علاقة مركّبة، تحمل التناقضات، جمعت بين الشاعر الفلسطيني محمود درويش وأرض العراق التي احتلّت جزءاً أساسياً من تجربته الشعرية وتجلّت في مواضع كثيرة من قصائده عبر مفرداته السومرية والبابلية.
منذ بداياته الشعرية انشغل درويش بالهمِّ العراقي، وهو الأمر الذي استمرّ معه طويلاً وجلب له انتقادات كثيرة لاحقة.
"كل ما في بغداد مباح"
في 1965 أصدر درويش قصيدة "شهر زاد"، والتي قدّم فيها دعماً للقضية الكردية قائلاً: (عارٌ على بغداد ما فيها مباح\ إلا دم الأكراد في المذياع في صحف الصباح).
كما عرَض الأديب المصري يوسف زيدان في كتابه "شجون عربية" قصيدة أخرى لدرويش كتبها دعماً للأكراد حملت اسم "كردستان" 1963، جاء فيها: "بِاسم العروبة يُطعن التاريخ من شطآن دجلة والفرات\ يا أمتي، ألم يكفنا في صحف الصباح أنّا أبدناهم!"
لاحقاً تبرّأ درويش من هذه القصيدة وحذفها من دواوينه وامتنع عن إلقائها في ندواته الشعرية، فيما أكد زيدان أن "القصائد الكردية" جرى حذفها من جميع دواوين درويش لاحقاً خوفاً من انتقام صدام حسين.
اعتبر حسن توفيق في كتابه "عاشوا بعد الموت"، أن درويش كتب هذه القصيدة حينما كان منتمياً للحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي كان يعتبر الصراع الطبقي هو أساس مشاكل العالم، ومنها المشكلة الفلسطينية.
ويضيف توفيق، أن درويش طبّق ذات النظرية على القضية الكردية معتقداً أن العمال والمزارعين الأكراد الفقراء ضحايا للرأسمالية العربية الظالمة.
"أتذكّر السياب في الفضاء السومري"
زيارة درويش الأولى للعراق كانت عام 1971 حين وفد على جامعة المستنصرية وألقى على طلابها عدداً من أشعاره، وبخلاف زياراته المتكررة إلى بلاد الرافدين فلقد "اشتبك" درويش شِعراً مع العراق عبر عدة قصائد، واحدة منها كتبها عن بدر السياب رائد الشعر الحر العراقي فقال فيها: "أَتذكّرُ السَّيَّابَ، في هذا الفضاء السُّومريِّ\ تغلّبتْ أُنثى على عُقْم السديمِ\ وأوْرَثَتْنا الأرضَ والمنفى معاً\ أَتذكَّرُ السيَّابَ… إن الشِّعْرَ يُولَدُ في العراقِ"، أيضاً كتب قصيدة ليل العراق الطويل، والتي جاء فيها: "العراق، العراق ... وليل العراق طويل\ ولا يبزغ الفجر إلا لقتلى يصلون نصف صلاة\ ولا يكملون السلام على أحد".
العلاقة الوطيدة بين رائدي الشعر الحر في العالم العربي لم تغب عن بال عبدالإله بلقيز استاذ الفلسفة المغربي خلال كتابته مقدمة كتاب "هكذا تكلم محمود درويش"، فقال في كلمته عن قصيدة الشعر بأنها "وُلدت في رأس السياب وهدهدها بقلمه وافترش لها أرض العراق وتاريخه ثم أتى محمود وأخذها إلى فلسطين كي تكبر بين الصخر والجمر وترعى في الزعتر والكَرْم".
وفي قصيدته "مأساة النرجس ملهاة الفضة" التي ناقشت حنين الفلسطينيين المنفيين إلى العودة لوطنهم، تطرّق درويش إلى عددٍ كبير من المؤثرات الثقاقية العربية، والعراقية منها، قائلاً: "واستعادوا ما ضاع من قاموسهم/ زيتون روما في مخيلة الجنود/ وغزالة الأبد التي زّفت إلى النيل الشمالي الصعود/ وإلى فحولة دجلة الوحشي وهو يزفُّ سومر للخلود"، وأيضاً حين أراد تجسيد المأساة العربية من خلال سيرة الشاعر المتنبي قال "قد جئتُ من حلب، وإني لا أعود إلى العراق/ سقط الشمال فلا ألاقي غير هذا الدرب يسحبني إلى نفسي..".
وعقب وقائع حرب الخليج في 1991 كتب درويش قصيدته "فرس للغريب"، والتي جاء فيها: "لِي قَمَرٌ الرَّصافَةِ . لي سَمَكٌ في الفُراتِ ودجْلَةْ/ ولي قارِئُ في الجَنُوبِ ولي حَجَرُ الشَّمْسِ في نَيْنَوى/ وَنَيْروزُ لي في ضَفائِرِ كُرْديّةٍ في شَمالِ الشَّجَنْ/ ولي وَرْدَةٌ في حَدائقِ بابلَ لي شاعرٌ في بُوَيْب/ ولي جُثَّتي تَحْتَ شَمْسِ العِراق".
في مديح صدام
في 1986 وافق درويش على المشاركة في مهرجان المربد الأدبي الذي رعته بغداد وكانت تدعو إليه أهم الشعراء العرب من جميع أنحاء العالم. خلال الزيارة أظهر درويش موقفاً داعماً لصدام حسين ورجاله فامتدح لطيف جاسم وزير الثقافة العراقي واصفاً إياه بـ"وزير الشعراء"، أما صدام فقد لقّبه بـ"قمر بغداد المُطل على البصرة"!
ألقى درويش خطاباً أمام الآلاف من الأدباء العرب تحدّث فيه عن "جريمة الصمت" و"خيانة الصمت" انتقد فيه المثقفين العراقيين المعارضين لنظام صدام حسين والذين قرروا مغادرة البلاد خلال الحرب دون أن يقدّموا دعماً لبلدهم "الذي يحرس البوابة الشرقية للأمل العربي والذي ينزل البطولة من الميثولوجيا إلى الراهن"، على حدِّ وصف درويش وقتها.
أثارت هذه الزيارة غضباً شديداً من المثقفين العراقيين المعارضين لصدام حسين، فتعدّدت المقالات المنتقدة لدرويش وقصيدته في مجلة "الثقافة الجديدة" التي كان يديرها الحزب الشيوعي العراقي وغيرها من الصحف العربية مستنكرين أن يتغزّل شاعر المقاومة الفلسطينية الأول بديكتاتور بغداد.
أحد هؤلاء هو الكاتب العراقي أمين العيسي الذي كتب مقالاً بعنوان "محمود درويش والطريق المسدود" قال فيه: "لقد عمّ الرعب يا محمود كل زوايا الوطن، وإذا كان الصمت لم يعد ممكنا فإن التواطؤ خيانة، كيف يتحوّل القاتل إلى وطني؟ وكيف تسمح لنفسك أن تردد معزوفة النظام البعثي؟ هل يُمكن أن تكون الفاشية موضع اجتهاد؟!".
بعض محبي درويش حاولوا تبرير هذا الموقف بأنه دعَم فيه العراق خلال حربه المستعرة مع إيران آنذاك، هذه الحرب دفعت كثيراً من المثقفين إلى تقديم أكبر دعمٍ ممكن لصدام مثلما ظهر في البيان الختامي الذي أصدره شعراء المربد وأكدوا فيه "الوقوف مع المقاتل العراقي في خندق صموده وخندق الفكر المقاتل، فمجدا للعراق وقائده العظيم".