صورة أرشيفية لـ"السلطانة" منيرة المهدية
صورة أرشيفية لـ"السلطانة" منيرة المهدية

في بداية عشرينيات القرن الماضي، كانت المطربة المصرية منيرة المهدية (1885-1965) على خلاف مع زوجها الذي يدير أعمالها، فقررت أن ترحل من مصر، وتقوم بجولة استغرقت حوالي ثلاث سنوات بين سوريا ولبنان وليبيا وإيران وتركيا وفلسطين، وكان لها محطة في العراق تحمل أحداثاً طريفة ومشوّقة، كما كانت رحلتها ما بين حلب وبغداد محفوفة بالمخاطر ومرّت بما يسمى "وادي الموت".

هذا ما ترويه رتيبة الحفني في كتابها "السلطانة منيرة المهدية"، الذي يوثق حياة الفنانة المصرية الأشهر في تلك الفترة، وأطاحت بها لاحقاً أم كلثوم عن عرش النجومية.

وأضافت: "الناس حدثوها عن خطورة الطريق إلى بغداد، وأن هناك الكثير من عصابات اللصوص وقطّاع الطرق، وأن هؤلاء يهاجمون رجال الحكومة فيقتلونهم ويسلبونهم ما معهم من مال الحكومة".

حينها قالت منيرة "أصدرت تعليماتي لمن معي بوجوب السفر إلى بغداد في اليوم التالي، ففزعوا جميعاً وتملكتهم الرهبة، إذ كان من المعروف المؤكد أن الذي يسافر إلى بغداد عن طريق الجبل مفقود لا أمل في نجاته قطعياً"، بحسب الحفني.

كانت منيرة حينها في سوريا وتحديداً في حلب في فصل الصيف. ولمنيرة مع حلب وأهلها علاقة حب متبادل، فقد أحيت حينذاك عشر ليال متتاليات، وكان الإقبال كبيراً. تقول الحفني "من شدة إعجاب السوريين بصوتها وأغانيها، قامت شركة السجائر الكبرى بطباعة صورتها على علب السجائر وأسمتها منيرة".

من الطريف في الحكاية أن منيرة تروي كيف تجهزت لرحلة العراق عبر التسلّح "كأحسن ما يكون الجندي النازل إلى ميدان القتال". تتابع: "كان مسدسي محشواً وكانت بندقيتي معمرة والخنجر الذي أحمله حاد النصل، قاطع الشفرة. وكان معي كمية كبيرة من الرصاص".

وكانت منيرة تحمل معها في سفراتها "جميع مجوهراتها ومصوغاتها التي لا تقلّ قيمتها عن سبعة آلاف من الجنيهات المصرية".

الطريق من حلب إلى بغداد كانت "موحشة"، كما تصفها منيرة، التي كانت مع مرافقيها ينامون في الخلاء حين يخيّم الليل. وقالت: "في لحظة ما بكيت! فقد كان علينا أن نجتاز طريقاً ضيقاً، يقوم الجبل في إحدى ناحيتيه، ويمتد على طوله واد عميق يشبه الهوة السحيقة من الجانب الآخر".

وما دفعها إلى البكاء هو ما شهدته من انقلاب عربة كبيرة كانت تسير أمامهم في الطريق، فتدهورت و"هوت بمن فيها إلى الوادي، ولم ينج منهم أحد"، وفق ما نقلت عنها الحفني.

تكمل منيرة روايتها: "عندما وصلنا إلى بغداد خرجت البلدة كلها لاستقبالنا.. أو على الأصحّ ليتفرجوا على هؤلاء الذين نجوا من وادي الموت كما كانوا يسمون هذا الطريق. وساقوني إلى حاكم المدينة! كان الرجل عاتياً جبّاراً. سألني عن اسمي، فقلت: منيرة المهدية. وفي الحال أظهر لي من الحفاوة والاحترام ما لا يزيد عليه. وفي اليوم التالي أقام لنا الحاكم وليمة فخمة حضرها العظماء والوجهاء وكبار القوم في المدينة".

نزلت منيرة وفرقتها في أوتيل "مود"، وهو كما تصفه "أفخم لوكاندة في بغداد". وقد نشرت الصحف العراقية في صباح اليوم التالي خبر وصول منيرة المهدية إلى بغداد.

تتطرق منيرة إلى القواعد الفنية المستندة على أسس اجتماعية ودينية، المعتمدة في بغداد في ذلك الوقت من عشرينيات القرن العشرين. وتقول إن القانون آنذاك كان "يمنع كل امرأة مسلمة من الظهور على المسرح ممثلة أو مغنية".

