من عروض مسرح الدمى في الموصل
من عروض مسرح الدمى في الموصل

تسعى مؤسسة "السلام المستدام" وهي مؤسسة عراقية غير حكومية، عبر استخدام مسرح الدمى الى إعادة تأهيل الأطفال في الموصل وتخليص أذهانهم من الاثار النفسية للحرب والدمار.

وأطلقت المؤسسة في 5 سبتمبر الحالي مبادرة "مسرح الدمى" التطوعية عبر عرض مسرحي للدمى بالتعاون مع المخرج عادل العمري، بمشاركة أكثر 50 طفلاً تراوحت أعمارهم ما بين 5-12 عاما، وشملت المبادرة التي نظمت في الجانب الأيمن من الموصل تقديم مجموعة من النشاطات الفنية للأطفال المشاركين وجميعهم من وجميعهم من جانب المدينة، الذي مازال يعاني من دمار الحرب.

ويقول مدير مكتب مؤسسة "السلام المستدام" في مدينة الموصل، مهند حازم محمد، لـ"ارفع صوتك" أن فكرة المبادرة هي لـ"نشر السلم المجتمعي والتماسك المجتمعي عن طريق البذرة الأولى وهي الأطفال، لذلك هذه المبادرة تعمل على تنمية قدرات الأطفال وتوعيتهم عبر الاهتمام بالبيئة التي يعيشون فيها بشكل عام والاماكن المخصصة للعب بشكل خاص"، مشيرا الى أن المؤسسة تهدف الى صناعة مسرح ثابت للدمى داخل مقرها أو مقر مركز قليتا للتنوع الثقافي، التابع للمؤسسة الواقع في الجانب الأيمن من الموصل.

وعاش أطفال الموصل أوضاعا إنسانية صعبة في ظل الخوف والجوع  خلال أكثر من 3 سنوات من سيطرة تنظيم داعش على مدينتهم، ومازالت مخيلة الأطفال الذين عاصروا التنظيم تحتفظ بمشاهد القتل والتعذيب، الذي كان مسلحو داعش ينفذونها في الموصل ضد أهالي المدينة والمناهضين لـ"داعش"، الى جانب عمل التنظيم الإرهابي  عبر مكاتبه الإعلامية التي كانت منتشرة في احياء المدينة  على نشر فكره بين الأطفال وغسل ادمغتهم، ولم تتوقف مأساة الأطفال هنا، بل زادت عمقا وسط الدمار الذي خلفه التنظيم والمعارك التي شهدتها المدينة للتخلص منه. وكانت للموصل القديمة من اعمال التدمير حصة الأسد لأن المعارك النهائية لتحرير المدينة تركزت فيها.

فريق مسرح الدمى في مؤسسة "السلام المستدام"

ويوضح محمد أسباب تركيز المبادرة على الموصل القديمة، "استهدفت المبادرة المدينة القديمة وتحديدا حي سوق الشعارين المحاذي لجامع النبي جرجيس لان هذه المنطقة عانت ما عانته من دمار ولا توجد فيها ساحات أو مناطق مخصصة للعب الأطفال. تحتوي فقط شوارع، وغالبا أطفال هذه المنطقة يلعبون في الشوارع، لذلك ركزنا على موضوع لعب الأطفال في الأماكن الآمنة".

وتستعد المؤسسة حاليا لتنظيم 3 عروض مسرحية أخرى ضمن مبادرة مسرح الدمى، يشمل الأول التوعية بالنظافة الشخصية، والثاني موضوع القلم والممحاة الذي يحتوي على رسائل حول اهمية الكتابة والقراءة بالنسبة للطفل، واما الثالث سيكون عن النزوح وتأثيره على تنشئة الأطفال وفهم أهمية الاهتمام بالآخرين والاهتمام بالعائلة والقيم وبر الوالدين.

 وتعمل المؤسسة على ترسيخ ثقافة السلم المجتمعي من خلال عرض مسرحيات دمى، التي تهتم مواضيعها بالتعايش السلمي والسلم المجتمعي ونبذ خطاب الكراهية والعنف.

ويضيف محمد "نخطط لمسرح ثابت بأدوات ثابتة وبالتعاون مع أكاديميين متخصصين في مجال مسرح الدمى لتوعية هذا الجيل كي نبدأ بداية صحيحة للنهوض بواقع المدينة وحماياتها من أي فكر يؤذيها ويدمرها".

