حكاية نورا السودانية تشبه آلاف الحكايا لنساء يقمن في سجون القهر الجسدي والنفسي
كتابات السجن رافد مهم من روافد الأدب العربي الحديث- تعبيرية

يُعرف "أدب السجون" بأنه نوع من الأدب، ينتجه الروائي أو الكاتب أو الشاعر أثناء وجوده في السجن أو الإقامة الجبرية. أو عندما يستذكر تجربته عقب إطلاق سراحه. في كتاب "أدب السجون"، تحدثت الروائية المصرية رضوى عاشور عن هذا النوع من الأدب فقالت: "كتابات السجن رافد مهم من روافد الأدب العربي الحديث، أسهم فيه بدرجات متفاوتة رجال ونساء ليبراليون وشيوعيون وإسلاميون وأفراد لم ينتموا لأي من هذه الاتجاهات السياسية...". أشارت عاشور إلى تعدد أشكال هذا النوع الأدبي فهي "تشمل فضلاً عن اليوميات والسيّر الذاتية والروايات والقصائد والمسرحيات شهادات لا حصر لها ومقابلات وشذرات...". نلقي الضوء في هذا التقرير على أهم الروايات العربية التي تنتمي إلى ذلك النوع الأدبي، ونرصد كيف تسببت المعاناة والآلام التي تعرض لها المبدعون العرب في إنتاج العديد من النصوص الأدبية الرائعة.

 

"العصفور الأحدب"

 

مؤلّف هذه المسرحية هو الشاعر والأديب والكاتب المسرحي السوري المعروف محمد الماغوط. ولد الماغوط في مدينة السلمية في سنة 1934م. وتوفي في دمشق في سنة 2006م. ويُعد واحداً من أهم شعراء قصيدة النثر العرب. في شبابه، انتمى الماغوط إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي.  وفي سنة 1955م، لوحق أعضاء الحزب من قِبل السلطات السورية. وتم اعتقال الكثيرين منهم، وكان الماغوط ضمنهم. سُجن الماغوط في سجن المزّة. وهناك بدأت حياته الأدبية الحقيقية.

في سنة 1963م، نُشرت مسرحية "العصفور الأحدب" للمرة الأولى عن "دار المدى". وعبّر فيها الماغوط عن تجربة سجنه بشكل ساخر من خلال قصة مُتخيلة لحبس مجموعة من المساجين في زنزانة واحدة. يتحدث المساجين عن أسباب اعتقالهم، لتدب الخلافات والصراعات بينهم. قبل أن يتفقوا في نهاية المطاف على الاتحاد لمواجهة حارس السجن.

 

"القلعة الخامسة"

 

مؤلف تلك الرواية هو فاضل العزاوي. وهو شاعر وروائي ومترجم عراقي ولد في كركوك في سنة 1940م. حصل على بكالوريوس في اللغة الإنجليزية من جامعة بغداد في سنة 1966م. ثم سافر إلى ألمانيا ليحصل على الدكتوراه. وصدرت له العديد من الروايات المهمة.

 

نشر العزاوي رواية "القلعة الخامسة" للمرة الأولى في سنة 1972م. وتم تحويلها إلى فيلم سينمائي في سنة 1979م. وهي أول رواية عراقية تدور أحداثها داخل السجون والمعتقلات في العراق. جاء في تعريف الناشر بالرواية "في هذه الرواية يجسد الكاتب فكرته عن الدائرة الفلسفية للجنون السياسي، حيث ترتبط النهاية بالبداية في مسار لا يفلت منه أحد، لكنها أيضاً رواية عن الحنين إلى الحب، عن الألم والأمل والوفاء والخيانة والصداقة في عالم مليء بالالتباسات والأوهام التي تفتك بأرواح وقلوب حالمي الثورات ومغيري العالم".

