإضافة إلى قصيدة "اقتلوني يا ثقاتي".
يلتزم الفنان السوري بشّار زرقان بنمط الغناء الروحاني، ولهذا فإنه وجد في القصائد الصوفية ما يلائم نمطه في التلحين المعتمد على إيقاع الكلمات ذاتها داخل القصيدة، ليخرجها مع الموسيقى في "بنية عضوية واحدة"، كما يحاول هو أن يشرحها في إحدى المقابلات الصحافية معه. يقول "هناك مقاطع شعرية أحسّ أن موسيقاها في الكلمات، لذلك لم أستطع أن أضيف إليها سوى الإلقاء".
ولهذا فإن الحلاّج حاضر في أعمال زرقان، حيث قدّم أمسيات موسيقية حملت عناوين مثل "حلّاج الأمل 1" في بيروت عام 2015، و"حلّاج الأمل 2" في البحرين عام 2017.
إلى هؤلاء الفنانين، قدّم آخرون أعمالاً للحلاج متفواتة القيمة الفنية والشهرة، منها فرقة "شرق" وهي فرقة أردنية أحيت قصائد للحلاج بأسلوب حديث. والفنانة الفلسطينية الراحلة ريم البنا التي غنّت من كلمات الحلاج قصيدة "عجبت منك ومنّي"، والشاب التونسي منير طرودي الذي غنى "يا نسيم الورد"، والفلسطيني باسل زايد الذي أصدر عام 2008 ألبوماً غنائياً حمل عنوان "الحلّاج" وضمّ ثماني قصائد للشاعر الصوفي.
كما غنّت مغنية الأوبرا اللبنانية هبة قوّاس "يا نسيم الريح" للحلاج. كما أصدر الفنان الشاب مايك ماسي دويتو مع فاديا طنب الحاج، يؤديان خلالها قصيدة "عجبت منك ومني".
واللافت أن هناك قصائد للحلاج بنسخات لحنية مختلفة، أداها نفسها عدد من الفنانين المختلفين. وكانت الفنانة اللبنانية الشابة نينا عبد الملك قدمت بدورها قصيدة "إذا هجرت" للحلاج، وحينما سئلت في مقابلة مع جريدة "الشرق الأوسط" عن سبب اختيارها الحلاج لغناء كلماته؟ أجابت: "لقد رغبت في نقل هذه الثقافة إلى جيل اليوم الذي لا يعرفها وأرفقتها بموسيقى حديثة يحبها، فكان خليطاً من الأصالة والحداثة معاً لاقى صدى طيباً لدى الشباب".
لكن ما قدّمته عبد الملك لم يعجب، على ما يبدو، الفنانة اللبنانية جاهدة وهبي التي قامت بدورها بغناء العديد من القصائد للحلاج، فقالت في مقابلة صحافية تعليقاً على الأغنية "لم أتمكّن من الاستماع إلى الأغنية بأكملها، لا يُقدَّم الصوفي بهذه الطريقة، مع احترامي لتجربة الفنانة المذكورة".