ويؤكد محمد على أن مشروع المسرح الثابت سيتضمن تصوير مسرحيات الدمى التي تعرض، ومن ثم نشرها على الانترنت ليشاهدها الأطفال في كافة أنحاء العالم وليس فقط الموصل، و"يرى العالم أن هذه المدينة التي كانت منكوبة قادرة على الرجوع لدورها الأساسي".

وفي منتصف يوليو عام 2017 عندما كانت معارك تحرير مدينة الموصل تقترب من الانتهاء، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة " اليونيسف" في بيان أن "جراح الأطفال الجسدية والنفسية العميقة سوف تستغرق وقتاً أطول لتلتئم. وقد تكبد نحو 650,000 طفل من الصبيان والبنات الذين عاشوا كابوس العنف في الموصل، ثمناً باهضاً وعانوا الكثير من الأهوال على مدى 3 سنوات".

وتؤكد المتخصصة في علم النفس هاجر العبدالله الزبيدي، على أن مبادرة مسرح الدمى ولعب الأطفال يعززان من قدرة الطفل على فهم البيئة المحيطة به.

وتضيف الزبيدي لـ"ارفع صوتك": "لهذه النشاطات تأثير كبير جدا يُسهم في تقوية ثقة الطفل بنفسه وبقدرته على حلّ المشاكل التي يمكن أن تعترض سبيله لوحده من خلال مساعدة دميته والتفاعل مع البيئة التي يعيش فيها".

وتشير الزبيدي الى حاجة أطفال الموصل للدعم والمساعدة من أجل التخلص من الصدمات التي تعرضوا لها والتخلص من الماضي واثاره وهذا يكون "عبر إعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع عبر مجموعة من الوسائل كممارسة الألعاب ومنها الدمى ومشاهدة المسرحيات وغيرها من الوسائل الترفيهية".

مواضيع ذات صلة:

جدارية تصور الشاعر العراقي مظفر النواب بريشة الفنانة العراقية وجدان الماجد على جدار خرساني في العاصمة بغداد.
جدارية تصور الشاعر العراقي مظفر النواب بريشة الفنانة العراقية وجدان الماجد على جدار خرساني في العاصمة بغداد.

 عرفت فنون الرسم والتصوير والنحت حضوراً قوياً في الثقافة الأوروبية في العصور الوسطى، وقد تواجدت عشرات اللوحات على جدران الكنائس والقصور في شتى أنحاء القارة العجوز.

تماشى هذا الحضور مع غلبة المعتقدات الدينية المسيحية التي لا ترى بأساً في تصوير الإنسان والكائنات الحية. على النقيض من ذلك، ظهرت معارضة قوية لتلك الفنون في البلاد الإسلامية، فأعلنت أغلبية الآراء الفقهية عن معارضتها للتصوير والرسم والنحت.

نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من "الفتاوى المستنيرة" التي خالفت السياق الفقهي العام، لتجيز للمسلمين ممارسة تلك الفنون.

 

الرأي التقليدي

وردت الكثير من الأحاديث النبوية التي تظهر رفض الإسلام للرسم والتصوير. ينقل محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه بعضاً من تلك الأحاديث. منها أن النبي دخل بيت عائشة ذات مرة، فوجد ثوباً عليه صور، فغضب ومزق الثوب وقال: "إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويُقال لهم: "أحيوا ما خلقتم". ويؤكد النبي المعنى نفسه في أحاديث أخرى، منها "إنَّ أشدَّ النَّاسِ عذاباً عندَ اللَّهِ المصَوِّرونَ".

وبناء على تلك الروايات، ذهب جمهور العلماء إلى حرمة رسم وتصوير ذوات الأرواح.

على النحو ذاته، رفض التقليد الفقهي الإسلامي نحت التماثيل. بُني هذا الرأي على ارتباط التماثيل بالأصنام التي كانت تُعبد قبل الإسلام، وعلى ما نُسب إلى النبي في صحيح مسلم:  "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا تماثيل". ولذلك ذهب جمهور الفقهاء السنة لحرمة صناعة التماثيل أو وضعها في المنازل.

 

وجهة نظر مختلفة

يتعارض التحريم الفقهي القاطع للتصوير والرسم والنحت مع بعض الروايات التاريخية المُختلف على صحتها. من تلك الروايات ما ذكره أبو الوليد الأزرقي في كتابه "أخبار مكّة وما جاء فيها من الآثار"، من أن الكعبة في الجاهلية كانت تحتوي على الكثير من التماثيل والصور، ومنها صورة للنبي إبراهيم وهو يستقسم بالأزلام، وصورة أخرى للمسيح عيسى بن مريم مع أمه.