 

"شرق المتوسط"

يُعدّ الكاتب السعودي عبد الرحمن منيف واحداً من أهم أدباء منطقة الخليج في القرن العشرين. في سنة 1975م، نُشرت روايته "شرق المتوسط". وتعتبر تلك الرواية أحد أهم العلامات في مسيرة أدب السجون في عالم الأدب العربي. قال بعض النقاد في مراجعتهم لتلك الرواية: "تظل هذه الرواية علامة بارزة في الأدب العربي توضح حالة السجين السياسي: موقفه ونفسيته وعائلته وماضيه ومستقبله، وتفضح الأنظمة العربية، تلك التي ما زالت تشيّد السجون والمعتقلات السياسية التي تمتلئ بآلاف المعتقلين الضحايا المعذبين، المقيدين على حافة حادة بين الحياة والموت، فلا هم أحرار أسوياء، ولا هم موتى مرحومون ومستراحون، فهم في حالة بين بين، حالة من العذاب المستمر والجحيم المستعر".

غلاف رواية "شرق المتوسط" لعبد الرحمن منيف
 

"مذكراتي في سجن النساء"

 

ولدت نوال السعداوي في قرية كفر طحلة إحدى قرى مركز بنها التابع لمحافظة القليوبية بمصر في سنة 1931م. التحقت السعداوي بالدراسة في كلية الطب بجامعة القاهرة. وتخرجت في سنة 1955م وعملت كطبيبة، ثم تخصصت في مجال الطب النفسي. لتبدأ بذلك نشاطها المكثف في حقل الدراسات النسوية وحقوق المرأة.

في سنة 1981م تم اعتقال السعداوي ضمن حملة واسعة طالت معارضي الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات. بعد اغتيال السادات، تم الإفراج عن نوال السعداوي. وعاشت لفترة في مصر تحت مراقبة لصيقة من الأجهزة الأمنية. كما رفعت ضدها العديد من الدعاوى القضائية، الأمر الذي اضطرها للسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لفترة، قبل أن تعود إلى مصر مرة أخرى في سنة 1996م.

في سنة 1982م، نشرت السعداوي رواية "مذكراتي في سجن النساء". وتحدثت فيها عن الأحداث التي تعرضت لها أثناء فترة اعتقالها. كتبت السعداوي في روايتها معبرة عن معاناتها في تلك الفترة "إذا كانت أصعبُ لحظة في حياة المحكوم عليه بالإعدام هي اللحظة التي تَسبق سقوط المقصلة على عُنقه، فإن أصعبَ لحظة في حياتي هي التي سَبقَت دخولي الزنزانة... الأبواب ذات القضبان الحديدية تنعكس ظلالها على الجدران المرتفعة في الظلمة كالأشباح الخرافية. حديد يدور في الحديد ويصطك، الصوت يرتطم بالأسوار، ويرتدُّ الصدى فوق الجدران، كأن مئات الأبواب الحديدية توصد وتُغلق، وصفير حاد كالصمت، وأصوات تطن كالصفير، كريح من الدخان المكتوم ينفذ من ثقبٍ ضيق...".

 

"شرف"

 

مؤلف تلك الرواية هو الروائي المصري المعروف صنع الله إبراهيم، وهو واحد من أهم الروائيين العرب المعاصرين. سُجن إبراهيم لأكثر من خمس سنوات في الفترة من 1959م إلى 1964م وذلك في سياق حملة شنها الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر ضد اليساريين المصريين.

 

 

في سنة 1997م، أصدر إبراهيم رواية "شرف". وهي احدى أهم الروايات العربية التي تنتمي إلى أدب السجون. يحكي المؤلف في تلك الرواية عن بعض المحن التي تعرض لها في سجنه. تحكي الرواية قصة شاب عشريني يتورط في قتل أحد السيّاح الأجانب دفاعاً عن شرفه. ليُسجن بعدها حيث يكتشف عالم الفساد والرشاوى وأنواع انتهاك الحقوق البشرية.

 

"يوميات الواحات"

 

سلط صنع الله إبراهيم الضوء مرة أخرى على معاناته في سجون مصر في كتابه "يوميات الواحات". والذي تعرض فيه للتجربة الذاتية التي عايشها إبان فترة اعتقاله. جاء في مقدمة الناشر لهذا الكتاب أن صنع الله إبراهيم عاش في سجن الواحات الكثير من الأحداث، والتقى بالكثير من أعلام الفكر والأدب، كما كانت فترةً مهمة للتأمل والتفكير جعلته يحرص على أن يكون كاتباً.