وتحكي عن مصادفتها سيدة مصرية تدعى بهية، وهي مغنية، مرّت عليها أربعة أشهر في بغداد و"هي تحاول أن تحصل على تصريح للظهور على التخت (المكان الذي تعزف فيه الفرقة الموسيقية) فلم تستطع".

وتتابع منيرة، أن أمر حصولها على إذن بالغناء بدا لها عسيراً، لكنها تستدرك "ما كدت أبدي رغبتي بالعمل هناك، حتى سارعوا في يوم وبعض يوم إلى إعطائي تصريحاً خاصاً يخوّل لي العمل على التخت"، في إشارة إلى قوة حضورها وشخصيتها وشهرتها.

ناظم الغزالي متوسطاً زوجته سليمة مراد والمطربة اللبنانية هيام يونس
سليمة مراد.. المغنية "الاستثنائية" وأول امرأة "باشا" في العراق
مع بدايات القرن العشرين، وفي أحد أحياء بغداد التي عاش فيها اليهود العراقيون، ولدت سليمة مراد في أجواء مفعمة بالطرب، فأخذت تستمع في الحي الذي عاش فيه كبار العازفين اليهود، إلى المقام العراقي والبستات القديمة، ونما في أذن الطفلة حب الطرب والغناء.

خلال فترة زيارة منيرة إلى بغداد، كانت تعاني من أعباء نفسية قاسية، على حدّ قولها: "كنت في تلك الفترة من حياتي متهيجة الأعصاب مضطربة الفكر والوجدان، لذلك كان يحلو لي أن أقضي حياتي متنقّلة من بلد إلى بلد، فما كاد المقام يستقر بي في بغداد، حتى رغبت في مفارقتها إلى البصرة".

وهناك، في المدينة الجنوبية، وللمفارقة المرتبطة بما تشهده البصرة اليوم، عانت منيرة من الحرّ الشديد، كما تروي، و"كانوا يديرون في القطار مراوح كهربائية. ويظهر أن المروحة التي كانت في صالوننا دارت بشدّة، فولّدت حرارة قوية أطارت شرارة أشعلت النار في الأسلاك وما جاورها".

تضيف منيرة: "وفي ساعة اليأس وقت حاصرتنا النيران من كل ناحية.. وقف القطار فجأة وكان قد وصل إلى محطة صغيرة واستطعنا أن نقفز إلى الرصيف".

أقامت منيرة في البصرة لمدة أسبوع في ضيافة سلطان المحمرة (خزعل الكعبي الذي كان أميراً على المحمّرة وهي مدينة في إيران وكانت البصرة تتبع له)، وكانت كل ليلة تغني له وتطربه، وتحكي عن سخاء السلطان الذي كان كل ليلة "يعطي الآلاتية (الفرقة الموسيقية) كلا منهم قبضة من الذهب، ثم يطلب شنطتي، فيملأ حفنتيه ذهباً، ولا يزال كذلك حتى تمتلأ الشنطة!".

مواضيع ذات صلة:

توماج صالحي في صورة من حسابه على انستغرام
توماج صالحي في صورة من حسابه على انستغرام

"نحن صوت الغضب الشعبي الذي جرى إسكاته، لا تنعتنا بالمتمردين، نحن الثوار". "كانت جريمة شخص ما أن شعرها كان يتدفق في مهب الريح. كانت جريمتها أنها كانت شجاعة وصريحة".

هذا نموذج من كلمات أغاني مغي الراب الإيراني الشهير توماج صالحي التي قد تكّلفه حياته.

بسبب هذه الكلمات وغيرها، حكم القضاء الإيراني على توماج بعقوبة الإعدام، بعد إدانته باتهامات تتعلق بالاضطرابات التي شهدتها إيران في عامي 2022 و2023 على خلفية مقتل الشابة مهسا أميني في أحد فروع الشرطة، بعد إلقاء القبض عليها لاتهامها بارتداء حجاب "غير لائق".

في أعقاب نجاح "الثورة الإسلامية" في إيران في العام 1979 جرى حظر جميع أنواع الموسيقى في البداية.

بعدها "رضخ قادة الجمهورية الإسلامية للحاجة إلى السماح ببعض الموسيقى"، كما تقول الباحثة ناهد سيامدوست في كتابها "أغنية الثورة: سياسة الموسيقى في إيران".