ويذكر الأزرقي أن الرسول لما فتح مكة في العام الثامن من الهجرة توجه إلى الكعبة "ودخل إلى البيت، فأمر بثوب فبلّ بماء، وأمر بطمس تلك الصور ووضع كفيه على صورة عيسى وأمه وقال: امحوا الجميع إلا ما تحت يدي".

نُقلت هذه الرواية في الكثير من المصادر المعتبرة في القرون التالية، ومنها تاريخ الإسلام لشمس الدين الذهبي، إذ أوردها ثم علق عليها ببعض الشواهد المثبتة لها، ومن ذلك ما ورد عن التابعي عطاء بن أبي رباح، من أنه لما سُئل عن هذه الصورة، قال: "أدركت تمثال مريم مزوقاً في حجرها عيسى قاعد. وكان في البيت -يقصد الكعبة- ستة أعمدة سوارٍ، وكان تمثال عيسى ومريم في العمود الذي يلي الباب". ولما سُئل عطاء عن توقيت إزالة هذا التمثال من الكعبة أجاب بأن ذلك قد وقع في الحريق الذي نشب بالكعبة في زمن عبد الله بن الزبير سنة 64 للهجرة.

 يشير ذلك إلى ما يبدو وكأنه نوع من أنواع التسامح مع الصور في حقبة الإسلام المبكرة.

ويوضح زكي محمد حسن في كتابه "التصوير وأعلام المصورين في الإسلام" أن المجتمعات الإسلامية قد عرفت فنون الرسم والتصوير والنحت رغم الرفض الفقهي/ يقول: "لا نستطيع أن ننفي قطعيّاً وجود أي تصوير ديني في الإسلام، فإن بعض المصورين الإيرانيين عمد إلى حياة النبي وإلى بعض الحوادث الجسام في تاريخ الإسلام فاتخذ منها موضوعات لصور كانت تشمل في بعض الأحيان على رسما للنبي".

 

فتاوى معاصرة

ظهرت في العصر الحديث العديد من الفتاوى الدينية التي أجازت ممارسة الرسم والتصوير والنحت وغير ذلك من الفنون التشكيلية.

وقد بدأت تلك الفتاوى بالفتوى الشهيرة التي قال بها رجل الدين المصري محمد عبده في مطلع القرن العشرين. ففي سنة 1904، زار عبده جزيرة صقلية، وأبدى في إحدى مقالاته -التي نشرها في مجلة المنار- إعجابه بحفاظ أهل الجزيرة على ما لديهم من آثار وتماثيل. وفي مقاله تطرق عبده للحكم الفقهي للنحت فقال: "ربما تعرض لك مسألة عند قراءة هذا الكلام، وهي: ما حكم هذه الصور في الشريعة الإسلامية؛ إذا كان القصد منها ما ذكر من تصوير هيئات البشر في انفعالاتهم النفسية أو أوضاعهم الجثمانية، هل هذا حرام أو جائز أو مكروه أو مندوب، أو واجب؟ فأقول لك: إن الراسم قد رسم، والفائدة محققة لا نزاع فيها، ومعنى العبادة وتعظيم التمثال أو الصورة قد محي من الأذهان؛ فإما أن تفهم الحكم من نفسك بعد ظهور الواقعة، وإما أن ترفع سؤالاً إلى المفتي وهو يجيبك مشافهة؛ فإذا أوردت عليه حديث: إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون، أو ما في معناه مما ورد في الصحيح، فالذي يغلب على ظني أنه سيقول لك: إن الحديث جاء في أيام الوثنية"- بحسب ما ذكر عباس محمود العقاد في كتابه "عبقري الإصلاح والتعليم الإمام محمد عبده".

في سنة 2001، عاد الجدل حول حكم التماثيل في الإسلام إلى الواجهة بعدما قامت حركة طالبان الحاكمة في أفغانستان بتدمير تمثالي بوذا في منطقة باميان.

أثار الحادث غضب الكثير من رجال الدين المسلمين. فعلى سبيل المثال اعترض عليه مفتي مصر الأسبق، نصر فريد واصل، وقال: "إن الحفاظ على هذه الآثار أمر له تبريره لأن هذه الآثار تجلب منافع اقتصادية للدول الموجودة فيها عن طريق السياحة".