يقول إبراهيم في الرواية موضحاً كيف أثرت فترة السجن في تشكيل شخصيته الأدبية: "...وأخذتُ نفسي بجديةٍ شديدة فأخضعتُ كلَّ دقيقة في اليوم لهدف الكتابة؛ التذكُّر، القراءة، العلاقات الشخصية والإصغاء إلى الآخَرين. كنتُ قد قرَّرتُ أن أصبح كاتباً، وكنتُ أنتهز فرصةَ الهدوء الذي يَسُود العنبرَ في الصباح عندما يغادره العاملون في المزرعة، فألجأ إلى فَرشتي، وأسند الورقة والقلم إلى رُكبتي، وأَنهمِك في تسجيلِ كل ما يَعِنّ لي من خواطر".

 

"300 يوم في إسرائيل"

 

صاحب تلك الرواية هو السوري خيري الذهبي. وهو روائي ومفكر وكاتب سيناريست. ولد في دمشق في سنة 1946م. وتوفي في باريس في سنة 2022م.

صدر كتاب "من دمشق إلى حيفا _ 300 يوم في إسرائيل" في سنة 2019م عن دار المتوسط. تناول الذهبي في هذا الكتاب قصة اعتقاله في حرب أكتوبر 1973م. عندما كان ضابطاً سورياً وحيداً في قوات الأمم المتحدة التي تراقب الهدنة القائمة بين سوريا وإسرائيل.

 

"تلك العتمة الباهرة"

 

مؤلف تلك الرواية هو الكاتب المغربي الفرنسي الطاهر بن جلون. ولد بن جلون في سنة 1944م. وله العديد من الإصدارات في الشعر والرواية والقصة. كما حصلت أعماله على العديد من الجوائز الأدبية المهمة.

أصدر بن جلون رواية "تلك العتمة الباهرة" في سنة 2000م باللغة الفرنسية وفازت بجائزة إمباك الأدبية. وبعدها بسنتين تُرجمت الرواية إلى اللغة العربية، ونشرها دار الساقي. تحكي الرواية عن اعتقال بعض الجنود بعد اتهامهم بالتورط في محاولة الانقلاب الفاشل على ملك المغرب الحسن الثاني في سنة 1971م. يقول ابن جالون في روايته مبيناً الأوضاع السيئة التي عاش فيها المسجونون لسنوات طويلة: "...على مدى أشهر تم إعداد هذا السجن أو دعوني أقل هذه الحفرة لتكون قبراً لهؤلاء الجنود، لكن هذا القبر كان مختلفاً إذ أن الموت ممنوع عليك في هذا القبر، ولذا فإن السجناء الذي شاء الحظ ان يكونوا في هذا السجن بقوا 18 عاماً لا يرون الشمس ولا يعرفون ما هو النور أو الهواء النقي فضلاً عن باقي تلك الأمور الترفيهية كالماء النقي أو الطعام المفيد المشبع...".

 

"حرز مكمكم"

 

مؤلف هذا الكتاب هو الروائي والصحافي المصري أحمد ناجي. وهو من مواليد مدينة المنصورة سنة 1985م. في فبراير 2016م، أُدين ناجي بتهمة "خدش الحياء" إثر نشر فصل من إحدى رواياته في جريدة "أخبار الأدب" المصرية، وقضت المحكمة بسجنه عامين. بعد سنة، قررت محكمة النقض المصرية إلغاء حكم الحبس. وأمرت بإعادة محاكمته. قبل أن يطلق سراحه في ديسمبر 2016م.