ومع ذلك، تتابع سيامدوست، "خنق قادة الثورة الموسيقى التي لا تخدم مصالحهم السياسية والأيديولوجية، وحظروا الموسيقى التي يرون أنها تهدد تلك المصالح، وسهلوا ظهور ثقافة موسيقية شعبية ولكنها ضحلة، في حين تزدهر ثقافة فرعية عاجزة رسميًا ولكنها مفعمة بالحيوية خارج المجال العام الرسمي".

توماج صالحي ينتمي إلى هذا النوع من الموسيقى التي تغضب النظام. وهو تخصّص بموسيقى "الراب" التي تلقى قبولاً كبيراً من فئة الشباب. والراب شكل موسيقي متفرّع من الهيب هوب، وهناك خلاف حول قصة نشأة هذا الفن، إذ يقول البعض انه بدأ في أميركا فيما يشير آخرون إلى أماكن أخرى، كما يؤكد الباحث سيد عبد الحميد في كتابه "فن الشارع- حكايات عن كتابة الراب والموسيقى".
 

يخلق مغنو الراب الخاصون بكل بلد ما يناسبه من كلمات ومواضيع، بحسب عبد الحميد، وهو فنّ يعتمد على الإيقاع السريع للكلمات والموسيقى (beat)، ويصيغ المغني أكبر عدد من الأفكار في جمل قليلة جداً، تشكّل موضوع الأغنية.

هذا النوع من الغناء السريع والمكثّف والمباشر في معانيه جعل من توماج صالحي، الذي يبلغ من العمر 33 عاماً، أحد أكثر المغنين شعبية في إيران، خاصة بعد أن دعم في أغانيه الاحتجاجات التي استمرت شهوراً وجرى قمعها بالقوة.

اعتقل صالحي في أكتوبر 2022 بعد الإدلاء بتصريحات علنية داعمة للاحتجاجات على مستوى البلاد، وواجه منذ البداية تهماً خطيرة، من بينها تهمة "الإفساد في الأرض" التي تصل عقوبتها إلى الإعدام.

وفي العاشر من يوليو 2023، قضى الفرع الأول من المحكمة الثورية في أصفهان بعدم إثبات حد تهمة "الإفساد في الأرض" ضد صالحي، وحكم عليه بالسجن ست سنوات وفقاً للقانون الإسلامي.

بدا حينذاك أن "الرابر" الإيراني نجا من مصير الإعدام، ثم شهدت قضيته انفراجاً آخر في 18 نوفمبر من العام 2023، حيث أطلقت المحكمة سراحه بكفالة مالية بعد إلغاء الحكم وإعادة القضية إلى المحكمة الابتدائية.

أمضى صالحي 12 يوماً خارج السجن فقط. والتقى خلالها بالمخرجين الإيرانيين جعفر بناهي ومحمد رسولوف، الذين مرّا بتجارب السجن وقد أطلق سراحهما أيضاً بكفالة. لكن سرعان ما أعادت السلطات الإيرانية اعتقال المغني الشاب في الثلاثين من نوفمبر، وفتحت قضية جديدة ضده، بعد نشره فيديو على الإنترنت اتهم فيه المحققين بإساءة معاملته.

وفي 18 أبريل الجاري، عقد الفرع الأول للمحكمة الثورية في طهران جلسة محاكمة جديدة لصالحي، بعد إضافة تهم جديدة إلى القضية، بحسب محاميه. وحكمت المحكمة عليه بالإعدام بتهمة "الإفساد في الأرض"، كما اتهمت المحكمة الثورية صالحي بـ"التحريض على الفتنة والتجمع والتآمر والدعاية ضد النظام والدعوة إلى أعمال شغب"، بحسب المحامي.

منظمة "هيومن رايتس ووتش" وصفت الحكم ضد صالحي بأنه "اعتداء وحشي وشائن على الحريات الأساسية والحق في محاكمة عادلة". وقالت الباحثة في شؤون إيران في المنظمة تارا سبهري فر إن "الحكومة الإيرانية جعلت المحاكم الجائرة حجر أساس في قمعها الوحشي للمعارضة الشعبية".

محامي صالحي أكد أن "الحكم شابته أخطاء قانونية كبيرة، بما في ذلك تعارضه مع حكم المحكمة العليا"، مؤكداً أن موكّله عازم على الاستئناف.

فهل تنجح الضغوط على إيران من نشطاء حقوق الإنسان والمنظمات الدولية في فكّ حبل المشنقة عن رقبة توماج صالحي؟