ودعا المفتي المسؤولين في طالبان إلى عرض التماثيل البوذية التي لا تأثير لها في المسلمين.

وفي سنة 2006م، انتقل الجدل حول التماثيل والنحت إلى مصر نفسها، وذلك بعدما أفتى مفتي مصر السابق، علي جمعة بأن تزيين البيوت بالتماثيل حرام ولا يجوز شرعاً، واعتبرها معصية لا يجوز الوقوع فيها.

وقتها، أثارت الفتوى غضب قطاع واسع من الفنانين المصريين، فقد انتقد وزير الثقافة المصري الأسبق، فاروق حسني، فتوى جمعة فقال: "هناك فرق بين العبادة وصناعة الآلهة كاللات والعزي ومناة، وبين الشعور بقيمة جمالية التأمل في الطبيعة والإنسان".

في السياق نفسه، ظهرت بعض الفتاوى التي ردت على فتوى علي جمعة، ومن من ذلك فتوى عبد الصبور شاهين، الأستاذ بكلية دار العلوم، والذي أكد فيها "أنه يجوز شرعاً استخدام التماثيل وغيرها لديكور المنازل، لأن زمن عبادة الأصنام والتماثيل قد انتهى"، وهو الرأي الذي اتفقت معه آمنة نصير، أستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر.

في السنوات الأخيرة، تتابعت الفتاوى التي أجازت الرسم والنحت من جانب العديد من رجال الدين المسلمين، وتباينت الطرق في إثبات تلك الإجازة. وقد ذكر سعد الدين الهلالي، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، أن الفقهاء اتفقوا على تحريم التصوير الذى يتخذ إلهاً يُعبد من دون الله. أما التصوير لغير العبادة كعمل فني أو تجاري أو ثقافي أو تعليمي فقد اختلفوا في حكمه على ثلاثة مذاهب.

وأكد الهلالي أن من حق كل مسلم أن يختار من المذاهب الثلاثة ما يوافق ضميره ومعتقده.

في سنة 2009، أصدرت لجنة الفتوى بمجمع البحوث الإسلامية في الأزهر فتوى رسمية بإباحة ممارسة الرسم والنحت والتصوير. وقد  جاء في تلك الفتوى: "إن الإسلام لا يحارب الفن الهادف، بل يدعو إليه، ويحث عليه؛ لأن الفن في حقيقته إبداع جمالي لا يعاديه الإسلام، والنحت والتصوير من الفنون، فالإسلام لا يحرمه؛ ولكنه في الوقت نفسه لا يبيحه بإطلاق؛ بل يقيد إباحته بقيدين هما: ألا يقصد بالشيء المنحوت أو المصور عبادته من دون الله، والقيد الثاني: أن يخلو النحت والتصوير من المضاهاة لخلق الله التي يُقصد بها أن يتحدى صنعة الخالق ويفترى عليه بأنه يخلق مثل خلقه، فإذا انتفى هذان القيدان فالنحت والتصوير ونحوهما مباح، ولا شيء فيه.". في المعنى ذاته، قدم المفكر الإسلامي، عدنان إبراهيم، محاضرة عن حكم الرسم والنحت في الإسلام.

وذكر إبراهيم أن حرمة صناعة التماثيل كانت مربوطة بعبادتها، وأكد أن تلك الفنون غير محرمة بذاتها.

من جهة أخرى، ظهرت العديد من الفتاوى الشيعية التي أباحت التصوير والرسم والنحت، من ذلك فتوى المرجع الشيعي الأعلى في العراق، علي السيستاني، بجواز تعليق صور النبي والأئمة في البيوت والمنازل.

وجاء في الموقع الرسمي للمرجع الشيعي العراقي، كمال الحيدري، تعليقا على روايات  كراهية تصوير ذوات الأرواح قوله إن تلك "الروايات لا تبلغ حد الحرمة أولاً ثم إنها محمولة على زمانها، حيث كانت تشيع عبادة التماثيل فورد النهي عن ذلك لئلا يروج لها أو يتأثر بها".

ويضيف الحيدري: "وأما اليوم، فقد أصبحت الصور ورسمها فناً من الفنون وجزء من الاهتمام بالآثار الحضارية، ولها اعتبارات علمية ومالية، فلا إشكال عندنا في وجود الصور أو الألعاب في داخل الغرف والبيوت، وكذا لا إشكال في تصويرها ونحتها ما لم يكن الغرض منها عبادتها".