في سنة 2022م، نشر ناجي كتابه "حرز مكمكم". وسجل فيه تجربته فيما يخص القراءة والكتابة داخل السجن أثناء فترة حبسه. يقول ناشر الكتاب: "طوال مدة سجنه، كان أحمد ممنوعاً من الكتابة والنشر، والكتب المسموح بقراءتها خاضعة لرقابة صارمة. لم يُسمح له إلا بدفتر أسود صغير كان يُسجل فيه سراً فصولاً من أحلامه ويومياته. في هذا الكتاب يستعيد أحمد ناجى لأول مرة تفاصيل من المحاكمة الأدبية الأشهر، ويوميات القراءة والكتابة في السجن. هو كتاب عن القراءة وخدش الحياء العام والأدب والنبي يوسف وقوة الأحلام ومخاطر شطح الحياة...".


 

"أوتار وراء القضبان"

 

مؤلف هذه الرواية هو أسعد شلاش. وهو كاتب وموسيقي وسياسي سوري من مواليد ريف إدلب في سنة 1955م. في 1987م، قامت السلطات السورية باعتقال شلاش بتهمة الانتماء لحزب العمل الشيوعي. ولم يتم الإفراج عنه إلا في سنة 1994م بعد أن أمضى ست سنوات وسبعة أشهر.

في روايته "أوتار وراء القضبان" الصادرة عن دار موزاييك للدراسات والنشر، يروي شلاش وقائع قصته من خلال "فرح" وهي شخصية مُتخيلة. يستعرض شلاش في الرواية المصاعب والآلام التي واجهها مع رفاقه في السجون السورية. يقول شلاش: "في زنزانة ضيقة، بالكاد تتسع لبعض الأشخاص، أمضى فرح ورفاقه أشهراً ينامون ويقعدون في أماكنهم، ويتزاحمون أمام حمام واحد، ويأكلون من قصعات البرغل والفاصولياء "التي تشبه تلك التي تُرمى للدجاج"، ولا يُسمح لهم بالخروج إلى الشمس أو استقبال الزيارات، علاوة على "حفلات التعذيب" التي كانوا يتعرضون لها يومياً، تعذيب يستمر حتى يفقد المُعتَقل وعيه".

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية تجمع بين العالمين المسلمين يوسف القرضاوي وعلي السيستاني
صورة تعبيرية تجمع بين العالمين المسلمين يوسف القرضاوي وعلي السيستاني

في العصور الوسطى، عرف المسلمون بعض الفنون التي تضمنت التمثيل بشكل أو بآخر، منها مسرح "خيال الظل" الذي ظهر في قصور أمراء العصر الفاطمي في القرن السادس الهجري، وفن "الأراجوز" الذي عُرف خلال العصرين الأيوبي والمملوكي وانتشر على نطاق واسع في العصر العثماني.

في القرن التاسع عشر الميلادي، بدأ التمثيل يأخذ مكانة مهمة في المجتمعات الإسلامية، باعتباره أحد الفنون المعروفة التي تمكنت من حصد إعجاب الجماهير.

في هذا السياق، اشتهرت أعمال السوري أبو خليل القباني، الذي يُعدّ أول من أسّس مسرحاً عربياً في دمشق، واللبناني مارون النقاش الذي مثّل أول رواية عربية عام 1848، والمصري عبد الله النديم الذي مثّل روايتي "الوطن" و"العرب" في مسرح "زيزينيا" بمدينة الإسكندرية وحضرها الخديوي إسماعيل.

على الرغم من كثرة الأعمال المسرحية والسينمائية والتلفزيونية التي قدمها الفنانون في العالم العربي، إلا أن النظرة العامة للتمثيل أُحيطت بالعديد من علامات الشك والارتياب من قبل علماء مسلمين ورجال دين عارضوا هذا الفن حتى أنهم أفتى بحُرمته.

في المقابل، كانت هناك فتاوى إسلامية أباحت التمثيل، والغناء أيضاً كما أسلفنا في مقال سابق نُشر على موقع "ارفع صوتك". 

 

الرفض: الرأي التقليدي

في كتابه "تاريخ آداب اللغة العربية"، عمل الأديب اللبناني جرجي زيدان على تفسير الرفض التقليدي لفن التمثيل في الأوساط الإسلامية، فقال إن "فن التمثيل من الفنون القديمة في قارة أوروبا منذ عهد اليونان، ونقل العرب في صدر الدولة العباسية علوم اليونان الطبيعية والفلسفية والرياضية، وتجاهلوا نقل أكثر آدابهم الأخلاقية، أو الشعرية والتاريخية، ومن جملتها التمثيل".

يفسر ذلك التجاهل بقوله "لعل السبب، تجافي المسلمين عن ظهور المرأة المسلمة على المسرح، فأزهر التمدن الإسلامي وأثمر وليس فيه ثمة تمثيل...".

بشكل عام، تعرض الممثلون والفنانون العرب للتجاهل والرفض بشكل واسع من قِبل المؤسسات الدينية الإسلامية لفترات طويلة من القرن العشرين. حيث أصدر بعض رجال الدين فتاواهم الرافضة لممارسة التمثيل، وعدّوه من "خوارم المروءة"، ومن أسباب سقوط الشهادة في المحاكم الشرعية.

يُعبر الشيخ السعودي بكر أبو زيد عن تلك الرؤية في كتابه "حكم التمثيل"، فيذكر أن التمثيل نوع من أنواع الكذب، ويستشهد بالحديث المنسوب للصحابي عبد الله بن مسعود "الكذب لا يصلح في جد ولا هزل، ولا يَعد أحدكم صبيّه شيئاً ثم لا يُنجزه"، يتابع بعدها "...وعليه فلا يمتري عاقل، أن (التمثيل) من أولى خوارم المروءة، ولذا فهو من مُسقِطات الشهادة قضاء، وما كان كذلك، فإن الشرع لا يُقرّه في جملته. ومن المسلمات أن التمثيل لا يحترفه أهل المروءات، ولا من له صفة تذكر في العقل والدين...".

الرأي نفسه، ذهب إليه المفتي الأسبق للمملكة العربية السعودية عبد العزيز بن باز. جاء في إحدى فتاواه: "...الذي يظهر لنا أن التمثيل من باب الكذب، التمثيل أنه يمثل عمر، أو يمثل أبا جهل، أو يمثل فرعون، أو يمثل النبي، كلها في ما نعلم وفي ما نفتي به أنها من الكذب، يكفي الآخرين ما كفى الأولين...".

جدارية تصور الشاعر العراقي مظفر النواب بريشة الفنانة العراقية وجدان الماجد على جدار خرساني في العاصمة بغداد.
من محمد عبده إلى كمال الحيدري.. فتاوى أباحت الرسم والنحت
عرفت فنون الرسم والتصوير والنحت حضوراً قوياً في الثقافة الأوروبية في العصور الوسطى، وتماشى هذا الحضور مع غلبة المعتقدات الدينية المسيحية التي لا ترى بأساً في تصوير الإنسان والكائنات الحية، على النقيض من ذلك، ظهرت معارضة قوية لتلك الفنون في البلاد الإسلامية.

 

تصاعد الجدل بين الممثلين ورجال الدين

شهدت العقود السابقة اشتعال الجدل بين الممثلين ورجال الدين بسبب عدد من الأعمال الفنية السينمائية والتلفزيونية. وكانت ظاهرة تمثيل الأنبياء والصحابة أحد أهم الأسباب المثيرة للجدل والنقاش بين الطرفين>

وفيما حاول الممثلون تجسيد الشخصيات الدينية الروحية الأكثر تأثيراً في أعمالهم، فإن رجال الدين المسلمين -على الجانب الآخر- رفضوا ذلك بشكل كامل، وأصروّا أن تبقى الشخصيات بعيدة عن أي تجسيد أو تمثيل للحفاظ على القداسة المرتبطة بها في الوجدان المسلم.

بشكل عام، تعود فكرة تجسيد الأنبياء بشكل درامي لفترة مبكرة من عمر الصناعة السينمائية في البلاد العربية. ففي عام 1926، عُرض على الممثل المصري يوسف بك وهبي تمثيل شخصية الرسول محمد من قِبل شركة إنتاج ألمانية- تركية.

وافق وهبي في البداية وانتشر الخبر في الصحف، حتى خرج الأزهر وهاجم المشروع. كتب وهبي في مذكراته أنه اعتذر عن بطولة العمل بعدما تلقى تهديداً من جانب الملك فؤاد ملك مصر -آنذاك- بالنفي والحرمان من الجنسية المصرية.

لا ننسى أن تلك الأحداث وقعت بعد سنتين فحسب من سقوط الدولة العثمانية، كان الملك فؤاد وقتها يسعى للحصول على لقب "الخليفة"، وكان من المهم بالنسبة له أن يظهر في صورة "المدافع عن الإسلام والنبي" ضد أي تشويه محتمل.

في خمسينيات القرن العشرين، جُسدت شخصيات بعض الصحابة درامياً. على سبيل المثال قدمت السينما المصرية فيلم "بلال مؤذن الرسول" سنة 1953، وفيلم "خالد بن الوليد" سنة 1958 من بطولة وإنتاج وإخراج الممثل المصري حسين صدقي. عُرف صدقي بتوجهاته الإسلامية في الفترة الأخيرة من حياته، وكان اختيار شخصية خالد بن الوليد تحديداً لتجسيدها في عمل سينمائي أمراً مفهوماً لما لتلك الشخصية من حضور طاغٍ في الثقافة الإسلامية السنيّة التقليدية.

تفجر الجدل مرة أخرى حول تجسيد شخصيات الصحابة في سبعينيات القرن العشرين. في تلك الفترة أُعلن الاتفاق على تصوير فيلم "الرسالة" بنسختيه العربية والإنجليزية للمخرج السوري مصطفى العقاد، واختيرت نخبة من الفنانين العرب والأجانب للمشاركة في تقديم هذا المشروع الضخم.

شاع حينها أن صناع العمل حصلوا على موافقة الأزهر، مما أثار رفضاً من جانب الكثير من رجال الدين. مثلاً، أرسل الشيخ السعودي عبد العزيز بن باز إلى شيخ الأزهر رسالة يستهجن فيها الموافقة على الفيلم، جاء فيها "من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المُكرم صاحب السماحة الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر… فإني أستغرب إقرار الأزهر لإخراج الفيلم المذكور؛ فإن كان ما نُسب إليه صحيحاً فإني أطلب من فضيلتكم العمل على سحب الفتوى الصادرة من الأزهر في هذا الشأن إن أمكن ذلك، أو إبداء رأيكم في الموضوع براءةً للذمة، وخروجاً من التبعة، وتعظيماً للنبي وأصحابه –رضي الله عنهم– وصيانةً لهم عن كل ما قد يؤدي إلى تنقصهم بوجه من الوجوه…".

تسببت ردود الأفعال الغاضبة في إعلان الأزهر رفضه مشروع الفيلم، فأصدر الشيخ عبد الحليم محمود بياناً وقعه معه مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة، ورد في نصّه: "نعلن عدم الموافقة على إنتاج فيلم بعنوان (محمد رسول الله) أو أي فيلم يتناول بالتمثيل-على أي وضع كان- شخصية الرسول- صلى الله عليه وسلم- أو شخصيات الصحابة- رضي الله عنهم".

علل البيان الرفض بأن تلك الأفلام "تحط من قدر هذه الشخصيات المقدسة في نظر المسلم".

استجاب الملك الحسن الثاني ملك المغرب الراحل لنداء الشيخ محمود ومنع تصوير الفيلم في المغرب، وتم استكمال التصوير بعدها في ليبيا بدعم من نظام الرئيس الليبي السابق معمر القذافي.

لم ينته الصدام بين الممثلين ورجال الدين عند هذا الحد. فعلى مدار السنوات الماضية، شهدت أروقة المحاكم وصفحات الجرائد وقائع الجدل المتصاعد حول العديد من الأعمال الفنية التي لم تحصل على موافقة الرقابة الأزهرية، منها فيلم "القادسية"، من إنتاج دائرة السينما والمسرح العراقية سنة 1981، الذي جسد شخصية الصحابي سعد بن أبي وقاص، وفيلم "المهاجر" 1994، الذي قيل إنه "يصور سيرة حياة النبي يوسف".

من جهة أخرى، اُتهم العديد من الممثلين بالدعوة لـ"إشاعة الفحشاء والإباحية والعُري" من قِبل بعض رجال الدين، وارتبطت تلك الاتهامات بظاهرة "حجاب واعتزال الفنانات" التي تصاعدت في حقبة الثمانينيات.

وقيل وقتها إن "وراء تلك الظاهرة جماعات إسلامية تدفع أموالاً طائلة للفنانات المحجبات مقابل حجابهن وابتعادهنّ عن الوسط الفني".

 

فتاوى أجازت التمثيل

شهدت السنوات الأخيرة حالة من الهدوء النسبي بين رجال الدين والممثلين، وصدرت العديد من الفتاوى التي أباحت العمل بالتمثيل. من تلك الفتاوى، التي أصدرها الشيخ السعودي ابن عثيمين اعتماداً على أن هذا النوع من الفن من الأمور الخارجة عن العبادات الشرعية "...والأصل في غير العبادات الحل والإباحة، وهذا من فضل الله عز وجل: أن يسر على العباد ما لم يحرمه عليهم، فإذا كان الأصل الحل، فإنه لا بد من إقامة الدليل على التحريم..."، وفق تعبيره.

نشر الشيخ المصري يوسف القرضاوي مضمون الحكم نفسه على موقعه الإلكتروني، وذلك عندما أجاب على سؤال من إحدى شركات الإنتاج الفني حول حكم تقديم مسلسل عن الصحابي خالد بن الوليد، فقال "...قد أصبح التمثيل في عصرنا من مميزات الحياة المعاصرة، وأصبحت له معاهده وكلياته وخريجوه، وصار له عشاقه ومريدوه، وغدت له صور شتّى في المسرح وفي الأفلام وفي المسلسلات وغيرها. كما غدا يطرق أبواب الحياة الفردية والأسرية والاجتماعية والسياسية والدولية وغيرها. وأمسى له تأثيراته الهائلة في حياة الناس إيجاباً وسلباً... واستقر الأمر على جواز التمثيل بصفة عامة، إذا كان من ورائه عظة وعبرة للناس، ولم يشتمل على منكر يُحرمه الشرع، من قول أو فعل، أو مشهد...".

في السياق ذاته، أفتى علي جمعة، مفتي الديار المصرية السابق بأن التمثيل في حد ذاته ودراسته واستعماله من أجل إيصال الخير للناس "لا بأس به". ك

ما قال الداعية الإسلامي المصري خالد الجندي، إن "الفن بشكل عام، ومهنة التمثيل خاصة، ليست حراماً، إذا كان في النطاق المقبول والمحترم والهادف، لأن الفن رسالة قيّمة، إذا تم استخدامها بشكل صحيح".

وتابع أن التمثيل "جزء وأداة من أدوات الفن، وتعريف التمثيل، هو ضرب المثل، وهذا الضرب مذكور في القرآن، حيث قال الله تعالى "ويضرب الله الأمثال للناس"، وعندما وصف الله نوره، ضرب مثلاً أيضاً عندما قال في كتابه "مثل نوره كمشكاة"، وأن "الله عندما كان يرسل الملائكة إلى الرسل، كانت تتجسد في شكل البشر، مثل سيدنا جبريل، عندما نزل على سيدنا محمد".

يبدو موقف رجال الدين من التمثيل أكثر قبولاً في الأوساط الشيعية. على سبيل المثال، أجاب المرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني على سؤال حول حكم التمثيل الفني في المسرح أو التلفزيون بكونه "حلالاً".

كما أباح تمثيل دور المرأة بواسطة الرجل ولم ير أن ذلك التمثيل يدخل في باب التشبيه المنهي عنه في الحديث "لَعنَ رسُولُ اللَّهِ المُتَشبِّهين مِن الرِّجالِ بِالنساءِ، والمُتَشبِّهَات مِن النِّسَاءِ بِالرِّجالِ".

من جهة أخرى، أفتى السيستاني بجواز تجسيد الأنبياء على الشاشة بشرط مراعاة "مستلزمات التعظيم والتبجيل"، وعدم اشتماله "على ما يسيء إلى صورهم المقدسة في النفوس".